أسامة الرحباني هو ابن الراحل منصور الرحباني. مؤلف موسيقي وعازف ومنتج وشريك الفنانة هبة طوجي في صنع اسمها ونجاحاتها. لمع اسمه في المسرح الغنائي، الذي تعاون فيه مع عدد من الفنانين من بينهم كارول سماحة وغسان صليبا ويوسف الخال وهبة طوجي وغيرهم. له أعمال مع والده وأخرى مع أخويه غدي ومروان، كما ألف موسيقى تصويرية لمجموعة من الأعمال.
معاناة واضحة
بداية يتحدث الرحباني عن مستقبل المسرح الغنائي، قائلاً: "يجب أن نسأل أولاً أي مستقبل ينتظر الوطن وشعبه وناسه الذين يهجرونه بعدما فقدوا الأمل والطموح. ومع أنني متجذّر في أرضي كما تعلمت من أهلي، لكنني أفكر ماذا أفعل في لبنان. أنا متعلق بالوطن واشتغلت من أجله، لكن فرص العمل غير متاحة خصوصاً المسرح الغنائي، الذي رسخه الأخوان رحباني في العالم العربي وما لبث أن تحول إلى تقليد. نحن نحب هذا المسرح، لأنه متكامل ويجمع بين كل الفنون كالموسيقى والشعر والفكر والقصة والأدب والتاريخ والأزياء والإضاءة. لا أعرف ما إذا كان الشرخ الكبير بين الناس وبين همومهم الثقافية والفكرية، هو الأسوأ على الإطلاق، لأنه يعني خسارة البلد والأمّة، لأن الأمم تنهض بشعوبها وناسها وأفكارها وثقافتها. تشرشل رفض إغلاق المسارح في لندن عندما تعرضت للقصف الألماني، كما نقل التعليم إلى المترو، ولم يتوقفوا في ألمانيا على رغم قصف الحلفاء عن تقديم الحفلات الموسيقية لأهم الفرق العالمية، مما يؤكد تعلقهم بالفكر والثقافة، لكونهما يعكسان المستوى الراقي للبلد. عندنا يعاني الناس بسبب همومهم الحياتية من ناحية، ومن ناحية أخرى معظمهم الترفيه، ولذلك أتوقع أن يكون مستقبل المسرح الغنائي قاتماً".
وعما إذا كان مطلوباً من الفنان الملتزم أن يسبح عكس التيار في هذا الزمن، يجيب: "أنا أعبر عن تفكيري وإحساسي وملتزم بالاحتراف الفني. لكن الفن هو تسلية بصرف النظر عن طروحاته، وحتى أعمال الكبار كـ بيتهوفن وموزارت وشوبان كانت لتلبية رغبات الملوك والأمراء أو الدولة أو الكونت. هؤلاء كانت لديهم هموم ثقافية، لذا كان هناك استمرارية لأعمالهم. أما نحن، فـ نعيش في عالمنا العربي في زمن لا يحظى بالاهتمام الثقافي والفكري ونعاني كثيراً بسبب عملنا الشاق، ولكننا مستمرون من خلال أغانينا التي تلتزم الفن الجيد والضمير العالي، الذي يحكي الواقع ويترجم أحاسيسنا ومناخنا وأحوال المجتمع الذي نعيش فيه ونتفاعل معه. المعاناة كبيرة جداً خصوصاً في ظل تردي معظم الوضع الإعلامي، الذي يعطي القيمة نفسها لـ بيتهوفن وأي فنان عربي دون المستوى".
لا ديكتاتورية في الفن
ورداً على سؤال حول إذا كان يؤيد حرية الفنان في تقديم ما يريده لأن الجمهور هو الحكم، أم أنه يؤيد مثلاً قرارات نقيب الفنانين المصريين هاني شاكر بمنع عدد من الفنانين من الغناء، يوضح: "لست مع الدكتاتورية في الفن، وأن يتكرر ما حصل في الاتحاد السوفياتي مع أهم المؤلفين الموسيقيين أمثال بروكوفيير وخاتشادوريان وشوستاكوفيتش، الذين أجبروا في المجلس البلدي في موسكو على إنكار أعمالهم والالتزام بتأليف فن كالذي كان يقدم قبل 100 أو 200 عام. المجتمع الفني بكل مجالاته يتجه نحو انحدار كبير في كل العالم. وبالنسبة إلى قرارات النقيب هاني شاكر، الذي أحترمه، فإنني أفضل التعامل مع الأمور بطريقة ذكية. لا أعرف الخلفية التي تقف وراء قراراته ولكنني قرأت بعضها ووجدت أنها غير صحيحة من الناحية العلمية. مثلاً، لا يمكن للنقابة أن تطلب من "يوتيوب" أن يوقف بعض الأغاني، لأنه لا يهتم سوى بالمال ولا يهمه أن تكون الأعمال لـ بيتهوفن أو "أبو تنكة". والمسألة الوحيدة التي يمكن أن يتدخل فيها هي حذفه تلقائياً أي قناة تبث أغنية مسروقة، إذا كان هناك طبعة من الأغنية الأساسية تحت الرقابة في الموقع. لا يمكن التعاطي مع هذه القرارات بطريقة عفوية ومزاجية بل وفق نظام معين. الطريقة التي تتصرف بها النقابة في مصر تخصها وتخص المصريين، ومع احترامي للنقابة والفن المصري الذي أحبه وأقدره، لكن ما يحصل في مصر يحصل في لبنان والعالم العربي وكل دول العالم، والمشكلة الأساسية تكمن في الإعلام ومحطات التلفزة، وفي الوقت نفسه لا يمكن مقاطعة السوشيال ميديا".
العمل المشترك
وعن المسرح يسعى مع إخوته لأن يكون امتداداً لمسرح الأخوين رحباني، اعتبر: "أعمالنا تشبهنا. في مرحلة انتقالية كان الفنان منصور هو شريكي في العمل. فالرؤية المسرحية لـعرض "قام في اليوم الثالث" كانت لي وكذلك الموسيقى والإنتاج ولكن الشعر والكتابة كانا لوالدي، وقد شاركني أيضاً نصاً وشعراً في مسرحيات "آخر يوم" و"جبران والنبي" و"عودة الفينيق". ثم كانت المرحلة الجديدة والمختلفة مع مروان وغدي في "دون كيشوت". أما غدي فقدم بمفرده مسرحية "ع أرض الغجر" وشارك مروان في "الانقلاب" و"الفارس" وغيرهما. الأساس كان الينبوع الذي انطلقنا منه، ولكن لنا شخصيتنا وأفكارنا وطروحاتنا ورؤيتنا الموسيقية. التطور تواصلي وتكاملي، بداية مع العظيمين الأخوين الرحباني ثم مع منصور الرحباني وطريقته في تطوير المسرح الغنائي، وبعدها في تجربتي مع والدي ومن ثم في تجربتي مع غدى ومروان، بحيث كانت لدينا أشياء جديدة نقولها. أوجه الشبه كثيرة بين المسرحين، لأن المسرح الرحباني كان يعتمد على الموسيقى والشعر كما على الدهشة التي لا تحضر في أذهان الناس من خلال الكاسيت لكنها تبدو ضخمة جداً في الصور. معنا أصبح التنسيق بين الأزياء والإضاءة واللون مختلفاً، كما تطور الإخراج أكثر مع تطور التقنيات، عدا عن أن طريقة تفكيري كمنتج مختلفة تماماً عن الجميع، لأن التكامل في عملي يبدأ منذ وضعه على الورق، من خلال تحديد طريقة الإخراج والرقص وما إلى هناك. أنا صاحب عملي الفعلي كمنتج، ومعي تطورت الموسيقى، الأوركسترا، الصوت وطريقة التعاطي مع الممثلين، وهذا أمر لا بد منه كنتيجة للتطور الفني".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعن سلبيات أو إيجابيات التعاون الفني بين الإخوة، وخوفه من خلافات لاحقة بينهم، يوضح: "التعامل مع الإخوة تكامل كبير، له علاقة بالتربية وطريقة التفكير. نحن عائلة متماسكة إنسانياً وجنباً إلى جنب في كل الظروف والمجالات. كلّ واحد منا يتمتع بسعة تفكير تسمح له بأن يفعل ما يريد، وأن يعرف دوره ومجاله. ومن هنا يكمن الاحترام الكلي للآخر. عندما أكون منتج المسرحية وصانع الأفكار، أطلب من غدي أن يكتب النص، ولكنني أتشارك معه أفكاراً كثيرة، ويحصل شجار بيننا وهو يقدر ما أفعله. والأمر نفسه عند التعامل مع مروان إخراجياً عندما اقترح نظرية معينة. لكن شجارنا ينتهي لمصلحة العمل. كل منا له اسمه وشخصيته وثقافته وفكره، ولكننا متماسكون إلى أبعد الحدود".
الفن اللبناني
أسامة الرحباني الذي يحضر مع هبة طوجي لعمل ضخم من إنتاجه وبمشاركة مجموعة من الموسيقيين والشعراء، تحدث عن آفاق مشروعه معها، موضحاً بأنه كبير ومستمر منذ عام 2007، ويضيف: "توجد كيمياء بيننا والتزام كبير تجاهها. هي من بين الفنانات الأصغر سناً اللواتي دخلن المجال ولكنها تحملت المسؤولية، كما أنها صاحبة شخصية هادئة وكاريزما عالية، وتملك طاقات هائلة صوتاً وتمثيلاً ورقصاً وسرعة بديهة ودقة ملاحظة بعد دراستها الإخراج والتمثيل. هبة قررت أن تحمل الصخرة على ظهرها، من خلال تقديم فن ملتزم تكمن صعوبته بأنه يصل بشكل تدريجي إلى الناس، لكن احترامه أكبر وأكثر قدرة على البقاء من الغناء في المطاعم والمقاهي والفنادق. المشروع معها له أبعاد كثيرة، وتعاوننا لا حدود له طالما أن الأفكار كثيرة، ولكننا بحاجة لأن يساعدنا الوقت لكي ننفذ كل ما تفكر به بعد الفترة العصيبة التي مررنا بها".