Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل توجد "جمهورية سرية" تهدد الديمقراطية الأميركية؟

التجسس على الحلفاء يميط اللثام عن الدور الذي تلعبه وكالة الأمن القومي داخل الولايات المتحدة وخارجها

مقر وكالة الأمن القومي الأميركية (موقع الوكالة)

قبل أن يلملم شهر مايو (أيار) المنصرم أوراقه ويمضي، كانت هيئة الإذاعة والتلفزيون الدنماركية تميط اللثام عن عملية قديمة جديدة خاصة بوكالة أميركية استخباراتية، تدعى وكالة الأمن القومي، والقصة موصولة بقيام تلك الوكالة بالتجسس على كبار المسؤولين الأوروبيين في السويد والنرويج وفرنسا وألمانيا، ووصل الأمر إلى وضع هاتف المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تحت المراقبة والتنصت.

القصة كانت قد تفجرت في آخر سنوات ولاية باراك أوباما الثانية، ويومها بدا الرئيس الأميركي وكأنه لا يدري شيئاً عن الأمر، وقد يكون هذا صحيحاً بدرجة كبيرة، إذ إن عالم الاستخبارات الأميركية اليوم، يبدو لكثير من الأميركيين، وحشاً ضارياً يتهدد بالتهام العملية الديمقراطية في الداخل الأميركي، ويستغل الموازنات الهائلة المتوافرة له ليمد أذرعه الأخطبوطية خارج الولايات المتحدة، وبصورة تجعل تحذيرات أيزنهاور من مخاطر المجمع الصناعي العسكري الأميركي، أشبه بألعاب أطفال.

لماذا الدنمارك؟ باختصار لأنها دولة حليفة ووثيقة الصلة بالولايات المتحدة، ولهذا تستضيف العديد من محطات إنزال لكابلات الإنترنت البحرية التي تمتد من وإلى السويد والنرويج وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة، مما يعني أن لديها المفتاح العصراني الذي يسمح لها بمعرفة ما يدور في الخفايا والكواليس السيبرانية إن جاز التعبير.

ما هي وكالة الأمن القومي الأميركي؟ وما الذي تقوم به؟ ولماذا هي مغرقة في السرية على هذا النحو؟ وهل باتت بالفعل الوحش الاستخباري القادر على التهام أجواء الحرية، وانتهاك الخصوصية للأميركيين في الداخل، وللأعداء والحلفاء في الخارج دفعة واحدة؟

حول ماهية وكالة الأمن القومي

الاسم الرسمي لوكالة الأمن القومي هو National Security Agency غير أنه من شدة إغراق أعمالها وأدواتها في السرية، يرى الكثير من المحللين الاستخباريين الأميركيين أنها تكاد تكون No Such Agency أي أنها الوكالة غير الموجودة، لا سيما وأنها لا تتعاطى مع العالم البشري، مثل نظيراتها، كالاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، والتي تقوم على فعالية عملاءها وتحركاتهم على الأرض خارج أميركا، أو وكالة المباحث الاتحادية الأميركية، والتي تعمل على التراب الأميركي في التصاق وثيق مع الأميركيين وغيرهم.

إنها الوكالة المسؤولة عن مراقبة وجمع ومعالجة المعلومات والبيانات في الفضاء السيبراني بنوع خاص، وتعد مسؤولة عن حماية الاتصالات الأميركية الحكومية ونظم معلوماتها ضد الاختراق وحروب الشبكات.

حتى الـ 11 من سبتمبر 2001 لم تكن الأضواء مكثفة على تلك الوكالة، غير أن الإرهاب الذي تعرضت له البلاد جعل البعض يلقي الضوء على أهمية دورها في التنصت على الاتصالات واختراق الشبكات الإلكترونية حول العالم، وبخاصة في المواقع والمواضع التي لا يمكن للعناصر البشرية الدخول إليها، ولهذا تبقى مسألة إدارتها للأقمار الاصطناعية في الجو، والكابلات البحرية في البحر، في مقدمة الآليات التي تسخرها في حروبها ضد المجهول الذي يترصد الولايات المتحدة.

هل وكالة الأمن القومي حديثة العمر؟

المفاجأة هنا أنها قديمة بالفعل، ويعود زمن تأسيسها إلى العام 1952، وهو التأسيس الرسمي، حيث اتخذت اسمها الحالي في عهد الرئيس الأميركي، هاري ترومان، وإن كانت في واقع الحال قد وجدت طريقها على الأرض أثناء الحرب العالمية الثانية، وعهد إليها بفك شفرات الاتصالات في زمن الحرب، وبنوع خاص شفرات النظام النازي.

لم تكن فضيحة تجسس الوكالة على الحلفاء الأوروبيين، هي المرة الأولى التي يرتفع فيها النقاش في الداخل الأميركي حول شرعية تلك الوكالة، فقد تجسست من قبل على زعماء حركة معارضة حرب فيتنام من الأميركيين، ما يعني أنها قامت بمخالفة واضحة للدستور الأميركي، ذاك الذي يكفل الحريات والخصوصية للمواطن.

غير أن أميركا المضطربة روحها في أحشائها غداة الـ 11 من سبتمبر2001، غضت الطرف كثيراً جداً عن الحريات لصالح الأمن، الأمر الذي دعا الكاتب الأميركي الشهير، توماس فريدمان، عراب العولمة الأكبر، إلى القطع بأن أميركا لم تعبر إلى الـ 12 من سبتمبر حتى الساعة، ما جعل من استباحة الأجهزة الاستخبارية الأميركية للداخل والخارج، قضية شبه مسكوت عنها، فقد وقعت الولايات المتحدة رهينة لجمهورية الخوف على حد وصف وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت، في مؤلفها الشهير.

الوكالة الأميركية وحلف العيون الخمسة

تبدو وكالة الأمن القومي الأميركي ذات خصوصية معينة، وهي أنها فرع عسكري من وزارة الدفاع الأميركية، ما يعني أنه حتى لو وجد بينها وبين بقية وكالات مجمع الاستخبارات الأميركي تنسيق، إلا أنها تتمتع بخصوصية ما في عملها وأدائها، كما يجري معظم عملها المتعلق بالمراقبة من خلال حلف العيون الخمس، ذاك الذي تناوله بالتفصيل الصحافي النيوزيلندي الشهير، نيكي هاجر، في مؤلفه المعروف: "الآذان المترصدة... كيف يتجسسون عليك؟"، والحلف مكون من خمس دول هي أميركا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ويكاد يكون الذراع الأميركية الأطول للوكالة.

والشاهد أنه حتى ربيع عام 2014، حينما أصبح الجدل حول الوكالة مثار حديث داخل أميركا وخارجها، كانت الوكالة تدار من قبل الجنرال الأميركي، الكسندر كيث، وكان قد أشرف عليها لمدة تسع سنوات خلت، وقد عمل بقوة خلال فترة خدمته على زيادة حجمها ونفوذها، وفي سياق ذلك أصبح الكسندر، بحسب وصف الصحافي الأميركي جيمس بامفورد، أكثر رؤساء المخابرات نفوذاً في التاريخ الأميركي.

أما الأميركي، شاين هاريس، الكاتب والصحافي المتخصص في شؤون الأمن القومي الأميركي، فيخلص في قراءة معمقة له على صدر صفحات مجلة "فورين بوليسي" إلى أن "وكالة الأمن القومي كانت وحشاً معلوماتياً مسبقاً عندما تسلم الكسندر القيادة، لكن سعة مهمتها ونطاقها وطموحها، توسعت تحت إشرافه لدرجة تفوق كل ما فكر فيه أي من أسلافه، إذ لم يسبق أن امتلكت وكالة واحدة في الحكومة الأميركية القدرة، إضافة إلى الصلاحيات القانونية، لجمع هذا القدر من المعلومات الإلكترونية وتخزينها".

كانت استراتيجية الكسندر واضحة، "أنا بحاجة للحصول على كل البيانات مع الاحتفاظ بها لأطول وقت ممكن".

ولعل الشعار الذي اتخذه الكسندر للوكالة، "اجمعوا كل شيء"، كان يعبر بشكل مثالي عن الغاية الجوهرية لوكالة الأمن القومي، وقد وضع فلسفته هذه قيد التنفيذ للمرة الأولى عام 2005، بينما كان يجمع معلومات الاتصالات المتعلقة باحتلال العراق، بحسب ما نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عام 2013، وذلك بسبب عدم رضاه عن محدودية التركيز الخاص بالمخابرات العسكرية الأميركية، والتي كانت تستهدف فقط المتمردين المشتبه فيهم، وتهديدات أخرى للقوات الأميركية.

سنودن... وزمن خروج الوكالة إلى العلن

في مؤلفه المرجع: "تاريخ المخابرات... من الفراعنة حتى وكالة الأمن القومي"، يخبرنا "وولفغانغ كريغر"، المؤرخ الألماني المتخصص في التاريخ الحديث أنه في الـ 20 من مايو (أيار) في العام 2013، غادر، إدوارد سنودن، هونغ كونغ متوجهاً إلى هاواي حاملاً معه أربعة أجهزة كمبيوتر من صنف (النوت بوك) سبق أن خزن فيها معلومات وبيانات سرية جداً، وقد ائتمن سنودن، الشاب البالغ من العمر 29 عاماً، الصحافي الأميركي غلين غرينوالد، ومخرجة الأفلام الوثائقية، لاورا بويتراس، على أسراره.

في السادس من يونيو (حزيران) نشرت الصحيفة البريطانية "الغارديان" أول تقرير صحافي يتطرق إلى عمليات تجسس نفذتها وكالة الأمن القومي. ومنذ ذلك الحين دأبت جل وسائل الإعلام تتحدث عن "فضيحة وكالة الأمن القومي الأميركية"، في إشارة منها إلى عمليات التجسس هذه. ونشرت وسائل الإعلام أخبار هذه الفضيحة على شكل دفعات، وذلك لأن سنودن تمهل في فضح أسرار وثائق وكالة الأمن القومي الأميركية التي استولى عليها بنحو غير قانوني.

وحتى الآن لا يزال المرء يجهل العدد الحقيقي لهذه الوثائق وما تحويه من معلومات وأسرار. وتشير بعض التكهنات إلى أن وكالة الأمن القومي نفسها تجهل عدد هذه الوثائق.

الوكالة ومراقبة الإنترنت حول العالم

تدفعنا أخبار استغلال وكالة الأمن القومي الأميركي للمخابرات الدنماركية، بهدف التجسس على قادة حكومات أوروبا، وربما رؤوساء الدول، إلى التساؤل، هل تقوم الوكالة بمراقبة شبكة الإنترنت حول العالم بشكل غير مسبوق؟

الثابت أنه قد يعن لنا قراءة السؤال المتقدم بالمعكوس، مما يجعل علامة الاستفهام كالتالي، هل كانت شبكة الإنترنت هي مصيدة الوكالة للعالم حتى تعرف واشنطن كما يقال دبيب النمل حول الكرة الأرضية؟

الجواب يلزمنا الرجوع إلى كتاب "لا مكان للاختبار" لمؤلفه "غلين غرينوالد"، رفيق سنودن، وفيه نكتشف أن هناك صراحة غير عادية ضمن أقسام وكالة الأمن القومي، في ما يتصل بالغاية الحقيقية من بناء تنظيم سري هائل الحجم من المراقبة، وخير مثال على ذلك كان التقرير المعد لتقديمه إلى مجموعة من مسؤولي الوكالة الذين كانوا يناقشون مسألة معايير الإنترنت الدولية، وكاتب هذا التقرير هو "مسؤول الاستخبارات القومية للعلم والتكنولوجيا"، وهو كما يصف نفسه "عالم وقرصان إنترنت مدرب بشكل جيد".

يبدو عنوان التقرير فجاً ومثيراً، وقد جاء كالتالي، "دور المصالح القومية والمال والأنا"، وتشكل هذه العوامل الثلاثة وفقاً لكاتب التقرير الدوافع الأساسية التي تقود الولايات المتحدة للحفاظ على الهيمنة العالمية. نعم، فأنت حين تضع المال والمصلحة القومية والأنا معاً، فتكون بذلك تتحدث عن صياغة نظام العالم، وأي بلد لا يريد أن يجعل العالم مكاناً أفضل لنفسه؟

يتساءل كاتب التقرير، ما هو التهديد؟ ويجيب، "لنكن صريحين، لقد كسب العالم الغربي وخاصة الولايات المتحدة نفوذاً وجنى الكثير من المال بفضل وضع المعاير السابقة".

وعنده أيضاً أن الولايات المتحدة كانت اللاعب الأساس في صياغة إنترنت اليوم، وأدى ذلك إلى تصدير واسع النطاق للثقافة الأميركية إلى جانب التكنولوجيا، كما أدى إلى جني الكثير من الأموال من قبل المؤسات الأميركية.

ومع تنامي نطاق صناعة المراقبة وطموحاتها، نمت أيضاً قائمة أعدائها، فعلى سبيل المثال في وثيقة بعنوان، "وكالة الأمن القومي... نظرة عامة"، تذكر الوكالة في سياق تعدادها للتهديدات التي يفترض أنها تواجه الولايات المتحدة، بعض البنود المتوقعة، "قراصنة الإنترنت، العناصر الإجرامية، الإرهابيين، لكنها تذهب إلى أبعد من ذلك لتضع بين التهديدات لائحة من التقنيات بما فيها الإنترنت، واللاسلكي والفاكس والأقمار الاصطناعية".

انتهاك الخصوصية وتدمير الديمقراطية

هل انتهكت وكالة الأمن القومي خصوصية وحريات المواطنين الأميركيين؟

الجواب يعود بنا إلى العام 1975، حين صرح السيناتور "فرانك تشيرش"، رئيس اللجنة المختارة من قبل مجلس الشيوخ لدراسة الإجراءات الحكومية المتعلقة بالأنشطة الاستخبارية بالقول، "لقد طورت حكومة الولايات المتحدة قدرة تكنولوجية تمكننا من مراقبة الرسائل التي تنتقل عبر الأثير، غير أنه يمكن تحويل وجهة هذه القدرة في أي وقت نحو الشعب الأميركي، ولن تبقى لدى أي أميركي أي خصوصية مع هذه القدرة على مراقبة كل شيء، المحادثات الهاتفية، البرقيات، لا يهم، فلن يكون هناك أي مكان للاختباء". كان هذا التصريح قبل نحو خمسة عقود من تفجر أزمة سنودن، أو فضيحة الدنمارك، فهل انتهكت الوكالة قولاً وفعلاً حقوق المواطن الأميركي في الداخل، قبل أن تمضي إلى ممارسة مهماتها في الخارج؟

حين ظهر تقرير "الغارديان" البريطانية للعالم، خرج الرئيس الأميركي وقتها، باراك أوباما، والذي يعتبر مدير مبيعات النظام الأميركي للعالم، على الملأ مشيراً إلى أن عمليات الوكالة كانت مهمة للغاية للأمن القومي الأميركي الساعي لمحاربة الإرهاب، ومؤكداً أن أي انتهاك لخصوصيات المواطنين سيظل في أضيق حد ممكن.

كان من الطبيعي أن بعض المنظمات المدافعة عن حريات وحقوق المواطنين ونفراً من البرلمانيين قد استنكروا بشدة جمع مثل تلك الوكالة هذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات من خلال اختراقها هواتف المواطنين وشبكات الإنترنت، وقد أعرب وقتها قاضيان من المحكمة الاتحادية العليا عن شكهما في شرعية هذه العمليات.

أما وسائل الإعلام الليبرالية على غرار صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد دافعت عن إدوارد سنودن مشيرة إلى أنه لم يفعل أكثر من كشف مدى انتهاك وكالة الأمن القومي للقوانين الأميركية.

فيما أوردت صحيفة "واشنطن بوست"، والقريبة تقليدياً من البيت الأبيض والرئاسة الأميركية، في تقرير لها كيف أن الجنرال ألكسندر فكر في تطبيق نظام مراقبة شامل، والذي ابتكر في الأصل لشعب أجنبي في منطقة حرب نشطة، على مواطنين أميركيين، وكان النص كالتالي، "وكما فعل في العراق، ضغط الكسندر بقوة للحصول على كل ما كان بوسعه الحصول عليه، أدوات وموارد وصلاحيات قانونية، لجمع كميات كبيرة من المعلومات الخام حول الاتصالات الأميركية والأجنبية وتخزينها".

كانت سمعة الكسندر كمتطرف في موضوع المراقبة موثقة بشكل جيد وفي سياق وصفها، "لدافعه غير القانوني لبناء جهاز تجسس مطلق، سمته مجلة "فورين بوليسي"، "راعي أبقار الوكالة"، حتى أن مايكل هايدن، مدير الاستخبارات المركزية الأميركية، ووكالة الأمن القومي في حقبة بوش، الذي أشرف على تنفيذ برنامج التنصت غير المفوض قانونياً، والذي ساء صيته بسبب نزعته العسكرية العدائية، غالباً ما كان يشعر بحرقة في الصدر، حيال أسلوب الكسند غير المقيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحريات المدنية الأميركية في خطر

ومع الأبعاد الجديدة لقيام وكالة الأمن القومي بالتجسس على الحلفاء في الخارج، تطفو على سطح الداخل الأميركي تساؤلات تحمل مخاوف جدية من الدور الذي لعبته ولا تزال وكالة الأمن القومي داخلياً.

في تقرير لاتحاد الحريات المدنية صدر في العام 2011 نقرأ ما يلي، "إن الكثير من عمل حكومتنا في هذه الأيام يدار سراً"، وبحسب "الواشنطن بوست"، "إن هذا العالم المعتم شديد السرية وشديد التكتم وشديد التعقيد، بات مهدداً حقيقياً للحريات الأميركية، لدرجة أن لا أحد يعرف كم من الأموال يكلف أو كم عدد الناس الذين يوظفهم أو عدد البرامج الموجودة ضمنه، أو عدد الوكالات بالضبط التي تقوم بالعمل نفسه".

ما الذي يمكن أن تخزنه وكالة الأمن القومي عن مواطن أميركي عادي؟

عند نائب المدير القانوني لاتحاد الحريات المدنية الأميركية "جميل جعفر"، فإن قواعد بيانات الوكالة، "تخزن المعلومات حول الأراء الشخصية والتاريخ الطبي والعلاقات الحميمة والأنشطة على الإنترنت"، وعلى الرغم من زعم الوكالة أن هذه المعلومات الشخصية لن يساء استخدامها، إلا أن هذه الوثائق تبين أن الوكالة استخدمت تاريخياً وبناء على طلب من الرئيس الأميركي "ثمار المراقبة لتشويه سمعة أي منافس سياسي أو صحافي أو ناشط في مجال حقوق الإنسان، وسيكون من السذاجة التفكير بأن الوكالة أيضاً لم تعد تستطيع استخدام قدراتها بهذه الطريقة".

هل تهدد الوكالة أميركا بقدر حمايتها؟

كان آخر حديث وتصريحات رسمية من رئيس أميركي عن أعمال وكالة الأمن القومي قد ورد على لسان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، في الخطاب الذي ألقاه بتاريخ 17 يناير (كانون الثاني) من عام 2014 وبعد فضيحة "بريسم"، والتنصت على هاتف أنغيلا ميركل.

في هذا الخطاب لم يفصح أوباما على نحو قاطع وأكيد عن وجود رغبة في إصلاح حال وكالة الأمن القومي أو "لوقفها عند حدودها"، بل على العكس أشار بوضوح إلى أن الولايات المتحدة الأميركية ستواصل ترسيخ تفوقها التكنولوجي في مجال الاتصالات الإلكترونية.

هل فكرة الأخ الأميركي الأكبر، والأوريلية التي لا تنتهي، تكفل حماية الولايات المتحدة إلى ما شاء الله، أم أنها تحتوي على كعب أخيل الذي يمكنه أن يتهددها بقدر تهديدها للعالم؟

يوضح الخبير الأمني "بروس شناير"، في مجلة "أتلانتيك" الأميركية في عدد يناير 2014 أن "المراقبة الشاملة التي تقوم بها الوكالة ليست عديمة الفعالية وحسب، بل ومكلفة على نحو استثنائي أيضاً، ذلك أنها تفتح المجال لاختراق الأنظمة التقنية الأميركية انطلاقاً من أن بروتوكولات الإنترنت نفسها تصبح غير موثوقة، وليست إساءة الاستخدام المحلية هي التي ينبغي أن تثير قلق الأميركيين فقط، بل بقية العالم أيضاً".

ويضيف شناير، "كلما اخترنا التنصت بشكل أكبر على الإنترنت وتقنيات الاتصالات الأخرى كلما أصبحنا أقل أماناً من تنصت الآخرين، ذلك لأن اختيارنا ليس بين عالم رقمي يمكن فيه لوكالة الأمن القومي التنصت، وعالم رقمي تكون فيه الوكالة ممنوعة من التنصت، بل بين عالم رقمي معرض لجميع المهاجمين، وعالم رقمي آمن لجميع المستخدمين".

وبعيداً من التفصيلات التي ستكشف عنها الأيام القادمة بشأن دور وكالة الأمن القومي في النرويج، حكماً سوف يطرح الحديث من جديد عن مخاطر العالم الذي نعيشه، وهو ما أشارت إليه كمالا هاريس نائبة الرئيس الأميركي أخيراً باعتبار العالم يعيش حرباً كونية من غير دماء.

ولعل المتابع للهجمات السيبرانية الأخيرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأميركية، سوف تتوافر له خلاصات بأن واشنطن لم تعد بالمطلق صاحبة اليد العليا في حروب الأثير، فيما الطامة الكبرى التي تتهدد البشرية برمتها تتمثل في احتمالات تحول الصراع ما بين قوى دولية لديها توازنات عقلانية عند نقطة معينة من الصدام، إلى صدامات غير متماثلة ما بين عصابات القراصنة الإلكترونيين وبين الحكومات والدول، وساعتها ستضحى الفوضى سيدة العالم، ومع الأسف نبدو غير بعيدين من هذا المشهد إلا من رحم ربك.