Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين صلاة الاستسقاء و"أمك طنغو"... التونسيون يطلبون الغيث

التغيرات المناخية ألقت بظلالها على البلاد التي تشهد منذ 3 سنوات جفافاً غير مسبوق

وضع الجفاف تونس أمام مأزق غذائي بخاصة مع تراجع محصول الحبوب (أ ف ب)

عندما يقنط التونسيون من نزول الغيث النافع، يلجأون إما إلى طقوس دينية يتضرعون بها إلى الله، وإما إلى عادات أخرى من الموروث الشعبي التونسي، وقد أثارت دعوة وزارة الشؤون الدينية منذ أسبوع إلى صلاة الاستسقاء في تونس لطلب المطر نقاشاً مجتمعياً حاداً، بين من يعتبرها جرعة إيمانية ومن يعتبر دعوة وزارة الشؤون الدينية تلاعباً بعواطف الناس من دون اللجوء إلى الحلول العلمية التي تفسر انحباس الأمطار وتقديم حلول واقعية. 

وفي بلاغ صادر عنه قرر وزير الشؤون الدينية، إبراهيم الشائبي، إقامة صلاة الاستسقاء في جميع المساجد، ودعا عموم المستسقين إلى "استمطار الرحمات بالتضرع والابتهال إلى الله أن يرزقنا الغيث النافع، وأن يرفع عنا القحط والجدب".

الأمن الروحي 

وفي تعليق غذّى هذا النقاش، قالت الإعلامية مايا القصوري في تقرير بثته القناة العمومية حول صلاة الاستسقاء التي أقيمت بطلب من الوزير، قالت فيه إن "صلاة الاستسقاء فولكلور، وتندرج في ثقافة الشعوذة". تصريح القصوري أثار جدلاً واسعاً بين مؤيد ورافض، وهاجم العديد القصوري إلى حد وصفها بـ"عدوة الإسلام". 

ورد عليها الواعظ بوزارة الشؤون الاجتماعية، بدري المداني، قائلاً، "وزارة الشؤون الدينية وزارة لها سيادتها، وهي وزارة سيادة لها مرجعيتها الدستورية والتشريعية، ودينها الإسلام، ولها قوانينها وقراراتها وإطاراتها، وهي المشرفة على كل ما يتعلق بالشعائر تنظيمياً"، موضحاً، "قرار وزير الشؤون الدينية بإقامة صلاة الاستسقاء في زمن انحبست فيه الأمطار، واحتاج الناس إلى جرعة إيمانية تطفئ عطشهم، قرار جاء لبثّ كثير من الأمن الروحي باعتبار ذلك دورها، وهي الضامن له عبر مؤسساتها المسجدية ودُعاتها".
وأضاف المداني، "انحباس المطر قد يفسر من المنظور العلمي الطبيعي، وما ذلك سوى جملة من الأسباب التي لا ننكرها، لكننا نقف إجلالاً لكلام رب العالمين الذي هو مسبب الأسباب".

من جهة أخرى، ترى الأستاذة الجامعية والحقوقية، زينب التوجاني، في تصريح خاص، أن" صلاة الاستسقاء طقس من الطقوس الدينية التي تعبر عن حاجة الإنسان إلى الغيب لمواجهة مشاكل واقعه، وهي إذاً تبرز عجز الإنسان، وافتقاره، ويأسه من حل مشاكله بنفسه، فيلجأ إلى الدعاء والابتهال والصلاة والطاعة ليحظى برضا الله"، مضيفة، "هي شكل من أشكال تقديم القرابين القديمة، حيث كان الإنسان يقدم هدية للآلهة لتمطر السماء، ظناً من تلك الشعوب أن انحباس المطر عقاب إلهي". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وترى التوجاني، أن "اعتقاد بعض التونسيين في هذه الطقوس، واعتقادهم أنها ستجلب لهم المطر حاجة نفسية ووجودية تمدهم بقوة المقاومة والصبر والأمل، وتدل على أنهم لو وجدوا حلولاً واقعية لمشاكل الفلاحة والاقتصاد والمعيشة لما تمسكوا بالطقوس بيأس"، لكن أن تدعو الدولة ممثلة في الوزارة لصلاة الاستسقاء، بحسب اعتقاد التوجاني، فهدا يدل على أنها تستغل مشاعر الناس الدينية لتتلاعب بهم، وتخفي جريمتها، فالدولة مهمتها توفير حلول للناس في حال الجدب أو الخصب، وليس مهمتها التدخل في علاقة المواطنين بما يعبدون".

"أمك طنغو إلهة الخصب" 

ولا يقتصر التونسيون على الطقوس الدينية لطلب الأمطار، بل يستنجد سكان المناطق الزراعية بعادات من الموروث الشعبي، أهمها "أمك طنغو"، وهي دُمية مصنوعة من الخشب، يجوب بها الأطفال أحياء المدينة، مرددين أغاني لطلب المطر.

وتاريخياً، تمثل "أمك طنغو" إلى الإلهة الفينيقية تانيت، حامية مدينة قرطاج، وهي ترمز إلى الخصب والرخاء. هذه الإلهة، بحسب الاعتقاد الشعبي، كانت تحمل الأمطار النافعة، وتواصل الاعتقاد بها حتى اليوم، بخاصة في المناطق الداخلية للبلاد، حيث تكون الفلاحة ركيزة الحياة.

وهناك أيضاً عادة "الوزيعة"، وهي ذبح الخرفان، وتوزيع اللحوم على الفقراء، كنوع من التقرب لله لطلب الغيث النافع. 

وألقت التغيرات المناخية بظلالها على تونس التي تعرف منذ ثلاث سنوات جفافاً غير مسبوق، وتفيد توقعات وزارة البيئة والتنمية المستدامة بأن معدلات الأمطار السنوية ستنخفض بنسبة تتراوح بين 10 في المئة بالشمال الغربي و30 في المئة بأقصى جنوبي البلاد مع حلول سنة 2050، إضافة إلى ذلك، أضحى تأثير تغير المناخ على الموارد المائية والنظم البيئية والفلاحية، أمراً واقعاً، وهو ما سيرفع من حجم الضغوط على الفلاحين، خصوصاً أن بعض الأنشطة الفلاحية قد لا يمكن لها في المستقبل أن تتأقلم مع الظواهر القصوى للتغيرات المناخية.

ووضع الجفاف تونس أمام مأزق غذائي، بخاصة مع تراجع محصول الحبوب. 

فوقوع تونس تحت تأثير موسمين من الجفاف تسبب في نقص إيرادات المياه، حيث بلغ معدل تعبئة السدود 41 في المئة فقط خلال العامين الماضيين. 

وتعيش تونس منذ سنوات أزمة اقتصادية متواصلة أثرت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأولية، وقد يزيد انحباس الأمطار من ارتفاعها على غرار زيت الزيتون والغلال، وغيرها من الخضراوات الضرورية التي شهدت أسعاراً غير مسبوقة.

المزيد من تقارير