Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران الإقليمية في خدمة العقوبات

مفاوضات فيينا وسقوط المحرمات

صور الأقمار الصناعية لمنشأة فوردو النووية الإيرانية تحت الأرض في مدينة قم (أ ب)

قد تكون إشكالية "الدبلوماسية والميدان" التي تحدث عنها وزير الخارجية الإيرانية السابق محمد جواد ظريف في التسريب المقصود لجلسة حوارية كان من المفترض عدم نشر تفاصليها، هي الإشكالية الأكثر حضوراً في المسار الجديد الذي بدأ في 29 من الشهر الفائت، نوفمبر (تشرين الثاني)، وعودة الحياة إلى طاولة التفاوض لإعادة إحياء الاتفاق النووي وإلغاء العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على إيران.

توجهات قيادة النظام العليا

فمنذ عام 2013 والكشف عن جلسات الحوار والتفاوض التي كانت تجري بعيداً عن الإعلام والرأي العام في سلطنة عمان بين الصديقين اللدودين، الإدارة الأميركية والنظام الإيراني، انتقلت مهمة متابعة هذه الحوارات إلى وزير الخارجية ظريف في إطار تنفيذ السياسة التي أعلن عنها رئيس الجمهورية حسن روحاني في حملته الانتخابية آنذاك، والتي لم تكن بعيدة عن ترجمة لتوجهات قيادة النظام العليا في السعي لإنهاء حالة العزلة الدولية التي يعاني، ويعيشها النظام، والعقوبات المفروضة عليه، بسبب أنشطته النووية العلنية والسرية بعيداً عن أعين ورقابة الجهات الدولية المعنية بذلك.

اندلاع انتفاضات

هذه الحوارات، وانتقالها إلى الحالة العلنية، والانتقال إلى العاصمة النمساوية فيينا وتوسيع دائرتها لتضم الجهات التي تولت مهمة الحوار مع طهران منذ مطلع الألفية الجديدة، زمن رئاسة محمد خاتمي، أي الترويكا الأوروبية ومعها ممثلية السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي، وإضافة إلى التسنيق والتعاون مع الصين وروسيا باعتبار علاقتهما مع إيران، وتشكل ما بات يعرف بمجموعة "5+1" (الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن مع ألمانيا)، هذه المرحلة تزامنت مع اندلاع انتفاضات وأحداث في منطقة الشرق الأوسط حملت تغييراً في أنظمة بعض دوله، وتحولت إلى ما يشبه حروباً داخلية في بعضها الآخر، وهي ساحات كان بعضها يشكل عمقاً استراتيجياً للنظام الإيراني وساحة لتعزيز وتكريس نفوذه الإقليمي، كما في اليمن والعراق وسوريا.

مصدر قلق

وبالتالي، أسهمت هذه الأحداث في الانخراط الإيراني المباشر في هذه المعارك إلى جانب من تعتبرهم حلفاءها أو موالين لها، وتحولت، حسب التصنيف الدولي والإقليمي، إلى مصدر قلق وتهديد لاستقرار دول المنطقة بمجملها، وتعمل على توظيف هذا النفوذ للتأثير على سياسات هذه الدول ومواقفها والتدخل في شؤونها الداخلية.

وفي الوقت الذي كان جنرال الدبلوماسية ظريف يقود عملية التفاوض متنقلاً من نيويورك إلى العواصم الأوروبية قبل الاستقرار في فيينا، كان قائد "قوة القدس" في حرس الثورة الإسلامية الجنرال قاسم سليماني يقود العمليات العسكرية للقوى الموالية لإيران في أكثر من ساحة إقليمية، مستفيداً ومستغلاً حالة التهدئة السياسية وشبه العزوف الأميركي والأوروبي عن قضايا المنطقة وعدم الانخراط المباشر بأزماتها، من أجل تعزيز الدور والنفوذ الإيراني والإمساك بقرارات هذه الساحة من خلال تعزيز وتوسيع دور الفصائل والقوى التي تدور في فلك طهران والإمساك بالقرار الاستراتيجي للدول التي تندرج في خانة الحلفاء الإقليميين للنظام.

ثنائية "الدبلوماسية والميدان"

هذه المعادلة ولّدت ما بات يعرف بثنائية "الدبلوماسية والميدان"، وهي ثنائية كان من المتفرض في العمل السياسي أن تكون في خدمة الجهد الدبلوماسي والتفاوضي الذي يقوده ظريف في مواجهة المجموعة الدولية، بحيث تسمح له باستخدام الميدان لتعزيز موقفه الدبلوماسي والإفلات من الضغوط التي قد تبرز في العملية التفاوضية، إلا أن الواقع كان عكس ذلك، إذ عمل سليماني على استخدام الدبلوماسية التفاوضية لتحسين شروطه الميدانية، ما جعل الإدارة الدبلوماسية تقع في دائرة التأثير المباشر للميدان وتعمل بناء على توقيتاته وفي خدمة رؤيته وأهدافه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد كان ظريف صريحاً في التعبير عن هذه الإشكالية وعدم تجاوب جنرال الميدان مع تمنيات جنرال الدبلوماسية وعدم تلبية بعض المطالب أو القيام ببعض الخطوات والأعمال التي تساعده في معركته الدبلوماسية والسياسية، وهي الإشكالية التي لم يجاوب عليها المرشد الأعلى في رده على كلام ظريف المسرب، لكنه أعاد التأكيد على الدور التنفيذي للجهاز الدبلوماسي في متابعة السياسات الكلية للنظام التي ترسم في أعلى المواقع، وهو دور لم يخرج عنه ظريف في مهمته عندما أكد أنه منفذ أمين لسياسات النظام ومدافع عن مصالحه السياسية والاستراتيجية ويعمل تحت سقف وإشراف المرشد الأعلى.

التحول المفصلي

وقبل التسريب الصوتي والحديث عن هذه الثنائية، حصلت تطورات كانت بمثابة محطات شكلت تعبيراً عن اعتراض ظريف على ممارسات جنرال الميدان، كالاستقالة التي تقدم بها بعد تغيبه عن الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران من دون علم الخارجية، واستجوابه في البرلمان وتلميح باتهامه بالتفريط في المصالح الإيرانية إلى حد الخيانة، وهي أحداث كانت تخبو وتتراجع بعد تدخل جنرال الميدان مباشرة واسترضاء ظريف والدفاع عنه في وجه هذه الحملات والاتهامات.

التحول المفصلي الذي طرأ على هذه الثنائية، وخلخل هذه المعادلة أو الثنائية، حصل نتيجة العملية التي قامت بها القوات الجوية الأميركية بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، وموافقته، فجر الثالث من يناير (كانون الثاني) 2020 بالقرب من مطار بغداد، وأسفرت عن اغتيال ومقتل سليماني برفقة رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، وهي العملية التي شكلت مفصلاً أساسياً أثر بشكل مباشر على المعادلة الإيرانية في الإقليم، بخاصة وأن الهدف فيها كان رأس المشروع الإيراني في المنطقة والمسؤول التنفيذي له.

رؤية "قوة القدس"

كلام حسين أمير عبد اللهيان وزير خارجية حكومة إبراهيم رئيسي، والذي يعتبر جزءاً من رؤية "قوة القدس" في العمل الدبلوماسي قبيل موعد الجولة السابعة للمفاوضات في فيينا، عن استعداد إيران للتعاون في حل أزمات المنطقة في حال وافقت واشنطن على رفع كل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران تمهيداً لإعادة إحياء الاتفاق النووي، يكشف عن تغيير في المعادلة التي كانت سائدة في عهد سلفه ظريف، أي أن ما كان محرماً على ظريف بات مباحاً وحلالاً لعبد الليهان وفريقه، وأن الميدان هذه المرة بات في خدمة الدبلوماسية التي باتت قادرة على توظيف النفوذ الإقليمي في خدمة الإدارة الدبلوماسية لدفع العملية الحوارية والتفاوضية لتحقيق الأهداف والمصالح الاستراتيجية للنظام الذي بات يشعر بثقل تأثير العقوبات على أوضاعه الداخلية وتهديدها استقراره.

"الكاريزما"

ولعل الأخطر في هذا التحول، ما يكشفه عن مدى الضعف الذي أصاب القبضة التي تمسك بالملفات الإقليمية والميدان العسكري، وعدم قدرة الجنرال الجديد إسماعيل قاآني على إدارة التناقضات في هذه الملفات والإمساك بها كما كان سلفه، بخاصة وأنه لا يمتلك "الكاريزما" التي تؤهله ليكون لاعباً فاعلاً في تقرير سياسات النظام في الداخل والإقليم، ما أجبر النظام وقيادته لاستغلال الوقت والعودة إلى المسار التفاوضي ووضع الورقة الإقليمية على طاولة التفاوض، خوفاً من أن تنفلت الأمور إذا استمر في المماطلة والتسويف، بخاصة في ظل ما تشهده الساحات الإقليمية من تطورات قد تشكل عبئاً عليه وتعقد المشهد أمامه، سواء على الساحة العراقية وما أسفرت عنه نتائج الانتخابات البرلمانية التي جاءت لغير صالح الفصائل الموالية له، أو الساحة السورية والمسار الذي بدأت تأخذه التطورات السياسية فيها والانفتاح الإقليمي على النظام في دمشق، فضلاً عن تأثير الوجود الروسي وما قد يفرضه من تنازلات تصب في إطار تعزيز موقع النظام داخل المنظومة العربية وترميم علاقاته مع المجتمع الدولي.

المزيد من تحلیل