Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

توسيع "العيون الخمس" للاستخبارات إلى تسع يثير الجدل في أميركا

الرغبة في مواجهة الصين هي الدافع ومخاوف قوية بشأن الأخطار

يناقش الكونغرس الأميركي مشروع قانون الدفاع الذي يدعو إلى توسيع تحالف التعاون الاستخباراتي (رويترز)

ما زال أحد بنود مشروع قانون الدفاع الذي يدعو إلى توسيع تحالف التعاون الاستخباراتي بين الدول الخمس الناطقة بالإنجليزية والمعروف باسم "العيون الخمس"، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ليضم أيضاً ألمانيا والهند واليابان وكوريا الجنوبية، يثيرُ كثيراً من اللغط في الكونغرس الأميركي بشأن فوائده وأضراره المحتملة، في ظل الصراع المتنامي مع الصين في شرق آسيا.

فهل سيمرر مجلس الشيوخ هذا الاقتراح الذي تبناه أعضاء في لجنة استخبارات مجلس النواب أم يتخلى عنه؟

تحركات الكونغرس

من المتوقع أن يناقش مجلس الشيوخ الأميركي، خلال أيام، مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2022 قبل تمريره. لكن مشروع القانون الذي يستهدف تمويل الأنشطة العسكرية الأميركية العام المقبل، تضمن بنداً مثيراً للجدل اقترحه في البداية نائبان هما الجمهوري آدم سميث والديمقراطي مايك روجرز، ودعمته اللجنة الفرعية للقوات المسلحة في مجلس النواب التي يرأسها الديمقراطي روبين غاليغو. ويدعو هذا البند إلى توسيع دول العيون الخمسة التي تتعاون استخباراتياً لتشمل أربع دول أخرى هي ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية والهند، استناداً إلى أن مشهد التهديد الذي تواجهه الولايات المتحدة في مواجهة منافسة القوى العظمى.

وبالنسبة إلى غاليغو وعدد من أعضاء مجلس النواب من الحزبين، فإن اتفاقية العيون الخمس تعد من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وتحتاج إلى تحديث لمراقبة الصين بشكل أفضل. وأوضح غاليغو في منتدى "نيكستغوف" للأمن القومي، أن الولايات المتحدة عالقة في نموذج عفا عليه الزمن، وهناك حاجة إلى توسيع نطاق الاتفاقية بحيث لا تقتصر على الدول الناطقة بالإنجليزية، مؤكداً ضرورة تجنب العوامل الثقافية التي تلعب دوراً رافضاً للأجانب حينما يتعلق الأمر بمشاركة المعلومات مع دول آسيوية.

وبينما يتطلب هذا البند تقديم كل من الاستخبارات الوطنية ووزارة الدفاع الأميركية تقريراً عن الوضع الحالي وأوجه القصور في تبادل المعلومات الاستخبارية بين دول العيون الخمس، وما هي فوائد إضافة اليابان وكوريا والهند وألمانيا إلى المجموعة الحالية وأخطار ذلك، بدأ الجدل يحتدم بين المؤيدين والمعارضين لتوسيع العيون الخمس إلى العيون التسع.

أهمية "العيون الخمس"

على عكس العملاء السريين الذين تصورهم هوليوود في أفلام التجسس مثل سلسلة أفلام المهمة المستحيلة وأفلام جيمس بوند، لا يوجد لدى العيون الخمس فريق رسمي، وليس لها مقر. فهي شبكة غير رسمية تربط المنظمات الاستخباراتية في إطار تحالف يتكون من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا. ويعود أصل هذا التحالف إلى اجتماعات غير رسمية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1941، بدأ أعضاء الاستخبارات البريطانية والأميركية المشاركة في اجتماعات سرية قبل التوقيع على ميثاق الأطلسي في أغسطس (آب)، الذي حدد الأهداف العالمية للبلدين بعد انتهاء الحرب.

وعندما وضعت الحرب أوزارها، كانت أوروبا مهددة من جيش ستالين الأحمر. وهو ما مهد لاتفاقية تعاون استخباراتية بريطانية أميركية تم توقيعها عام 1946 قبل أن تتسع لتشمل كندا عام 1948، وأستراليا ونيوزيلندا عام 1956. بالتالي، إن اكتمال تحالف العيون الخمس الذي يرجع جزئياً إلى تراث الكومنولث المشترك، وأصبح ذلك التحالف أحد نجاحات الأمن القومي السرية خلال الحرب الباردة، لدرجة أن رؤساء الوزراء الأستراليين لم يكونوا على علم به حتى سبعينيات القرن الماضي وفقاً لتقارير إعلامية استرالية، كما لم يتم رفع السرية عن تفاصيل الاتفاقية سوى عام 2010.

وطوال فترة الحرب الباردة، كانت العمليات الاستخباراتية السرية شائعة. ما جعل تحالف العيون الخمس بحاجة إلى تبادل المعلومات الحساسة المتعلقة بالخصوم على جميع الجبهات الممكنة. وبحسب ما يقول أندرو أونيل أستاذ العلوم السياسية في جامعة "غريفيث" الأسترالية، فإن أعضاء التحالف شاركوا في مراقبة المحيطات وفي العمل السري وجمع المعلومات الاستخبارية وفي عمليات الاستخبارات المضادة، إضافة إلى برنامج "إيكيلون"، وهو اسم كودي لبرنامج سري يعمل على جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية منذ الستينيات، غير أن اهتمام "إيكيلون" توسع من مجرد التركيز على الاتصالات العسكرية والدبلوماسية، إلى مراقبة وتتبع الأفراد والأهداف الصناعية، بخاصة بعد تطور أجهزة الكمبيوتر في العقود الماضية.

وكثيراً ما تبادلت دول العيون الخمس، المعلومات الاستخباراتية مع الدول الحليفة الأخرى في أوروبا وآسيا، والمعروفة أيضاً باسم "الأطراف الثالثة". ويشير المؤرخ الياباني كين كوتاني في منتدى شرق آسيا، إلى أن طوكيو شاركت إشارات واتصالات عسكرية مع واشنطن، كانت قد التقطتها خلال الصراع الصيني- السوفياتي عام 1969 وفي أثناء الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979.

دور متغير

غير أن شراكة الحلفاء الناطقين باللغة الإنجليزية في العيون الخمس، تخطت في السنوات الماضية، الإطار الضيق الذي انصب على مشاركة المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإشارات والرادارات والأحاديث الإلكترونية من الهواتف المحمولة وأنظمة الاتصالات الأخرى وأنظمة الأسلحة، ليمتد نطاقها إلى مجموعة من القضايا الناشئة. فقد أشار وزير الخارجية البريطاني السابق، دومينيك راب، إلى الدور المتغير للتحالف عندما ناشد شركاء الاستخبارات البريطانية، تقاسم الأعباء إذا ما فر سكان هونغ كونغ من المدينة استجابة لقانون الأمن القومي الشامل في الصين. وناقش وزراء العدل والداخلية لتحالف العيون الخمس مخاطر الاعتداء الجنسي على الأطفال عبر الإنترنت، وسياسات مكافحة الاحتكار والنشاطات العدائية من الدول الأخرى. وناقش وزراء مالية العيون الخمس التأثير الاقتصادي لـ "كوفيد-19". بينما تعهد وزراء دفاعها بمزيد من المشاورات المنتظمة.

علاوة على ذلك، أعيد تنشيط الدور التقليدي للشبكة في ما يخص تبادل المعلومات في مواضيع تمتد من مكافحة التجسس ونشاط الدول المعادية إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

ومنذ اندلاع الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب عام 2019، أظهر برنامج التعاون الاستخباراتي للتحالف عمق القلق الغربي بشأن الصين، إذ تصاعدت التوترات بين بكين ودول العيون الخمس الأخرى. وهو ما أكده ريتشارد فادن، المدير السابق لجهاز استخبارات الأمن الكندي ومستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء، معتبراً أن الصين تُعد تهديداً لجميع العيون الخمس والغرب عموماً. وهو ما أدى إلى توسيع العيون الخمس تعاونها غير الرسمي مع دول مثل ألمانيا واليابان، لدرجة أن وزير الدفاع الياباني السابق تارو كونو لنيكي، أعلن أن بلاده تتطلع إلى تعميق العلاقات مع التجمع ليصبح "العيون الست"، بسبب مخاوف اليابان من التحديث العسكري الصيني وبحجة أن اليابان تشارك قيم دول العيون الخمس.

جهود التوسيع

بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، تغيرت الأهداف الاستراتيجية للعيون الخمس، ومع الحرب على الإرهاب وظهور التهديدات من الصين وروسيا لاحقاً، تصاعد الحديث في السنوات الأخيرة عن إمكانية توسيع العيون الخمس إلى ما وراء الدول الناطقة بالإنجليزية، فعلى سبيل المثال، طلب مشرعون أميركيون عام 2013 من الرئيس باراك أوباما ضم ألمانيا إلى التحالف، وفقاً لتقرير صادر عن شبكة دويتشه فيله الألمانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي عام 2019، دفعت لجنة الاستخبارات في مجلس النواب بقيادة آدم شيف جهود ضم الهند واليابان وكوريا الجنوبية على قدم المساواة مع "العيون الخمس" لتبادل المعلومات الاستخباراتية بهدف الحفاظ على السلام في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

وفي ظل تصاعد التخوفات من الصين، اعتبر كثير من المحللين ومنهم جوناثان إيال، المدير الدولي في المعهد الملكي للخدمات المتحدة وهو مركز أبحاث دفاعي وأمني في لندن، أن الصين قدمت ما كان الغرب والدول الآسيوية بحاجة إليه. ما يعني أن المعلومات الاستخباراتية التي يتم جمعها حول العالم ستتركز على الصين.

ونظراً لأن تبادل المعلومات الاستخباراتية يعتمد بشكل أساسي على الثقة المتبادلة والتفاهم الاستراتيجي، فإن إدراج طوكيو وسيول ونيودلهي وبرلين في العيون الخمس يتلخص في اعتبارات عدة رئيسة، منها التحول الهائل في التركيز على الدفاع الجماعي، ونشوء الترابط الأمني ​​والاقتصادي متعدد الأطراف، وتوافر درجات عالية من التنسيق الأمني بين كوريا الجنوبية واليابان من جانب والعيون الخمس من جانب آخر. وهو ما كشفت عنه التسريبات الاستخباراتية التي قام بها إدوارد سنودن عام 2013 من أن لدى التحالف مستويات إضافية من مشاركة المعلومات الاستخباراتية تشمل العيون التسع والـ14 التي تشمل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا والسويد وإسبانيا والدنمارك وهولندا والنرويج. وكانت إسرائيل وسنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية شركاء غير رسميين ضمن هذه الأطر.

معارضة وتشكك

على الرغم من الفوائد الواضحة لمشاركة الدول الأربع المقترحة بما في ذلك القرب الجغرافي لكل من اليابان وكوريا الجنوبية والهند مع الصين، ونياتها الحسنة كحلفاء وشركاء لدول العيون الخمس، وكونها قوة إيجابية في الشؤون العالمية، إلا أن هناك من يعترض بشدة على ضمها إلى التحالف الاستخباراتي القائم منذ عقود، خصوصاً أن لدى دول العيون الخمس مخاوف متزايدة بشأن مكافحة التجسس وأمن المعلومات داخل الأعضاء الحاليين، مثل نيوزيلندا التي تعد الحلقة الأضعف في التحالف. كما أن جهود الدول الأربع المقترحة لتحسين ممارساتها الخاصة بمكافحة التجسس، ما زالت مستمرة وتحتاج إلى مزيد لتعزيز أمن المعلومات الحساسة وبخاصة في القطاع الخاص. ولهذا يبدي هيو وايت، النائب السابق لوزير الاستخبارات في وزارة الدفاع الأسترالية، شكوكاً قوية بشأن فكرة أن الشراكة التي غذت أعمال استخبارات خاصة بالاتصالات والإشارات لفترة طويلة، يمكن إعادة توظيفها في عصر جديد للرد على التحدي الصيني.

وعبر راندي فيليبس، العميل السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الصين، ويعمل الآن في مجموعة "مينتز" الاستشارية، عن شكوك أخرى تتعلق بالقدرة على تعاون أكبر إذا ما انضمت الدول الأربع إلى العيون الخمس، إذ يقول إنه كلما زاد حجم المجموعة كلما أصبحت وكالات الاستخبارات أكثر اهتماماً بحماية مصادرها وأساليبها الخاصة.

تجسس متبادل

وبالإضافة إلى حقيقة أن مفهوم "العيون التسع" استُخدام في فيلم جيمس بوند عام 2015 كان يحمل اسم "سبيكتر"، فإن توسيع التحالف لن يؤدي في الواقع إلى تحسين المعلومات الاستخبارية الأميركية التي تركز على الصين. بل على العكس، قد يقوض الشراكة السرية الناجحة منذ عقود، إذ يشير آكي بيريتز، وهو محلل استخباراتي سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، إلى أن العيون الخمس ليست اتفاقية لتبادل المعلومات الاستخبارية بين خمس دول فحسب، بل هي أيضاً اتفاق على عدم التجسس على بعضها البعض. وهو أمر يرى أنه يتعارض مع التاريخ، إذ من المفترض أن يتجسس الجميع على أي طرف آخر.

ويطرح بيريتز سؤالاً عما إذا كان صانعو السياسة يعتقدون أنه يجب على الولايات المتحدة التوقف عن جمع المعلومات الاستخباراتية عن الهند التي تعد قوة اقتصادية مسلحة نووياً ودخلت في صراعات متعددة مع جيرانها، على الرغم من أن الولايات المتحدة وقعت بالفعل اتفاقية في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 لمشاركة المعلومات الاستخبارية الجغرافية المكانية مع نيودلهي وسط ضجة كبيرة. كذلك، من الصعب تصور أن تتنازل واشنطن عن معرفة ما يفكر فيه قادة ألمانيا، الحليف الأقرب إليها، خصوصاً في أوقات الاضطرابات السياسية والاقتصادية، من أجل الوصول إلى أفضل المعلومات لاتخاذ قرارات أكثر استنارة، وفي وقت من المحتمل بدرجة مماثلة أن تجمع برلين معلومات استخبارية عن الولايات المتحدة أيضاً. 

ولهذا، فإن توسيع العيون الخمس يعني فرصاً أكبر لخصوم الولايات المتحدة لمعرفة أسرارها والأساليب الخاضعة لحماية مشددة. مع الأخذ في الاعتبار أنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين يعرفون الأسرار، كلما زاد احتمال قيام أحدهم بسرقتها أو تسريبها. وعلى سبيل المثال، اخترقت ألمانيا الشرقية خلال الحرب الباردة، أجهزة الاستخبارات الألمانية الغربية، وجندت نحو 6000 عنصر قبل انهيار جدار برلين. بالتالي، فإن توفير معلومات استخباراتية حساسة لألمانيا الآن قد يعني أن تنتهي المعلومات إلى أيدي خصوم أميركا.

وفي منتدى "آسبن" للأمن الذي عقد في نهاية الصيف الماضي، قال الجنرال بول ناكاسوني رئيس القيادة الإلكترونية والسيبرانية الأميركية إنه يعتقد أن الولايات المتحدة ستستمر في بناء شراكات أمنية جديدة، لكن العيون الخمس ستستمر كما هي من دون إضافة أربع عيون جديدة. مع ذلك، يظل القرار النهائي في يد مجلس الشيوخ الذي سيحسم الأمر خلال الأيام القليلة المقبلة.

المزيد من تقارير