Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العشائرية" تعوض غياب برامج الأحزاب في الانتخابات المحلية الجزائرية

الولاء للشخص على حساب البرنامج والكفاءة من شأنه إضعاف الممارسة السياسية والدفع نحو البحث عن المصالح

أعضاء من الأحزاب الجزائرية وممثلي المجتمع المدني في "المنتدى الوطني للحوار" (أ ف ب)

غيرت الحملة الدعائية للانتخابات المحلية ملعبها في الجزائر بعد "اللامبالاة" التي فرضها الواقع، لتلجأ إلى أحضان الولاءات في المدن في الأرياف والقرى، سعياً من المرشحين للفوز بمنصب "رئيس بلدية" الذي بات محل انتقادات بسبب ممارسات "مشينة" سابقة.

مزاد القوائم يشتعل

واشتعل مزاد قوائم المرشحين مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات المقرر في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بخاصة في المناطق الداخلية والنائية والصحراوية، حيث تلعب "الولاءات" و"القبلية" دوراً كبيراً في رفع نسب المشاركة يوم الاقتراع، وإحداث الفارق بين المرشحين، بعيداً من الانتماءات السياسية التي يبدو أن الزمن تجاوزها بعدما عجزت عن عرض برامج تنموية تقنع الناخب وتجره إلى المشاركة بقوة في اليوم الموعود.

وجاءت الحملة الانتخابية للاستحقاق المحلي لتكشف عن عدة عيوب أصابت الطبقة السياسية التي لم تعد تصنع المشهد، إذ إن أغلب التشكيلات السياسية بما فيها التي كانت تحكم البلاد، أو تلك التي تصف نفسها بالكبيرة، لم تستعرض قوتها عبر البرامج مثلما كانت عليه الحال مع الاستحقاقات السابقة، وتركت المرشحين يواجهون مصيرهم خوفاً من "انتقام" الشارع الذي لا يزال يرى في هذه الأحزاب أحد أبرز المعوقات التي تسببت في الوضع الصعب الذي يعيشه المواطن بسبب الوعود الكاذبة من جهة واعتماء الولاء للنظام السابق من جهة أخرى، وهو ما فتح الأبواب للمترشحين من أجل البحث عن ناخبين بين القبلية والولاءات.

خطر على العملية الانتخابية

ويرى أستاذ العلوم السياسية البرلماني علي محمد ربيج، أن "الحديث عن الولاءات الشخصية في الانتخابات، من الناحية المبدئية لا أعترض عليه وأعتبره أمراً عادياً". مضيفاً، "أن هذا الولاء قد يأتي في ثوب القناعة الشخصية أو الانتماء الحزب أو الأفكار أو العقيدة أو الأيديولوجية نفسها"، وشدد "أن الأمر يصبح سلبياً وغير مقبول عندما تكون في اتجاه الحمية والعصبية والقبلية، هنا أعتقد أن هذا المؤشر والسلوك الاجتماعي خطر على العملية الانتخابية، لأنه يفقدها معناها الحقيقي ويصبح المواطن يختار المرشحين حسب الانتماء القبلي"، وختم "أن الولاء للشخص على حساب البرنامج والكفاءة من شأنه إضعاف الممارسة السياسية، ويدفع إلى استمرار البحث عن المصالح بدل خدمة البلاد والعباد"، لكن "أرى أن هذه السلوكيات تتجه نحو الانكماش إلى مناطق ضيقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقاءات عشائرية بعد نضج سياسي

وبرزت في الحملة الدعائية اللقاءات العشائرية مع المترشحين من أبناء القبيلة مرفقة بتزكيات جماعية تحت شعار "الأقربون أولى بالأصوات"، خصوصاً في المحافظات الداخلية والجنوبية، وهي ظاهرة كغيرها مثل الجهوية، لم تتراجع بالقدر المطلوب، بل على العكس باتت تؤثر بقوة في مختلف الانتخابات، إذ يفسرها المتابعون بهشاشة مؤسسات الدولة واعتماد النخب الحاكمة لعلاقات مصالح عبر توزيع الريع على المواطنين بحسب انتماءاتهم الجهوية والعرقية، إضافة إلى ضعف الطبقة السياسية التي باتت تبحث عن الامتيازات والمناصب على حساب التغيير والتنمية، ما يجعل العلاقة بين الناخب والمرشح مصلحة متبادلة، "الصوت مقابل تحقيق غايات وامتيازات" مثل الحصول على سكن أو قطعة أرضية أو تسهيلات استثمارية أو منصب شغل وغيرها.

وعلى الرغم من أنه خلال الحراك الشعبي، كثر الحديث عن إحراز نضج سياسي وثقافي في المجتمع، في عوامل التعليم والعمل المدني والتوعية الدينية، فإن الاستحقاقات كشفت عن استمرار التأثير العشائري على توجه الناخبين في مناطق عدة، بلغ حد الحسم في حالات، وهو الوضع الذي أرجعه الإعلامي عبد الحميد عثماني، إلى "النمط الانتخابي الفردي، حيث تتحيز القبيلة أو لابنها المترشح ضمن قائمة حزبية أو مستقلة على حساب باقي زملائه، بل توجد قوائم كاملة تخوض المنافسة باسم قبيلتها في مناطق راسخة التقاليد القبلية، كما أنها من النتائج الموضوعية لفشل الدول الوطنية الاستقلالية في تكريس المواطنة ومبادئ الحق والقانون والمساواة والعدالة، حيث تسمو الروابط العلوية للأفراد في إطار مشروع الدولة- الأمة".

الجميع يتحمل المسؤولية

من جانبه، اعتبر الصحافي المهتم بالشؤون السياسية، ياسين محمدي،  "أن الحملة الانتخابية في الجزائر تغلب عليها الولاءات القبلية، ويرجع هذا لطبيعة الناخب الذي يثق في ابن عشيرته وحيه، ويراه قادراً على حل مشكلاته اليومية أكثر من أي شخص آخر مهما كانت الكفاءة التي يتمتع بها أو البرنامج الذي يحمله"، مضيفاً "أن الأحزاب السياسية باتت تساير ما يحدث في الميدان، فأغلبها أحال إعداد القوائم لقواعدها المحلية بهدف استقطاب المترشحين الذين بإمكانهم اصطياد أصوات المواطنين في الحي والقرية والبلدية بغض النظر عن مستواهم التعليمي وخبرتهم في تسيير الشأن العام وسمعتهم في المنطقة".
وتابع محمدي، "أن الجميع يتحمل المسؤولية بمستويات متباينة، لكن أعتقد أن العبء الأكبر يقع على الناخب الذي يحبذ التصويت على مرشحين من معارفه، على الرغم من أنه يعلم مسبقاً بأنهم غير أهل لشغل مسؤولية تسيير البلدية والمحافظة"، موضحاً، "على الرغم من أن نية الترشح تتعلق بالشخص فقط، لكن يظهر أن كثيرين يرغبون في عضوية المجالس البلدية والولائية لتحقيق مصالح سياسية بدرجة أقل مادية، فلا يعقل أن يترشح العمال اليوميون وأصحاب المهن الحرة لمنصب رئيس بلدية"، وقال "إن كثيراً من المرشحين يرون في عضوية المجالس المحلية فرصة للتقرب من السلطات، وتجربة للمسؤولية ومحطة للترشح للانتخابات البرلمانية، خصوصاً أننا نعلم أن المكاسب المادية لأعضاء المجالس البلدية والولائية ليست مغرية إذا قورنت بمكاسب النواب بالبرلمان".
ورأى أن "التساهل في شروط الترشح أفقد الممارسة السياسية رمزيتها"، مشدداً على "ضرورة وضع شروط أكثر جدية أمام الراغبين في الترشح، وتوعية المواطن بأن القبلية في غير محلها تضر أكثر مما تنفع، وهذه المهمة تؤديها الأحزاب السياسية المطالبة باستقطاب الكفاءات النزيهة، بخاصة أن هؤلاء عازفون عن السياسة والانتخابات".

المزيد من تقارير