Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شبح الجفاف يهدد التونسيين بالعطش

تُعدّ تونس لمواجهة مشكلة المياه لديها ببناء السدود

سد سيدي سالم أكبر السدود التونسية يقع في وادي مجردة في ولاية باجة (الادارة العامة للسدود والاشغال المائية الكبرى التابعة لوزارة الفلاحة التونسية)

تعيش تونس منذ حوالى ثلاثة أشهر انحباساً ملحوظاً للأمطار أثّــر بشكل لافت في الزراعات الكبرى من الحبوب، ما يمثّل تحدّياً جديداً يُضاف إلى جملة صعوبات أخرى تنتظر الحكومة الجديدة برئاسة الياس الفخفاخ.

وبحسب آخر المعطيات الصادرة عن المرصد الوطني للفلاحة، شهد الموسم الزراعي الحالي بداية جيدة من حيث كمية الأمطار المتساقطة في فصل الخريف، إلاّ أنّه مع حلول شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019 وحتى اليوم، فإنّ الكميات المسجَّلة لم تكن في مستوى المعدلات العادية، بخاصة لشهر يناير (كانون الثاني) 2020، إذ بلغت تساقطات الأمطار حوالى 14 مليمتراً مقابل معدَّل شهري بأكثر من 29 مليمتراً، بينما كانت عند أكثر من 26 مليمتراً في الموسم الماضي.

وليست تونس في معزل عن بقية دول حوض البحر الأبيض المتوسط، إذ إنّ التغيرات المناخية بدت واضحة في عدد من الدول، ما ينذر بمستقبل صعب للقطاع الفلاحي، وسط ندرة المياه وشحّ الأمطار.
فما هو واقع الحال في قطاع المياه بتونس؟ وهل من حلول للخروج من هذا الوضع؟
 


موارد مائية سنوية
تقدّر الدراسات، الموارد المائية المتاحة في تونس سنوياً بحوالى 5 مليار متر مكعب، منها 2،7 مليار متر مكعّب مياه سطحيّة و2،2 مليار متر مكعّب مياه جوفية.

وتتوزع مصادر المياه في تونس بين مناطق الشمال التونسي التي تستأثر بــ55 في المئة من مصادر المياه الجوفية، بينما يحتوي الوسط على 30 في المئة والجنوب على 15 في المئة.
وتُعِدُّ تونس لإنشاء 33 سداً، يتوزع أغلبها على مناطق الشمال. ويُعتبر سدّ سيدي سالم في مدينة تستور بمحافظة باجة، والواقع شمال غربي البلاد على وادي مجردة، أكبر السدود.
وأكد مدير عام السدود والأشغال المائية الكبرى فايز مسلم في تصريح صحافي أدلى به أخيراً، أن "نسبة تعبئة السدود التونسية تُقدَّر إلى الآن بـ63،9 في المئة أي بحوالى مليار و440 مليون متر مكعب"، مشيراً إلى "وجود نقص ملحوظ في الإيرادات ببعض السدود".

وحذّر من أن وضعية مياه الشرب ومياه الري ستعرف صعوبات في التزود خلال السنة المقبلة في حال عدم ترشيد الاستهلاك وتواصل الجفاف.


تحت خط "الفقر المائي"
وتتعرّض الموارد المائية في تونس إلى ضغوط كبيرة ناتجة من تنامي طلب النشاطات الصناعية عشوائياً ومن دون رؤية واضحة تراعي الجوانب البيئية وتحافظ على حق الأجيال الحالية والمقبلة، التي تعاني الفقر المائي وربما انعدام الأمن المائي في المستقبل القريب، إذ يُعتبر كل بلد يحصل فيه الفرد على ما يقل عن 500 متر مكعب، في مرحلة الفقر المائي المطلق، وهو ما ينطبق على تونس اليوم، حيث يُقدَّر نصيب الفرد من الماء في السنة بحوالى 450 متر مكعّب أي أقل من معدّل استهلاك المواطن الواحد في منطقة الشرق الأوسط وباقي دول شمال أفريقيا، الذي يُقدَّر بــ 550 متر مكعّب. كما أن هذا المعدّل يُعتبر أقل بكثير ممّا توصي به المنظمة العالمية للصّحة والمقدّر سنوياً بين 700 و900 متر مكعّب للفرد في السنة.

ونظراً إلى كل هذه المؤشرات، تعاني تونس من ندرة المياه بالنسبة إلى الاستهلاك المباشر من السكان. كما يواجه القطاع الفلاحي تحديات كبرى لارتباطه مباشرةً بقطاع المياه.

 وارتفع حجم الطلب الإجمالي على المياه في تونس من 1870 مليون متر مكعب عام 1990 إلى 2700 مليون متر مكعب في 2016 ويُتوقع أن يصل إلى 2770 مليون متر مكعب عام 2030.

وتواجه تونس إضافةً إلى مشكلة شحّ المياه، تحدّيات أخرى، لا سيّما ارتفاع درجات الحرارة، إذ يُتوقّع أن ترتفع درجات الحرارة بأكثر من 3 درجات في أفق عام 2050، إلى جانب إلى تدهور التربة.

وأبرزت دراسة أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أن مسألة المياه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمن الغذائي، لذلك دعا المعهد إلى ضرورة التفكير في آليات علمية للمحافظة على تساقطات مياه الأمطار سنوياً، التي قدّرها المعهد بـ36 مليار متر مكعّب في السنة، تحتفظ منها تونس في السدود والبحيرات بحوالى 5 مليار متر مكعب، بينما يضيع أكثر من 30 مليار متر مكعب من المياه في البر والبحر.
 

الاستنزاف العشوائي للمياه الجوفية

وتشير معطيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الـ"فاو"، إلى أنه ليس بالإمكان تحقيق التنمية المستدامة إلاّ من خلال توفير 1000 متر مكعّب من مياه الشرب للفرد الواحد في حين لا يحصل التونسي حالياً، سوى على 450 متراً مكعّباً سنوياً.

كما تتعرّض المياه الجوفية إلى الاستغلال العشوائي، إذ أبرز "مكتــب البحــوث وتقييــم المــوارد المائيــة" التابــع لوزارة الفلاحة والموارد المائية أن عدد الآبار العشوائية في تونس اليوم يتجاوز 13 ألف بئر، ما يمثل تهديداً واضحاً لمخزون البلاد من المياه الجوفية، بخاصة في جنوب البلاد.

من جهة أخرى، حذّر باحثون في المجال المائي من أن سيلان الأنهار الكبرى في تونس مثل نهر مجردة ووادي ملاق، النابعة من خارج حدود البلاد، أصبح مهدداً للاكتفاء الذاتي من المياه السطحية مع استمرار بناء السدود بالنسق ذاته في الجزائر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


المياه الذكية
​​​​​​​ويقترح الباحثون إيجاد حلول بديلة للموارد المائية التقليدية من خلال تحلية مياه البحر، التي تتجاوز نسبة ملوحتها 37 غراماً في اللتر الواحد وتحلية المياه الباطنية، إضافةً إلى إمكانية توظيف تقنيات "المياه الذكية" من خلال التصرّف في الموارد المائية باستعمال أجهزة رقمية حديثة متصلة بالأقمار الصناعية لتسجيل ومتابعة الوضع الحيني لهذه الثروة في تونس.

ويطرح باحثون في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية الذي أعدّ عام 2018 دراسة حول "إشكالية المياه في تونس والحلول المتاحة لها"، إمكانية تجهيز السدود وقنوات التوزيع والري وعدادات المنازل بالأجهزة الذكية لتجميع المعطيات الفورية ومن ثم رصد كل الإخلالات والتدخل السريع لحل أي إشكال يتعلق بالضغط أو سرقة مياه الري أو ضياع المياه في القنوات.

ولوضع حد لاستنزاف المخزون الجوفي من المياه ولتحيين المنظومة التشريعية في هذا القطاع الحيوي وملاءمتها لأحكام الدستور الجديد، صادقت الحكومة التونسية السابقة التي كان يرأسها يوسف الشاهد على مشروع قانون "مجلّة المياه" التي ستعمل على حوكمة التصرف في الموارد المائية وأحالته إلى مجلس النواب في انتظار المصادقة عليه واعتماده كقانون أساسي للتصرّف بالمنظومة المائية في الفترة المقبلة.

المزيد من العالم العربي