Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقامرة الرئيس الصيني شي جينبينغ

سباق توطيد أركان السلطة وتفادي الكارثة

رافقت احتفالات الحزب الشيوعي الصيني بمئويته مظاهر من البروباغاندا الحزبية المكثفة (سي إف أر.أورغ)

شي جينبينغ رجل في مهمة بعد مجيئه إلى السلطة في أواخر 2012، سارع إلى تعزيز سلطته السياسية، وتطهير الحزب الشيوعي الصيني من الفساد المستشري، وتهميش أعدائه وترويض شركات التكنولوجيا والمالية الصينية الناجحة وسحق المعارضة الداخلية، وفرض النفوذ الصيني بقوة على المسرح الدولي. وتحت مسمى حماية "المصالح الأساسية" للصين، اختار شي خوض معارك مع عدد من جيرانه والدول البعيدة، خصوصاً الولايات المتحدة. وفيما أمن أسلافه المباشرون بأن الصين يجب عليها أن تنتظر فرصتها الملائمة، وتركز على النمو الاقتصادي السريع والتوسع المنتظم لنفوذها من خلال الاندماج التكتيكي في النظام العالمي الحالي، ينطوي الحس الاستعجالي لدى الرئيس شي على درجة عالية من تحمل المخاطر، ويبدو أنه يشعر بشكل واضح بحاجة ملحة إلى تحدي النظام الدولي.

لماذا يتسرع هكذا؟ لقد استقر معظم المراقبين على واحدة من فرضيتين متعارضتين تماماً، ترى الأولى أن شي يقود مجموعة واسعة من مبادرات سياسية عامة تهدف إلى ما لا يقل عن إعادة تشكيل النظام العالمي بشروط مواتية للحزب الشيوعي الصيني، وتؤكد الثانية أنه يشرف بقلق على نظام سياسي لينيني متصدع وبائد، يكافح من أجل الحفاظ على قبضته على السلطة. وتحمل الروايتان كلتاهما بعضاً من الحقيقة، لكن لا تقدم أي منهما تفسيراً مرضياً لهذا الحس الاستعجالي لدى شي.

في المقابل، قد يكون التفسير الأدق في أن شي يبني حساباته لا على تطلعاته أو مخاوفه، بل على جدوله الزمني، وببساطة عزز شي سلطته بشكل كبير وزعزع الوضع الراهن بهذه القوة لأنه يرى نافذة ضيقة من 10 إلى 15 عاماً يمكن خلالها لبكين الاستفادة من مجموعة من التحولات التكنولوجية والجيوسياسية المهمة، التي ستساعدها أيضاً في التغلب على تحديات داخلية كبيرة. ويرى شي أن تلاقي التحولات الديموغرافية والتباطؤ الاقتصادي الهيكلي والتقدم السريع في التقنيات الرقمية والتحول الملحوظ في ميزان القوى العالمي بعيداً من الولايات المتحدة، يمثل على حد وصفه "تغييرات عميقة لم نشهدها منذ قرن" وتتطلب ردوداً فورية جريئة.

من خلال تركيز رؤيته على ما يتراوح بين 10 و15 سنة مقبلة، أدخل شي إحساساً بالتركيز والتصميم على النظام السياسي الصيني، مما قد يمكن الصين من التغلب على التحديات المحلية طويلة الأمد وبلوغ مستوى جديد في المركزية العالمية، وإذا نجح فإن الصين ستضع نفسها كمهندس لعصر ناشئ من التعددية القطبية، وسوف يفلت اقتصادها مما يسمى بفخ الدخل المتوسط​​، وستتنافس قدراتها التكنولوجية في قطاع التصنيع والجيش، مع قدرات البلدان الأكثر تقدماً.

في المقابل، ثمة فارق بين الطموح والتنفيذ، وقد وضع شي بلاده الآن في مسار محفوف بالمخاطر، بل ينذر بتقويض الإنجازات التي حققها أسلافه في حقبة ما بعد الزعيم الصيني الراحل ومؤسس الصين الشعبية، ماو تسي تونغ، وسوف يؤدي اعتقاده بأن الحزب الشيوعي الصيني يجب أن يوجه الاقتصاد، وضرورة أن تكبح بكين جماح القطاع الخاص، إلى تقييد النمو الاقتصادي المستقبلي للبلاد. ومن شأن مطالبته كوادر الحزب بالالتزام بالعقيدة الأيديولوجية وإبداء الولاء الشخصي له، تقويض مرونة نظام الحكم وكفاءته، وسيقود تركيزه على مفهوم موسع للأمن القومي البلاد إلى وضع داخلي يسوده القلق والارتياب، وكذلك ستؤدي قومية "الذئب المحارب" التي أطلقها إلى صين أكثر عدوانية وعزلة. وأخيراً، سيوصل استفراد شي باتخاذ القرار على نحو متزايد داخل النظام السياسي الصيني إلى إحباط البدائل السياسة ومحاولات تصحيح المسار، وقد تفاقمت تلك المشكلة فعلاً بسبب إلغاء القيود المفروضة على فترة الرئاسة، واحتمال استمراره في الحكم إلى أجل غير محدد.

كذلك يعتقد شي أنه قادر على تشكيل مستقبل الصين على غرار ما فعل أباطرة الماضي العريق للبلاد، لكنه يخلط بين الغطرسة والثقة، ولا يجرؤ أحد على إخباره بخلاف ذلك. وتمثل البيئة التي لا يستطيع فيها زعيم قوي له تفكير أحادي سماع الحقائق غير المريحة وصفة للكارثة، وفق ما أثبت ذلك جيداً تاريخ الصين الحديث.

رجل في عجلة من أمره

بالنظر إلى الماضي، بدا الجدول الزمني الضيق الذي يركز عليه شي واضحاً منذ بداية فترة ولايته. لقد اعتادت الصين على وتيرة سلفه هو جينتاو البطيء والهادئ، وتوقع كثيرون أن يحذو شي حذوه، بل مع تركيز أكبر على الإصلاح الاقتصادي. ومع ذلك، في غضون أشهر من توليه زمام السلطة عام 2012، بدأ شي إعادة ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي المحلي. تمثلت نقطة البداية في تنظيف البيت الداخلي للحزب الشيوعي الصيني من الأعلى إلى الأسفل، ولقد أظهر الحزب مراراً قدرته على الصمود في وجه العواصف الداخلية، لكن الضغوط كانت تتراكم داخل النظام واستشرى الفساد، مما أدى إلى استياء شعبي وانهيار الانضباط التنظيمي، وقد تنامت صفوف الحزب بسرعة، لكنها امتلأت على نحو متزايد بأفراد لم يقاسموا شي إيمانه بالاستثناء الذي يميز الحزب الشيوعي الصيني. وساد الخمول والاضطراب خلايا الحزب الموجودة ضمن المؤسسات المملوكة للدولة والشركات الخاصة والمنظمات غير الحكومية، وأصبح صنع القرار على المستوى الأعلى مجزأً وغير منسق، لذا كافحت أجهزة الدعاية التابعة للحزب كي توصل رسائلها إلى المواطنين المتشائمين والبارعين في أمور التكنولوجيا بشكل متزايد.

لقد تحمل شي كل هذه المشكلات في آن واحد. في 2013 وحده أطلق حملة كاسحة بهدف مكافحة الفساد، وحملة "خط الجماهير" التي سعت إلى القضاء على التعددية السياسية والأيديولوجيات الليبرالية في الخطاب العام، وأعلن أيضاً عن مبادئ توجيهية جديدة تقيد زيادة العضوية في الحزب، وأضاف شروطاً أيديولوجية جديدة لأعضاء الحزب المحتملين. لقد اعتقد أن حجم الحزب ليس مهماً بدرجة كبيرة إذا لم يكن مؤلفاً من مؤمنين حقيقيين، وبحسب ما أشار شي، عندما أوشك الاتحاد السوفياتي على الانهيار في أوائل التسعينيات، "نسبياً امتلك الحزب الشيوعي السوفياتي أعضاء أكثر من الحزب الشيوعي الصيني، لكن لم يكن هناك أي رجل حقيقي لديه الجرأة على الوقوف والمقاومة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

شي جينبينغ رجل في مهمة

تتمثل الخطوة التالية في جدول أعمال شي في الحاجة إلى تأكيد مصالح الصين على المسرح العالمي، ولقد بدأ شي بسرعة جهود السيطرة على أراض في بحر الصين الجنوبي، وأنشأ منطقة تعريف في الدفاع الجوي، بمعنى أن من يدخل إليها يتوجب عليه أن يعرف عن نفسه إلى نظام الدفاع الجوي الصيني فوق الأراضي المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي، وساعد في إطلاق "بنك التنمية الجديد" الذي يسمى أحياناً "بنك بريكس" BRICS Bank، وكشف النقاب عن مشروع البنية التحتية الدولي الضخم الذي بات معروفاً باسم "مبادرة الحزام والطريق" Belt & Road Initiative (اختصاراً "بي آر أي" BRI)، واقترح تأسيس "البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية".

واصل شي شق طريقه مع إبقاء الوضع السائد طوال ما تبقى من فترة ولايته الأولى، وكذلك لم يبد أية علامات على التراجع مع اقترابه من نهاية فترة ولايته الثانية، واستمر في توطيد سلطته من دون انقطاع في غياب منافسين سياسيين حقيقيين، وألغى حدود فترة ولايته في المنصب الرئاسي، وعيّن حلفاءه وأنصاره في مناصب رئيسة. كذلك خصص مراكز بحثية جديدة لدراسة كتاباته وخطاباته، ويمجد مسؤولو الحزب بشكل علني حكمته وفضيلته، وتزعم اللوائح التنظيمية للحزب ووثائق التخطيط الحكومية بشكل متزايد أنها تستند إلى فكر شي جينبينغ، وكذلك فرض هيمنة الحزب الشيوعي الصيني على قطاعات واسعة من المجتمع الصيني والحياة الاقتصادية، حتى أنه أجبر عمالقة الأعمال والتكنولوجيا الواسعي النفوذ على طلب العفو على ولائهم غير الكافي للحزب. في غضون ذلك، استمر في توسيع دائرة نفوذ الصين على الصعيد الدولي من خلال ممارسة القوة الصارمة والإكراه الاقتصادي والاندماج العميق في الهيئات الدولية والمتعددة الأطراف.

في البداية، اعتقد عدد من المراقبين الأجانب، بمن فيهم أنا، أن عدم قدرة الحزب على احتواء تفشي "كوفيد-19" كشف عيوب النظام الصيني، لكن بحلول صيف عام 2020 استطاع شي التنويه بفضائل التحكم المركزي في احتواء الانتشار المحلي للوباء، والآن أصبح نهج بكين الصارم في مكافحة الفيروس مصدر فخر وطني، بل أبعد ما يكون عن تقويض سلطته السياسية.

لحظة فريدة

تعتبر الوتيرة السريعة التي يتحرك بها شي نتاجاً من تضافر متغيرات جيوسياسية وديموغرافية واقتصادية وبيئية وتكنولوجية. وتنطوي هذه المتغيرات على مخاطر جسيمة، لكنها لم تصل بعد إلى حد تشكيل خطر وجودي، لذا تملك بكين فرصة للتصدي لها قبل أن تصبح قاتلة، مع استغلال فوائدها الهائلة المحتملة.

يتمثل التغيير الرئيس الأول في تقدير بكين بأن قوة ونفوذ الغرب دخلا في مرحلة من التدهور المتسارع، ونتيجة لذلك بدأت حقبة جديدة من التعددية القطبية التي يمكن للصين أن تجعلها أكثر تناسباً مع ما يحلو لها، ولقد ترسخ هذا الرأي مع تحول الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق إلى مستنقعات، وتوطد في أعقاب الأزمة المالية سنة 2008، التي اعتبرتها القيادة الصينية إيذاناً بزوال هيبة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي.

في 2016 أدى التصويت البريطاني لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) وانتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، إلى تقوية رأي سائد مفاده أن الولايات المتحدة والغرب بشكل عام أصبحوا في حال تراجع، وقد يوحي هذا بأن الصين قد تختار الصبر الاستراتيجي وتترك ببساطة القوة الأميركية تتلاشى. في المقابل، ثمة إمكانية في أن تجدد القيادة الأميركية التي وصلت مع مجيء إدارة الرئيس جو بايدن، والمخاوف بشأن احتمال وفاة شي الذي سيبلغ 82 عاماً في 2035، مما يعني أن بكين لا ترغب في الانتظار ورؤية كم من الوقت ستستغرق هذه المرحلة من الانحدار الغربي.

ويتمثل الضغط الثاني المهم الذي يواجه شي في تدهور الآفاق الديموغرافية والاقتصادية للصين حينما تولى منصب الرئاسة، فقد كان سكان الصين يشيخون ويتقلصون في الوقت نفسه، وواجهت البلاد زيادة وشيكة في عدد المتقاعدين، ما من شأنه أن يثقل كاهل أنظمة الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية الضعيفة نسبياً في البلاد. وتتوقع الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية الآن أن يصل عدد سكان الصين ذروته في 2029، وكذلك توقعت دراسة حديثة في مجلة "لانسيت" The Lancet أن يتقلص عدد سكان الصين بنسبة 50 في المئة تقريباً بحلول نهاية القرن. وعلى الرغم من أن بكين أنهت سياسة الطفل الواحد الصارمة في 2016 (أجبرت السكان على الاكتفاء بطفل لكل عائلة)، إلا أن البلاد لا تزال تسجل انخفاضاً في نسبة المواليد بلغت 15 في المئة خلال الأشهر الـ 12 الماضية. وفي الوقت نفسه، تقدر الحكومة أنه مع حلول 2033 سيكون حوالى ثلث السكان فوق سن الـ 60.

واستطراداً، تتفاقم تلك الصورة، مع تقلص القوة العاملة وارتفاع الأجور التي زاد معدلها 10 في المئة​ منذ 2005. ومع أن الأجور المرتفعة مفيدة للعمال، إلا أن ذلك يدفع المصنعين العالميين إلى نقل عملياتهم بشكل متزايد خارج الصين إلى البلدان المنخفضة الكلفة، تاركين خلفهم في الصين عدداً متزايداً من العمال ذوي المهارات المتدنية، عاطلين من العمل أو عاملين بأجور زهيدة، ولأن ما لا يزيد عن 12.5 في المئة من القوى العاملة في الصين تخرجت من الكليات، بالمقارنة مع 24 في المئة في الولايات المتحدة، فسيكون من الصعوبة بمكان رفع الجزء الأكبر من القوى العاملة في البلاد إلى وضع تتمكن فيه من التنافس على الوظائف ذات المهارات العالية في المستقبل.

يرتبط تباطؤ الاقتصاد الصيني ارتباطاً مباشراً بهذه الصورة الديموغرافية المقلقة. ومع انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي من 14 في المئة في 2007 إلى حوالى خمسة في المئة، بات عدد من المشكلات التي طال أمدها وتفادت بكين معالجتها تتطلب الآن اهتمامها واستعدادها لتحمل الألم الاقتصادي والسياسي، بدءاً من تفكيك العدد الهائل من الشركات المثقلة بالديون، ووصولاً إلى مطالبة الشركات والأفراد ضخ مزيد من الأموال في خزائن الدولة الضريبية. ويأتي ضعف الإنتاجية في صميم مشكلات النمو التي تعانيها الصين، فخلال العقود الأولى من فترة الإصلاح بعد ماو، بدا تحقيق مكاسب الإنتاجية يسيراً نسبياً، إذ جرى التخلي عن الاقتصاد الموجه لمصلحة قوى السوق، ونزحت أعداد كبيرة من المواطنين طواعية من الأرياف إلى المناطق الحضرية والساحلية، مستبشرين بوظائف لها أجور أعلى. لاحقاً، مع دخول الاستثمار والتكنولوجيا والمعرفة عبر الشركات الأجنبية إلى البلاد، استمرت الكفاءة الصناعية في التحسن، وأخيراً أدى الإنفاق الهائل على البنية التحتية، خصوصاً الطرق والسكك الحديد، إلى تعزيز المواصلات وبالتالي الإنتاجية، وقد ساعد ذلك كله الاقتصاد الضعيف والزراعي في المقام الأول، على اللحاق السريع بالاقتصادات الأكثر تقدماً.

في المقابل، مع حلول موعد تولي شي مقاليد الحكم، واجه واضعو السياسات صعوبة متزايدة في الحفاظ على زخم النمو من دون مراكمة مستويات غير محتملة من الديون، تماماً وفق ما فعلوه عند مواجهة الأزمة المالية العالمية في 2008. وأكثر من ذلك، باتت البلاد مشبعة بالفعل لجهة البنية التحتية للنقل، لذا فإن إضافة ميل من الطرق أو من السكك الحديد العالية السرعة، لن يضيف الكثير إلى النمو، ولأن جميع القادرين عن العمل تقريباً انتقلوا فعلياً من الريف إلى المناطق الحضرية، فإن نقل العمالة لن يوقف تدهور الإنتاجية أيضاً. وأخيراً، أصبحت الكُلف الاجتماعية والبيئية للنموذج السابق في تنمية الصين، غير قابلة للاستدامة ومزعزعة للاستقرار، إذ أثار تلوث الهواء المذهل والدمار البيئي غضباً حاداً بين المواطنين الصينيين.

في سياق متصل، قد تتمثل التحولات الأكثر أهمية التي حدثت في فترة حكم شي في التطورات في التقنيات الجديدة كالذكاء الاصطناعي والروبوتات والهندسة الطبية الحيوية من بين أمور أخرى، ويعتقد شي أن السيطرة على مفاتيح القيادة لهذه الأدوات الجديدة ستؤدي دوراً حاسماً في تحديد مصير البلاد الاقتصادي والعسكري والجيوسياسي، لذا وظف شي الحزب الشيوعي في عملية تحويل البلاد إلى قوة تكنولوجية عالية، ويشمل ذلك التوظيف إنفاق مبالغ طائلة على تطوير قدرات البحث والتطوير وقدرات الإنتاج في مجال التقنيات التي تعتبر بالغة الأهمية في الأمن القومي، من أشباه الموصلات إلى البطاريات. ووفق ما أورد شي في 2014، فإن ميزة الخطوة الأولى ستكون في مصلحة "كل من يمسك أنف ثور العلم والابتكار التكنولوجي".

يأمل شي أيضاً بأن تساعد التقنيات الجديدة الحزب الشيوعي الصيني في التغلب أو على الأقل التحايل، على جميع التحديات المحلية تقريباً التي تواجه الصين، ويعتقد أن الآثار السلبية الناجمة عن تقلص القوى العاملة يمكن تخفيفها عبر دفعة قوية نحو الأتمتة، ومن المستطاع أيضاً تعويض فقدان الوظائف في الصناعات التقليدية عبر فرص عمل في قطاعات جديدة عالية التقنية. وفي هذا الصدد، ذكر شي في 2014 أن "قدرتنا عى الصمود في الساحة الدولية وتجاوز "فخ الدخل المتوسط" ​​يعتمد إلى حد كبير على تحسين قدرتنا على الابتكار في العلوم والتكنولوجيا".

علاوة على ذلك، تخدم التقنيات الجديدة أغراضاً أخرى، إذ تمنح أدوات التعرف على الوجوه والذكاء الاصطناعي أجهزة الأمن الداخلي الصينية سبلاً جديدة في مراقبة المواطنين وقمع المعارضة، وتسعى استراتيجية "الاندماج بين العسكري والمدني" التي ينتهجها الحزب إلى تسخير تلك التقنيات الجديدة في تعزيز القدرات القتالية للجيش الصيني بشكل كبير، وكذلك يوفر التقدم في التكنولوجيا الخضراء إمكانية تحقيق النمو الاقتصادي وخفض التلوث معاً، وهما هدفان طالما اعتبرتهما بكين بشكل عام في حال تعارض.

السياسة الصينية وجنون الشك

في صورة عامة، الأرجح أن تلك التغييرات والتطورات كانت ستجتمع مع بعضها بعضاً، بغض النظر عمن تولى السلطة في الصين عام 2012، وربما سيتبنى أي زعيم آخر أجندة جريئة مماثلة. ومع ذلك، مقارنة مع الشخصيات السياسية الصينية المعاصرة، أظهر شي مهارة منقطعة النظير في خوض الصراع البيروقراطي الداخلي، ويؤمن بوضوح بأنه شخصية لها أهمية تاريخية، يعتمد عليها مصير الحزب الشيوعي الصيني.

ومن أجل المضي قدماً في إحداث تغيير كبير، أشرف شي على بناء نظام سياسي جديد يرتكز على تعزيز سلطته وسلطة الحزب الشيوعي الصيني بشكل هائل. في المقابل، وبعيداً من هذا الارتقاء بسلطة الحزب، ربما يكمن الإرث الأكثر أهمية لشي في إعادة تعريفه الموسع للأمن القومي. لقد برزت دعوته لـ "مفهوم الأمن القومي الشامل" في أوائل 2014. وفي خطاب ألقاه في أبريل من ذلك العام، أعلن أن الصين تواجه "أكثر العوامل الداخلية والخارجية تعقيداً في تاريخها". وعلى الرغم من المبالغة الواضحة في ذلك، إذ كانت الحرب مع الولايات المتحدة في كوريا والمجاعة الوطنية في أواخر الخمسينيات أكثر تعقيداً، جاءت رسالة شي إلى النظام السياسي واضحة ومتمثلة في أن الحزب مقبل على حقبة جديدة من المخاطر وعدم اليقين.

وفي ملمح آخر، فإن التجربة الطويلة للحزب الشيوعي الصيني مع الانشقاقات ومحاولات الانقلابات والتقويض من قبل جهات خارجية، تجعله عرضة لجنون الارتياب الحاد، ولقد وصل ذلك الأمر ذروته في عهد ماو، والآن يخاطر شي بإضفاء الطابع المؤسسي على هذا النمط من جنون الشك. في هذا الصدد، تجسدت إحدى نتائج الخلط بين الأمن الداخلي والخارجي في تضخيم التهديد، وحاضراً تعمل كوادر الحزب في مناطق تنخفض فيها المخاطر والجرائم، على إصدار تحذيرات من الإرهاب و"الثورات الملونة" و"الاختراق المسيحي."

في إقليم شينجيانغ استخدمت المخاوف من الانفصالية في تبرير تحويل المنطقة بأكملها إلى سجن بائس يمتلك تقنيات عالية، وفي هونغ كونغ، أسس شي أجهزة بيروقراطية هدفها حفظ "الأمن القومي"، ويمكنها تجاهل القوانين المحلية والعمل في سرية تامة بهدف التخلص من التهديدات المتصورة لدى حكم القبضة الحديدية في بكين، وفي المكانين كليهما أظهر شي أنه مستعد لتحمل الاستنكار الدولي حينما يشعر أن المصالح الأساسية للحزب معرضة للخطر.

في الداخل، يذكي شي المشاعر القومية من خلال تصوير الصين على أنها محاطة ومحاصرة بالأعداء، ويستغل وجهة نظر عاطفية للغاية ومشوهة للغاية عن الماضي، ويطري معارك الصين ضد اليابانيين في الحرب العالمية الثانية و"انتصارها" على الولايات المتحدة في الحرب الكورية. ومن خلال التحذير بأن الصين دخلت فترة من اشتداد الخطر الصادر من "قوى أجنبية معادية،" يحاول شي تكييف المواطنين الصينيين مع فكرة مواجهة ظروف أصعب في المستقبل، مع الحرص على أن ينظر إليه وإلى الحزب الشيوعي كقوى ضامنة للاستقرار.

في غضون ذلك، وبهدف استغلال فرصة متصورة أثناء الانسحاب الأميركي من الشؤون العالمية، تقدمت بكين بقوة على جبهات عدة في السياسة الخارجية، ويشمل ذلك استخدام تكتيكات "المنطقة الرمادية" على غرار استعمال قوارب الصيد التجارية في التأكيد على مصالحها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وإنشاء أول قاعدة عسكرية خارجية للصين في جيبوتي. وكذلك سمحت السوق المحلية الصينية الواسعة للرئيس شي بتهديد الدول التي لا تطيعها سياسياً ودبلوماسياً، كما يتضح من حملة بكين الأخيرة في ممارسة إكراه اقتصادي ضد أستراليا رداً على دعوة كانبيرا (عاصمة أستراليا) إلى إجراء تحقيق مستقل في أصل الفيروس المسبب لـ "كوفيد-19". وعلى نحو مماثل، شجع شي "ذئابه المحاربة" من الدبلوماسيين الصينيين على ترهيب ومضايقة الدول المضيفة التي تنتقد الصين أو تعاديها، ففي وقت سابق من هذا العام فرضت بكين عقوبات على جو سميث فينلي، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني والعالم السياسي الذي يدرس إقليم شينجيانغ، و"معهد ميركاتور للدراسات الصينية"، وهو مركز أبحاث ألماني، زعم الحزب الشيوعي الصيني أن عمله "أضر بشدة بسيادة الصين ومصالحها".

لقد أظهر ماو تسي تونغ ودنغ هسياو بينغ (برز في مرحلة ما بعد ماو تسي تونغ، وتنسب إليه سياسة الانفتاح الاقتصادي للصين التي برزت في سبعينيات القرن الـ 20) صبراً استراتيجياً في تأكيد مصالح الصين على المسرح العالمي. وفي الواقع، أخبر ماو الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون أن الصين يمكن أن تنتظر 100 عام لاستعادة تايوان، وتفاوض دينغ على استعادة هونغ كونغ بموجب الوعد الذي أخلفه شي بتمكين الإقليم من حكم ذاتي محلي مدته 50 عاماً. لقد امتلك الزعيمان كلاهما إحساساً عميقاً بالهشاشة النسبية للصين وأهمية التحلي بحنكة سياسية حذرة ودقيقة، لكن الرئيس شي لا يشاطرهما رزانتهما أو ثقتهما في الحلول طويلة الأجل.

واستطراداً، لقد أثار ذلك مخاوف من أن يجري شي مناورة خطرة للغاية بهدف السيطرة على تايوان بالقوة مع حلول سنة 2027، الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي، ومع ذلك يبدو مستبعداً أن يثير نزاعاً عسكرياً مع الولايات المتحدة على بعد حوالى 110 ميل من الساحل الصيني. وإذا افترضنا نجاح جيش التحرير الشعبي في التغلب على دفاعات تايوان، إضافة إلى التغلب على الانخراط الأميركي المحتمل، سيضطر شي بعد ذلك إلى تنفيذ احتلال عسكري في مواجهة مقاومة تستمر فترة زمنية غير محددة، ومن شأن محاولة الاستيلاء على تايوان تقويض جميع طموحات شي العالمية والمحلية الأخرى تقريباً. وعلى الرغم من أن السيناريوهات الأكثر تطرفاً تظل غير مرجحة في الوقت الحالي، إلا أن شي سيواصل التباهي بقوة الصين في محيطها الإقليمي، مع دفعها نحو الخارج أيضاً سعياً وراء تحقيق مصالحها، ويبدو أنه يريد رؤية حل نهائي في عدد من القضايا أثناء عهده.

رجل النظام

إن اعتقاد شي بأنه يستطيع تحديد توجه الصين بدقة، يستدعي إلى الأذهان ما وصفه الاقتصادي آدم سميث بـ "رجل النظام،" ويشير ذلك المصطلح إلى زعيم "مغرم جداً بالجمال المفترض لخطته المثالية للحكومة، بحيث لا يستطيع تحمل أصغر انحراف عن أي جزء منها"، ومن أجل تحقيق أهدافه على المدى القريب، تخلى شي عن فكرة "اليد الخفية" للسوق، وهي فكرة مفادها أن قوى السوق تتفاعل في ما بينها مما يؤدي إلى التوازن تلقائياً، وصاغ نظاماً اقتصادياً يعتمد على فاعلين حكوميين بهدف تحقيق أهداف محددة مسبقاً.

واستكمالاً لتك الصورة، شكل اعتماد شي على السياسة الصناعية أمراً حاسماً في ذلك التحول، وهي أداة من أدوات فن الحكم الاقتصادي التي تراجع الاهتمام بها حتى قرب نهاية فترة الرئيس هو جين تاو، الذي خلفه شي في سدة الرئاسة، بالترافق مع شروع بكين في تشكيل نهجها الخاص بشأن الابتكار التكنولوجي، ولقد شكل عام 2015 نقطة تحول مهمة مع إقرار برامج ضخمة في السياسة الصناعية لم يقتصر هدفها على مجرد النهوض بقطاع التكنولوجيا أو صناعة معينة، بل إعادة تشكيل الهيكل الاقتصادي برمته، وشمل ذلك خطة "صنع في الصين 2025" التي تهدف إلى ترقية قدرات التصنيع في عدد من القطاعات المهمة، واستراتيجية "إنترنت+" Internet Plus التي تمثل خطة هدفها دمج تكنولوجيا المعلومات في الصناعات التقليدية، إضافة إلى الخطة الخمسية الـ 14 التي تحدد أجندة طموحة في تقليل اعتماد الصين على ما تستقدمة من أدوات التكنولوجيا الأجنبية.

من خلال هذه السياسات، تضخ بكين عشرات تريليونات اليوانات في الشركات والتقنيات والقطاعات التي تعتبر أنها تملك أهمية استراتيجية، وتفعل بكين ذلك من خلال إعانات مباشرة وخفوض ضريبية و"صناديق التوجيه الحكومية" التي تبدو على نحو زائف بأنها تتبع سياسة السوق، لكنها تشبه فعلياً شركات حكومية لها رأسمال استثماري. وحتى الآن، يظل سجل بكين في هذا المجال متضارباً بالتأكيد، ففي حالات كثيرة لم تنتج المبالغ الاستثمارية الضخمة سوى عائدات ضئيلة، ولكن بحسب تحذير أطلقه الخبير الاقتصادي باري نوتون، فإن "السياسات الصناعية الصينية كبيرة جداً وجديدة للغاية، بحيث أننا لسنا في وضع يسمح لنا بتقويمها بعد، ومع أنها يمكن أن تتحول إلى نجاح، إلا أنها قد تضحي كارثة كذلك".

في سياق متصل، يرتبط مع هذه السياسة الصناعية نهج شي تجاه شركات القطاع الخاص الصينية، بما في ذلك عدد من عمالقة التكنولوجيا والمال ممن اعتبرهم المراقبون قبل مجرد بضع سنوات، عوامل محتملة في التغيير السياسي والاجتماعي. لقد مكن الابتكار التكنولوجي شركات على غرار "مجموعة آنت" Ant Group و"تينسنت" Tencent من السيطرة على تدفقات البيانات الجديدة المهمة والتكنولوجيا المالية، ومن الواضح أن الرئيس شي أدرك أن ذلك يمثل تهديداً غير مقبول، وفق ما اتضح من خلال لجوء الحزب الشيوعي الصيني أخيراً إلى عرقلة الطرح العام الأولي لـ "مجموعة آنت" في أعقاب تعليقات أدلى بها مؤسسها، جاك ما، اعتبرها كثيرون منتقدة للحزب.

في ملمح آخر، يملك الرئيس شي استعداداً للتخلي عن المكانة المالية الدولية للصين بهدف حماية مصالح الحزب الشيوعي، وإرسال إشارة إلى نخبة رجال الأعمال مفادها أن الحزب يأتي أولاً. في المقابل، إنها ليست قصة داود وجالوت، بل أقرب إلى نزاع عائلي، بالنظر إلى الروابط الوثيقة والدائمة بين الشركات الصينية الخاصة من حيث الاسم ونظامها السياسي. وبالفعل، فإن جميع رواد الأعمال الأكثر نجاحاً في الصين هم أعضاء في الحزب الشيوعي، وبالنسبة إلى شركات عدة، يعتمد النجاح على الامتيازات التي يمنحها الحزب، بما في ذلك الحماية من المنافسة الأجنبية. وبينما منح القادة الصينيون السابقون حرية واسعة للقطاع الخاص، وضع شي حدوداً صارمة لذلك القطاع، مما أدى إلى تقييد قدرة البلاد على الابتكار. وبغض النظر عن مدى تطور الجهات المنظمة والمستثمرين الحكوميين في بكين، لا يمكن خلق ابتكار مستدام وتحقيق مكاسب في الإنتاج من دون وجود قطاع خاص نشط.

استراتيجية كبرى أم مأساة كبرى؟

من أجل اغتنام المزايا المؤقتة وتدارك التحديات المحلية، وضع شي نفسه أمام تحدي سباق مدته 15 عاماً، وحشد له القدرات الهائلة في نظام بات شي يقوده الآن من دون منازع، ويفرض الإطار الزمني الضيق للرئيس شي شعوراً بالإلحاح سيحدد أجندة السياسة العامة لبكين، ومدى تحملها للمخاطر واستعدادها للمساومة أثناء مضيها قدماً، وسيؤدي هذا إلى تضييق الخيارات المتاحة للدول التي تأمل بالتأثير في سلوك الصين، أو أن يتراجع سلوك "الذئب المحارب" بشكل طبيعي.

يمكن للولايات المتحدة دحض ادعاء بكين بأن ديمقراطيتها قد ضمرت ونجم واشنطن بدأ يخفت، من خلال تعزيز مرونة المجتمع الأميركي وتحسين كفاءة الحكومة الأميركية، وإذا استثمرت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الابتكار ورأس المال البشري، فيمكنهم إحباط جهود شي في اكتساب ميزة السبق في التقنيات الناشئة والحاسمة، وبصورة مماثلة فمن شأن دور أميركي أكثر نشاطاً وتطلعاً نحو تشكيل النظام العالمي، أن يقلص قدرة بكين على نشر الأفكار غير الليبرالية خارج حدود الصين.

بالنتيجة، لقد وضع شي الصين عن غير قصد في منافسة مع نفسها ضمن سباق سيحدد مدى تغلب الأوجه المتعددة في قوتها على الأمراض التي أدخلها شي نفسه على النظام، وحينما تولى زمام السلطة كان الحزب الشيوعي الصيني قد أسس عملية واضحة في انتقال منتظم وسلمي للسلطة. وفي الخريف المقبل، سيعقد المؤتمر الـ 20 للحزب. ولقد جرت العادة أن يتنحى أي زعيم تولي زمام الأمور المدة نفسها التي حكم فيها الرئيس شي. ومع ذلك، لا يتوقع حتى الآن أن يتنحى شي، بل إن ذلك السيناريو محفوف بالمخاطر للغاية، ولا يقتصر ذلك على الحزب الشيوعي الصيني، بل يشمل مستقبل الصين ككل، ففي غياب خليفة في الأفق، يمكن أن تدخل البلاد إلى فوضى في حال وفاة شي بشكل مفاجئ خلال العقد المقبل.

وحتى لو افترضنا أن شي ظل بصحة جيدة أثناء وجوده في السلطة، فكلما طالت فترة ولايته دخل الحزب الشيوعي الصيني في ما يشبه عبادة الشخصية، على غرار ما حدث في عهد ماو، ولقد بدأت علامات ذلك المنحى تظهر بالفعل، على غرار شيوع التملق في أوساط الطبقة السياسية الصين. وفي هذا الصدد، يمكن أن تثير أناشيد الإطراء على عظمة "فكر شي جينبينغ" دهشة الأجانب باعتبارها ببساطة أموراً غريبة أو حتى هزلية، لكنها في الحقيقة تحمل تأثيراً مضراً على جودة صناعة القرار وتدفق المعلومات داخل الحزب.

سيكون من المفارقات ومن الأمور المفجعة أن يعرّض شي الحزب والبلد للخطر، بعد أن كلف نفسه مهمة إنقاذهما، وينطوي توجه الرئيس الصيني حاضراً على خطر تقويض التقدم الكبير الذي حققته البلاد على مدى العقود الأربعة الماضية. وفي نهاية المطاف، قد يكون شي محقاً في أن العقد المقبل سيحدد نجاح الصين على المدى الطويل. في المقابل، ثمة ما لا يفهمه شي على الأرجح، ويتمثل في أنه قد يكون بنفسه العقبة الكبرى.

مترجم من فورين أفيرز، يوليو (تموز)/ أغسطس (آب) 2021