"مشاهد من المسرح الواقعي" بتوقيع فايز قزق

عرض يحوّل حافلة مدمّرة من مخلّفات الحرب السورية إلى خشبة مسرح!

الحرب السورية على ضوء مسرح شكسبير (اندبندنت عربية)

ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها فايز قزق إلى الأماكن البديلة للعمل على مختبره المسرحي. إذ كان الممثل والمخرج السوري قد قدّم عام 2006 نص "حلم ليلة صيف" لشكسبير في حديقة تشرين العامة بدمشق، متعاملاً مع العناصر الأربعة: الماء والتراب والنار والهواء، لصوغ عرض يبتعد عما يطلق عليه أنطونان آرتو: "الالتصاق الأحمق بالنص". واليوم يعود بطل "الفرقة الملكية الشكسبيرية" ليكرر التجربة، محيلاً مع طلابه من الدفعة الثالثة لفن التمثيل حافلة من مخلّفات الحرب السورية إلى خشبة مسرح.

مغامرة فنية خاضها (قزق) مع ممثلين بدوا على حافة الاحتراف، مشتغلين أيما اشتغال على بنية عرض امتحاني، انتقوا له عنواناً مدرسيّاً: "مشاهد من المسرح الواقعي" ليكونوا وجهاً لوجه مع جمهور واظب على حضور التجربة بكثافة طيلة ثلاثة أيام متواصلة من العرض، ليتحول الفِناء الخلفي لبناء المعهد العالي للفنون المسرحية إلى صالة في الهواء الطلق، حيث اعتمد المخرج- المشرف على ذُرى درامية من عروض معروفة لكل من: هنريك إبسن في نصَيه "الأشباح" و"بيت الدمية" ولتشيخوف في نصه "النورس" ولأوغست ستريندبرغ في نصوص "الأقوى" و"الغرماء" و"الآنسة جوليا" إضافةً إلى العمل على نص "الموت والعذراء" لـ أرييل دورفمان و"عربة اسمها الرغبة" لـ تينسي وليامز.

هكذا أصبحت شخصيات من قبيل: "تريبليف" وأوزويلد، وبلانش دوبوا، والآنسة جوليا والدكتور موراندا وباولينا، ونورا" على خط موحد لكن متعدد الأصوات، وذلك من دون العبث بالمادة الأصلية للنصوص المقترحة، بل بالتعويل أكثر فأكثر على البحث المضني في تاريخ الشخصيات، والتي لطالما تم تقديمها في عروض احترافية، أو كمشاريع تخرّج لطلاب التمثيل في سورية.        

تسع مقطوعات حافظ فيها المشرف -المخرج على الخط الأكاديمي لإعداد الممثل، إنما ضمن شكل تجريبي على مستوى الفضاء الذي غيّر كثيراً من طبيعة العلاقة بين الشخصيات، وفتح لها آفاقاً جديدة في الأداء الجماعي واللعب الحر والبريء، سواء على مستوى التعامل مع الديكور أو الإضاءة- "تصميم طلاب السينوغرافيا والتقنيات" أو حتى على صعيد "البوليفونية- Polyphonie)" – تعدد الأصوات التي حاول "قزق" ترتيبها في البنية الجديدة لممثليه، بعيداً من كليشيهات المسرح الواقعي، والالتزام الحرفي بمفرداته الطبيعية، فالحافلة المُحترقة بقذيفة صاروخية، والتي تم الاشتغال عليها من الداخل والخارج بمساندة من فنان الديكور محمد قزق؛ أصبحت صلة وصل بين مَشاهد لا تفصل بينها رواية الشخصيات، بقدر ما توفر أبعاداً جديدة وعبقرية في تفسير "صفقة باب البيت" مثلاً التي هزت أوروبا القرن التاسع عشر في "نورا- بيت الدمية- أدّت الدور حسناء سالم"، والتي نراها مبتعدةً بثوبها الأبيض في عتمة حديقة المعهد المسرحي، وقناديل دار الأوبرا الملاصقة لمكان العرض، متبوعةً بصرخات زوجها "تورفالد- أدى الدور علي إسماعيل" واستغاثاته بعدم تركها لأبنائها، ومغادرة بيت الزوجية، والامتثال لأعرافه وتقاليده البطريركية الصارمة.

مثلها تماماً مشهد "الآنسة جولي- دجانة عيسى" مع "جون- ملهم بشر" الخادم الذي يحاول عبثاً الانعتاق من جلد الخدم وإغواء سيدته بالهروب معه، وصولاً إلى مشهد الانتحار الأخير للآنسة جولي، خوفاً من افتضاح أمرهما. إذ تتابع المشاهد المنتقاة بعناية مصائر شخصيات العرض، دون الحيلولة بينها، أو محاولة تجزئتها، بل بالتعليق عليها من الشخصيات ذاتها، والتي نراها طيلة العرض تحوم على سلالم جانبية، أو ترتقي سطوح الحافلة، أو تنزلق من غرفة الخزان الكهربائي المحاذية للفضاء المسرحي، أو حتى تنتظر داخل الحافلة، وتطل من نوافذها المغطاة بستائر بيضاء أو ملطخة بالدماء والشراب.

يحدث كل هذا في فضاء مترامي الأطراف قوامه أشجار الحديقة المتباعدة، والأسطح العالية المتاخمة في فراغ المكان، مما وفّر إمكان استخدام دراجة نارية أو سيارة في العرض، كما حدث أثناء هروب "الدكتور موراندا- علاء زهر الدين" بعد افتضاح أمره بأنه هو الطبيب الذي كان يغتصب السيدة "باولينا- آية محمود" في المعتقل على أنغام رباعية "الموت والعذراء" لشوبرت، أو كما حدث في المشهد الختامي من العرض مع "بلانش دوبوا- ريموندا عبود" حين تجري المواجهة مع زوج شقيقتها "ستانلي كوالسكي- إياد عيسى" الذي تمتثل بطيشها وضياعها العاطفي لرغباته وشبقه، في تشريح لبنية مجتمع الجنوب الأميركي وأزماته الأخلاقية والاجتماعية التي كان يحياها في النصف الأول من القرن الفائت.

ليس الفضاء هنا نعمة للممثلين ومشرف العرض ومصممي السينوغرافيا فحسب، بل هو تهيئة لفرجة متحرّرة تنعتق من جدران مسرح الإطار أو ما يسمى مسرح العلبة الإيطالية، نحو توليفة حاذقة للنصوص، ومونتاج ماهر برز فيه كل من "كنان حاتم وحسن خليل" في أدائهما لدور العشيقة والزوجة في مسرحية "الأقوى" لكن بنسخة كوميدية ساخرة، ليتقمصا دور عجوزتين ستكونان شاهدتين على أفول الحب وتحطيم قيم بالية وفق أداء لاذع للطهرانية التي تسود المجتمعات التقليدية، إذ نقرأ في هذه التجربة محاكمات تسقط على الوضع السوري الراهن، من دون المساس ببنية عروض الامتحان، بل بالتأكيد على طلاقة العرض حين يكون خارج أبواب الاستديوهات المغلقة، لنكون أمام طقوس مختلفة من الفرجة، تشي باكتشاف طاقات مغايرة للممثل المسرحي، كما كان الحال مع كل من "ميخائيل صليبي وراما زين العابدين" أو مع هذه الأخيرة بالشراكة مع "يوشع محمود" في "نورس" تشيخوف" والمصير الدامي لشخصية "تربيليف" قبيل انتحاره وبعد خسارته لـ "نينا" حبه المنشود الذي يموت على هيئة نورس عند قدمَي حبيبته اللاهية والحالمة بالشهرة.

كل هذا يورد لنا أمثلة نهائية عن الهجران الدامي والمفارقات الإنسانية التي أرادها فايز قزق منقّاة تماماً، إلا من علاقة "أنا الممثل الخالقة" مع "أنا الشخصية المؤداة على المسرح" بحسب ستانسلافسكي، ومن ثم انعكاس ذلك على علاقة هذا الممثل مع الجمهور، من دون التنازل عن تلك الحرارة الأخاذة في الأداء الجماعي، والعلاقة مع الشريك، وصولاً إلى الاعتناء العالي بالصوت ومخارج الحروف ولياقة الجسد وحضوره على مساحة اللعب. ربما كان ذلك متوازناً إلى حدٍ بعيد، لولا الأخطاء اللغوية الفادحة التي وقع فيها بعض الطلاب- الممثلين، أو التركيز على نبرة من الصراخ سادت بعض المشاهد، لكن في النهاية كنا أمام عرض على عتبة الاحتراف، وربما ينافس عروضاً احترافية يؤديها ممثلون محترفون، ربما لن تكون المقارنة هنا لصالحهم مع ممثلي الجيل الجديد، بالأخص جرأتهم وقدرتهم على التماهي مع الدور المسند إليهم، خارج مواسم الدراما الرمضانية التي تشغل اليوم الناس وتعتقلهم في منازلهم أمام شاشات التلفزة.

المزيد من ثقافة