Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ساحل لويزيانا الأميركية يختفي أمام عيون السكان الأصليين

فيما تكافح من أجل نيل سيادتها تلتمس تلك القبائل الغوث في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر وأزمة المناخ المتنامية كما يكتب أليكس وودوارد في التقرير التالي

لافتة وضعها كريس برونيه في جزيرة "آيل دي جان تشارلز" الآخذة في التآكل على ساحل لويزيانا في أعقاب إعصار إيدا (أ ب)

عام 1974، بدأت تيريزا داردار عملها في صيد الروبيان على طول بحيرات ولاية لويزيانا الأميركية ومسطحاتها المائية التي تسمى "البايو"، يرافقها زوجها دونالد داردار. الممرات المائية الواقعة جنوب لويزيانا التي كان في المستطاع تمييزها ذات مرة- إذ كانت تحيط بها سابقاً أعشاب مستنقعات وأراض هشة وفرت حاجز حماية لمجتمعات السكان الأصليين الذين يعيشون بينها- تبدو اليوم أشبه بمساحات من المياه المترامية الأطراف والعميقة، على قولها.

"طُمست البحيرات وصار من المتعذر تمييزها. الإشارات التي كنت وضعتها اختفت كلها"، تقول تيريزا إذ كانت تقف على شرفة المركز المجتمعي للقبيلة الهندية "بوانت أو شيان" Pointe-Au-Chien،  وهو كوخ من فولاذ شُيد فوق أساسات مرتفعة عند حافة مسطح مائي في منطقة "بوانت-أو-شين" Pointe-Aux-Chenes. "لن يسعني أن أقود القارب من دون أن يدلني (زوجي) إلى أين أتجه. تبدو المنطقة مساحة من المياه المشرعة على اتساعها"، أضافت المرأة.

الحال أن عواصف شديدة غذتها أزمة المناخ قد عجلت بوتيرة فقدان الأراضي الساحلية في لويزيانا، علاوة على تزايد ملوحة المجاري المائية وتآكل الجزر الحاجزة وتناقص المياه العذبة اللازمة لتجديد تربة الأراضي التي تحمي مجتمعات السكان الأصليين النائية على امتداد ساحل لويزيانا الآخذ في الاختفاء ومناطقها الداخلية. أما البنية الأساسية للنفط والغاز، بما في ذلك ممرات الشحن التي تشق طريقها في الأراضي الرطبة، فتستنزف ما تبقى من الولاية الأميركية.

في 29 أغسطس (آب) الماضي، ضرب إعصار "إيدا"Ida  ساحل لويزيانا مصحوباً برياح تجاوزت سرعتها 200 ميل (ما يساوي 321.87 كيلومتراً) في الساعة، عاثت خراباً في كثير من تلك المجتمعات القبلية، من بينها "بوانت أو شيان" في أبرشيتي تريبونTerrebonne  ولافورش Lafourche.

تقول داردار: "إذا بقيت العواصف تزداد قوة وتتفوق على "إيدا"، علماً أنها كادت تمحونا هذه المرة، فإن هبوب عاصفة أخرى على غرار الإعصار ستعود بنا إلى العدم، ما لم يتمكن أفراد مجتمعاتنا من تأسيس بنى قوية حقاً. ربما لن يكون منزلنا متيناً بما يكفي للصمود في مواجهة أي شيء أشد قوة من ذلك."

على امتداد جزء من الطريق يقع قرب المركز المجتمعي، لم يتبق سوى 12 منزلاً فيه صالحاً للسكن، وفق داردار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"أمة هوما المتحدة" United Houma Nation، القبيلة الأكبر المعترف بها من جانب الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة، والتي يبلغ عدد سكانها 19 ألف مواطن قبلي، تشير في تقديرات لها إلى أن ثلاثة أرباع المنازل التي يمتلكها أفرادها قد تضررت.

أما شيريل بارفيه داردار، رئيسة جماعة "غراند كايو/ دولاك باند Grand Caillou/Dulac Band  من قبيلة "بيلوكسي-شيتيماشا-شوكتاو" Biloxi-Chitimacha-Choctaw  فتقول، إن أياً من منازل القبيلة التي تضم أكثر من ألف فرد لم يسلم من الإعصار "إيدا".

يجيء الخراب الذي حمله معه "إيدا" بعد عقود مشوبة بإهمال مؤسسي وسلسلة أزمات متشابكة يكابدها أفراد قبائل لويزيانا، أبرزها استعمار أراضي السكان الأصليين، وحال الطوارئ المناخية المتنامية، وغياب الاعتراف الفيدرالي بقبائل كثيرة، ما حرمهم من الحصول على موارد بالغة الأهمية من أجل بقائهم على قيد الحياة.

تضم ولاية لويزيانا 11 قبيلة معترفاً بها. حازت أربع قبائل- "قبيلة تشيتيماشا في لويزيانا" Chitimacha Tribe of Louisiana، و"قبيلة كوشاتا في لويزيانا" Coushatta Tribe of Louisiana، و"جينا باند من تشوكتو"Jena Band of Choctaw، و"قبيلة تونيكا بيلوكسي في لويزيانا" Tunica-Biloxi Tribe of Louisiana- اعترافاً من الحكومة الفيدرالية.

يوضح أعضاء القبائل أن عدم حيازتهم الاعتراف الفيدرالي قد حال دون حصولهم على مجموعة واسعة من أشكال المساعدة والتمويل. كذلك جعل وصول الإغاثة العاجلة إليهم أكثر صعوبة، الآن بعد مضي أكثر من شهر على بلوغ إعصار "إيدا" اليابسة في لويزيانا جالباً معه الدمار يقول زعماء القبائل، إنه أسوأ ما رأوه في حياتهم.

تدعي قبيلة "بوانت أو شيان" الناطقة باللغة الفرنسية، والتي تحتضن 800 فرد تقريباً، أن أصولها من "شيتيماتشا" (المعترف بها فيدرالياً) وقبائل أخرى على طول وادي نهر المسيسيبي. الاستعماران الفرنسي والأميركي، والعصرنة [عملية التحديث]، والتعليم القائم على الفصل [العنصري]، وكفاح مستمر من أجل نيل السيادة، كلها طبعت بصماتها على تاريخ القبائل في أنحاء جنوب لويزيانا. كذلك أحدث ارتفاع مستوى سطح البحر وتأثيرات أزمة المناخ تغييراً جذرياً في طرائق العيش التقليدية التي تنتهجها تلك الجماعات القبلية.

عندما ضرب "إيدا" لويزيانا، كان كثيرون من أفراد قبيلة "بوانت أو شيان" ما زالوا في مرحلة التعافي من إعصار "زيتا"، الذي ترك منازل كثيرة من دون أسطح تحمي قاطنيها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

بعد مرور ثلاثة أيام على العاصفة، عادت داردار إلى "بوانت أو شين". مذاك، عملت كل يوم على تمتين المركز المجتمعي، الذي بقي بمنأى عن دمار "إيدا" ما عدا أضرار طفيفة لحقت به، إذ واظبت على فرز إمدادات تفترش الطاولات في الداخل بعدما تصل إلى المكان محملة بعربة شحن.

طوال أسابيع عدة، لم تصل المياه الجارية ولا الكهرباء إلى المركز المجتمعي "بوانت أو شين" ومنازل أخرى في المنطقة. عاد التيار الكهربائي ببطء إلى المنطقة، لكن آلاف المنازل لم تعد صالحة للسكن، إذ اقتلعت الرياح العاتية جدرانها والأسطح، كذلك سوت الأسقف أرضاً، أو شطرت البيوت إلى نصفين، أو تركتها مجرد أكوام من الحطام.

إزاء البطء في وتيرة المساعدة الفيدرالية، تعاظم الشعور بالإحباط لدى السكان والمسؤولين في الدوائر المجتمعية في مسطحات "البايو" المائية في أنحاء الولاية، إذ توجه المشرعون في لويزيانا إلى الحاكم جون بيل إدواردز وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن محذرين من أن عدم توفر مساكن آمنة ومستقرة وفورية تأوي آلاف الأشخاص الذين يعيشون في أعقاب "إيدا" قد صار أزمة إنسانية.

تقول داردار إن "أفراد شعبنا- يتألمون أيضاً، لأنهم مشردون بلا مأوى ومشتتون. الوضع صعب بالنسبة إلى الجميع. لقد أصابت أضرار "إيدا" المجتمع بأسره".

ما زال مئات من سكان لويزيانا يعيشون في خيم ومقطورات ومخيمات، أو في سياراتهم أو منازلهم التي شوهتها العاصفة، فيما تزدحم البيوت التي نجت من الإعصار بكثير من الأسر.

طلب المسؤولون في أبرشية تريبون عشرة آلاف مقطورة من "هيئة إدارة الطوارئ الفيدرالية" (FEMA) من أجل إيواء السكان الذين ما عادت منازلهم تنفع للعيش فيها. ولكن لم يصل أي منها، بحسب ممثل الولاية النائب تانر ماغي.

استأجرت "هيئة إدارة الطوارئ الفيدرالية" على نفقتها غرفاً في فنادق عدة من أجل ثلاثة آلاف و200 أسرة تقريباً في أبرشيات تريبون ولافورش، وفق كلامها، ولكن السكان يطالبون بمساكن قريبة من منازلهم بينما يشرعون في ترميمها وإصلاحها بما تتسم به العملية من صعوبة ومشقة. للأسف، كثير من فنادق المنطقة غير متاحة، ولا يتوقع المسؤولون إرسال مقطورات "هيئة إدارة الطوارئ الفيدرالية" أو أي منازل متنقلة قريباً.

 

في أعقاب إعصار "إيدا"، حظيت المناطق الأكثر تضرراً ومجتمعات السكان الأصليين في لويزيانا بدعم شبكة واسعة من جمعيات المساعدة المتبادلة والمتطوعين. أنشأ زعماء القبائل حملات بعنوان "غو فاند مي" GoFundMe  ولجأوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي حيث شاركوا منشورات يطلبون فيها على وجه السرعة مواد لازمة للبناء ومتطوعين يساعدون في إعادة إعمار البيوت، إضافة إلى أعداد من منتجات التنظيف ومنظفات الغسيل وأوعية بلاستيكية كبيرة لتوضيب الأغراض القابلة للإصلاح وصناديق تخزين لحفظ تلك الأوعية البلاستيكية.

"لطالما قلت إن شعوب مسطحات البايو المائية قادرة على الصمود. اعتدنا أن ننهض من جديد دائماً ونستعيد توازننا"، تقول دردار مضيفة، "لكن قلقاً كبيراً يعتريني، لأن معظم الناس هنا لا يملكون الأموال الكافية لإعادة البناء. إذا عجزت "الهيئة الفيدرالية لإدارة الطوارئ" عن المساعدة، لا أعرف حقاً ما الذي سيفعلونه... لقد تعرضنا للإهمال والتجاهل. بل لطالما لقينا الإهمال".

"جزيرة دي جان تشارلز" الآخذة في الاختفاء- علماً أنها واحدة من بين المجتمعات الواقعة في أقصى جنوب لويزيانا عند حافة خليج المكسيك- فقدت 98 في المئة من أراضيها على مدى العقود القليلة الأخيرة، في أعقاب مشاريع بناء السدود وتحويل الفيضانات، وارتفاع مستوى سطح البحر، وضربات العواصف المستمرة التي تؤججها أزمة تغير المناخ.

عام 2020، قاست ولاية لويزيانا خمسة عواصف كبرى- كانت الأكثر في عام واحد. تبلغ مساحة الجزيرة الآن تقريباً حجم ثلاثة ملاعب كرة قدم. يربط السكان بالجزيرة طريق واحد كثيراً ما تغمره المياه المحيطة بها أو يختفي أثناء الفيضانات.

على مدى عقدين من الزمن تقريباً، نظمت جماعة "جزيرة جان تشارلز باند" Isle de Jean Charles band  من قبيلة "بيلوكسي شيتيماشا شوكتو" Biloxi-Chitimacha-Choctaw  خطة ترمي إلى إعادة توطين السكان.

ارتأت القبيلة أن إعادة التوطين تعتبر "الطريقة الأفضل لجمع شمل المشردين من أفراد قبيلتنا وإحياء أساليب عيشنا التقليدية" في ظل تآكل الجزيرة، وفق ما ذكرت القبيلة، التي تضع في تصورها مساحة للإسكان المستدام، وتتطلع إلى إنشاء مركز مجتمعي، ومناطق تجمع، وبرامج لادخار البذور ومتحف، من بين موارد أخرى.

عام 2016، كانت "جزيرة جان تشارلز" Isle de Jean Charles (قبالة ساحل لويزيانا) المجتمع القبلي الأول في البلاد الذي يتلقى تمويلاً فيدرالياً للانتقال من الجزيرة هرباً من آثار أزمة المناخ، وقد تحدثت صحيفة "نيويورك تايمز" يومذاك عما وصفتهم بـ"لاجئي المناخ" الأوائل في أميركا.

تلقت لويزيانا منحة بقيمة 98 مليون دولار من "وزارة الإسكان والتنمية الحضرية الأميركية"، بما في ذلك 48 مليون دولار لإعادة توطين القبيلة، ولكن الولاية "استولت" على خطة إعادة التوطين التي تقودها القبيلة، متراجعةً عن الشروط التي وضعتها الأخيرة، كما أشار بعض أفرادها.

وفرت الإعانة الأموال اللازمة لبناء 150 منزلاً على قطعة أرض بمساحة 515 دونماً في شريفر، على بعد 40 ميلاً (ما يساوي 64.37 كيلومتراً) تقريباً من الجزيرة.

في أعقاب "إيدا"، عاد عضو المجلس القبلي كريس برونيه إلى جزيرة "دي جان تشارلز" ووضع لافتة صفراء أسفل منزله كتب عليها: "جزيرة دي جان تشارلز لم تمت. تغير المناخ مريع".

للأسف، إذا تجاوزت معدلات ارتفاع مستوى سطح البحر ستة إلى تسعة ملليمترات سنوياً، يرجح أن مياه المحيط ستغمر ما تبقى من الأراضي الرطبة في لويزيانا في غضون 50 عاماً، وفق كلام توربيورن تورنكفيست من "جامعة تولين" الأميركية. وكانت دراسة أعدها خلصت عام 2020 إلى أنه "لا مفر ربما" من أن تغمر مياه البحر ساحل ولاية لويزيانا.

ويجيء التقرير المثير للقلق بعد عقود من تحذيرات أطلقتها مجتمعات [دوائر مجتمعية] تعيش عند ما يسمى "خط المواجهة" لحال الطوارئ المناخية.

أما الآن، فيتابع أعضاء القبائل في "لويزيانا" عن كثب كيف ستستجيب الإدارة الأميركية الجديدة لتلك التحذيرات، وما إذا كانت ستكون كافية.

في الواقع "كان ينبغي أن يحدث ذلك منذ سنوات"، تقول السيدة داردار مضيفة وصوت القهر يعلو نبرتها، إن "ساحل لويزيانا يأتي دائماً في آخر اهتمامات المسؤولين (في الإدارة الأميركية). عليهم أن يولوه العناية اللازمة إذا كانوا يحاولون أن ينقذوا أي شيء. حري بهم حماية الساحل. عليك أن تسعى إلى اتخاذ إجراء ما، ولكن اللامبالاة" سيدة الموقف.

© The Independent

المزيد من بيئة