Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة الإنسان مع البيئة... كيف أصبح دخيلا عليها؟

من النظام الحيوي البيئي المتوازن إلى التحكم في المناخ

أصبح الإنسان دخيلاً على الطبيعة بدلاً من أن يكون جزءاً منها (unsplash)

إذا أردنا دراسة تأثير الإنسان في البيئة لا بد أن نتحدث أولاً عن حالة الأرض البكر التي خُلقت وتجسدت بشكل طبيعي من دون تدخل بشري، مرحلة كان فيها النظام حيوي البيئي متكاملاً ومتوازناً ومتناغماً، وتميزت بالاستثمار الأمثل للطاقة والاستفادة القصوى والتبادل الذكي لكل الموارد، حيث يخضع كل شيء لإعادة التدوير، لا نواتج فائضة عن الحاجة.

المراحل الأولى

انتقل الإنسان إلى مرحلة الجمع والالتقاط، وحصل على احتياجاته وبنى مسكنه بالاستعانة بالمواد التي توفرها له الطبيعة، فشهدت هذه المرحلة أقل تدخل ممكن بالبيئة المحيطة، ولم يظهر تأثير الإنسان في البيئة بشكل ملموس حتى بدأ بصيد الأسماك واستعمال النار في طهي لحوم الحيوانات.

أما المرحلة التالية، مرحلة استئناس الحيوانات والرعي، فقد استبدل فيها الإنسان بالمأوى البسيط المؤقت مساكن أكثر صلابة، فنحت البيوت في الجبال وبدأ باصطياد ورعي قطعان الحيوانات البرية بشكل مكثف في أماكن محددة، مما تسبب فيما سمي بالرعي الجائر، الذي دمر الغطاء الأخضر المثبت للتربة وأفقدها ثباتها، كما تزامنت مع هذه المرحلة، فترة الزراعة والاعتماد على النباتات المزروعة كمصدر أساس للغذاء والحياة.

المسرع الأول

تعتبر مرحلة الزراعة المسرع الأول الذي أسهم في زيادة عدد السكان، الأمر الذي جعل من العودة إلى المراحل السابقة أمراً في غاية الصعوبة، وفي حين يدعي المناصرون هذه المرحلة بأنها الخطوة الأولى على طريق الازدهار والتقدم، يُصر آخرون على أنها نقطة التحول التي قطع فيها الإنسان علاقته التكافلية مع الطبيعة في طريق الاغتراب.

تجلى في هذه المرحلة تدخل الإنسان في الطبيعة بشكل واضح تماماً، فاستبدل بالنباتات البرية أنواع مزروعات استجلبها من مناطق أخرى، وبذلك أصبح متدخلاً ودخيلاً على الطبيعة بدلاً من أن يكون جزءاً منها، وتحول من حليف إلى عدو لها، وبدأت محاولات المقاومة والرغبة في التخلص من النباتات والحشائش غير المرغوبة، وقتل الحشرات أو الحيوانات التي تهدد مزروعاته.

المكافحة بالمبيدات                                          

يعود استخدام الإنسان لأساليب مكافحة الآفات إلى زمن قديم سجلته النقوش الهيروغليفية الفرعونية القديمة، فبحسب المراجع استعمل القدماء المصريون بصل العنصل (البصل البري) في مكافحة الفئران، كما استعمل السومريون مركبات الكبريت الطبيعية لمكافحة الحشرات، واستخرج الصينيون المبيدات الحشرية من مصادر نباتية واستخدموها في حماية بذور النباتات من الإصابات الحشرية، وفي عام 300 بعد الميلاد أدخلت طرق مكافحة الحشرات من خلال مزارع المفترسات، التي كان يطلق فيها نوع من النمل المفترس على الخنافس الثاقبة لأشجار الفاكهة، ثم اتجهت بعد ذلك نظم المكافحة إلى استخدام المبيدات الكيماوية غير العضوية مثل مركبات الكبريت وزرنيخات الرصاص، والعضوية مثل النيكوتين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدأت ظاهرة التلوث بالمبيدات الحشرية في النصف الثاني من القرن العشرين، وظهر تأثيرها الضار في التربة الزراعية وكذلك على الكائنات الدقيقة الموجودة في التربة، كما أثرت في صحة الإنسان وأصابته بأضرار بالغة وهناك أمثلة عديدة على حوادث التسمم في نيكاراغوا وأخرى في العراق وغيرها من البلدان، إضافة إلى انتقال مخلفات هذه المبيدات إلى الماء والغذاء.

عهد جديد

قبل اختراع جيمس وات الآلة البخارية، التي بشرت ببداية عصر الصناعة، كان البشر يعتمدون في صناعاتهم على قوتهم الجسدية مستخدمين آلات يدوية بسيطة على شكل ورش منزلية، فأتت الآلة البخارية لتكتب عهداً جديداً كلياً في تاريخ البشرية، حولت نظام الإنتاج من يدوي بسيط إلى ميكانيكي في مصانع كبيرة، وأسهم هذا الأمر في تضخم المدن نتيجة تحول أهل القرى إليها.

ثم ظهرت الكهرباء فرفعت وتيرة الإنتاج وغيرت وسائل المواصلات السابقة المعتمدة على البخار إلى المترو، وتطور البناء عمودياً لاستيعاب الأعداد المتزايدة من السكان.

وشهدت الصناعة بعد الحرب العالمية الثانية قفزات متتالية تمثلت في استعمال الأجهزة الإلكترونية والانتقال إلى الآلية في الإنتاج، الأمر الذي ضاعف الإنتاج بقدر لم تعد تستوعبه الأسواق وهنا بدأت مرحلة جديدة، حيث فتحت أخرى جديدة وصدرت المنتجات إليها، وازداد الطلب على الموارد الطبيعية بمختلف أنواعها.

الموارد غير المتجددة

ولأن الصناعة تعتمد على الموارد غير المتجددة كالفحم والبترول أو التي من أصل عضوي كالماء والحديد، على عكس الزراعة التي اكتفت بالموارد الطبيعية المتاحة، بدأت مرحلة التدخل بعمليات الطبيعة والتحكم بتدوير عناصرها، وأخذ التلوث بعداً آخر، مختلفاً عما شهدته الفترة الزراعية، لصعوبة تحليل الفضلات غير العضوية الناتجة ولازدياد كمياتها بشكل كبير.

وظهر تأثير هذا التلوث في حدوث ظواهر مستجدة كالأمطار الحمضية وثقب الأوزون والجزر الحرارية فوق المدن، وامتد ليرخي بظلاله على المباني والأعمال الفنية والتاريخية، فأحدثت الأدخنة وحمض الكبريتيك أضراراً بالغة في حجارة مبانٍ كثيرة في الهند وأثينا وروما وفينيسيا ولندن وواشنطن وغيرها.

التحكم في المناخ

وفي مرحلة التحضر التي عزلت الإنسان بشكل كامل عن بيئته الطبيعة، ظهرت التأثيرات البيئية في محورين الأول خارج حدود المدينة، حيث بدأ العمران يزحف على الأراضي الزراعية المنتجة بشكل كبير غير مسيطر عليه، مما تسبب في نقص الموارد الزراعية، والمحور الثاني تجلى داخل حدود المدينة بتأثيرات صحية سيئة في ساكنيها نتيجة توسع الأنشطة الصناعية وازدياد حدة التلوث.

كما أصبح من الضروري في حالة عزل الإنسان نفسه داخل المباني بعيداً عن الهواء والضوء الطبيعيين، توفير مناخ داخلي مناسب له، فبدأ باستخدام أساليب صناعية كأجهزة التبريد والتدفئة، وكذلك بدأت محاولات التحكم الفعلي بالمناخ الخارجي في تجارب إنزال "المطر الاصطناعي" بالمناطق الجافة في السودان وليبيا والمغرب والأردن وغيرها، ومحاولات إجهاض السحب في دول وسط أوروبا، حيث تتسبب الأمطار الغزيرة في إتلاف المزروعات وقتل البشر، كما تُجرى تجارب حثيثة على تفتيت الطاقة الحركية للأعاصير.

كل هذه المحاولات ستتسبب في تغيير في نسبة سقوط الأمطار في مناطق معينة على حساب مناطق أخرى، وستغير بشكل غير طبيعي في الرطوبة النسبية مما سيؤثر في الإنسان والحيوان والنبات.

المزيد من بيئة