Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تصاعد التوتر مع حلف الناتو وروسيا تستعد للمواجهة في البحر الأسود

موسكو تحذر واشنطن من اللعب بالنار وتعد بالرد المتكافئ على تحركات حلف شمال الأطلسي

لا حديث لموسكو ووسائل إعلامها خلال الأيام الأخيرة سوى مناورات الناتو، وما تصفه باستفزازات الولايات المتحدة على مقربة مباشرة من حدودها وأراضيها في الجنوب على ضفاف البحر الأسود.

وفي إطار حملة كاملة العدد كرست السلطات الروسية، التشريعية والتنفيذية، كثيراً من اجتماعاتها وجلساتها لمناقشة هذه القضية، فيما أعلنت عن تحذيراتها بعدم اللعب بالنار في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من اندلاع المواجهة العسكرية بين روسيا وحلف الناتو في منطقة البحر الأسود.

العلاقات الروسية الأميركية

وفي مجلس الدوما أعلن سيرجى ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسية، المسؤول عن ملف العلاقات الروسية الأميركية، عن أن واشنطن تواصل ممارساتها الاستفزازية، وتدفع بمقاتلاتها وسفنها البحرية إلى مقربة مباشرة من الحدود الروسية، بعيداً من حدودها وأراضيها بآلاف الأميال بذريعة مواجهة ما تقوم به روسيا من مناورات داخل أراضيها.

وفيما تتواصل تحركات السفن والمقاتلات الأجنبية في هذه المنطقة، كشف الناطق الرسمي باسم الكرملين عن قلق الرئيس فلاديمير بوتين من هذه التحركات، مؤكداً أن بلاده تتابع كل ما يجرى من نشاط لسفن وأسلحة الناتو "وبلدان أخرى في المنطقة"، في إشارة مباشرة إلى كل من أوكرانيا وجورجيا اللتين تقدمان كل المساعدات اللوجيستية إلى هذه السفن الحربية، بما في ذلك ميناء باتومي الجورجي، والموانئ البحرية الأوكرانية المطلة على البحر الأسود. وفي هذا الصدد أشار دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين إلى أن الجانب الروسي يعير هذه التحركات اهتماماً متزايداً، فضلاً عما يتخذه من إجراءات أمنية مشددة تحسباً لأي احتمالات طارئة.

ومن جانبه أعلن سيرجى شويجو، وزير الدفاع، أن الأجهزة المعنية تتدارس تفاصيل كل ما يجري في المنطقة من تحركات وأحداث، وما تحمله السفن التابعة للناتو ولدول أخرى في المنطقة على متنها من "أسلحة دقيقة بعيدة المدى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال إن الولايات المتحدة والبلدان المتحالفة معها تحاول من خلال هذه الأسلحة والمعدات الدقيقة، "اختبار مدى مناعة ساحل البحر الأسود وحدود جنوب روسيا". وذلك ما قد يكون إشارة غير مباشرة إلى ما يعنيه دميتري بولتينكوف المعلق السياسي لصحيفة "أزفيستيا" الذي كتب يقول، إن هذه المناطق "تشكل من وجهة النظر الجيوسياسية، نقطة ضعف بالنسبة إلى روسيا. فمنها يكون من الممكن قصف كبريات المدن، وأهم المراكز الدفاعية والتقنية الواقعة جنوب روسيا، فضلاً عن عدد من النزاعات والصراعات الإقليمية التي لم يتم حلها هناك، ومنها مشكلة ما وراء الدنيستر في مولدوفا، إلى جانب العلاقات المعقدة بين جورجيا وأبخازيا".

وثمة من يقول إن ما يواصل حلف الناتو والولايات المتحدة القيام به في الفضاء السوفياتي السابق وعلى مقربة مباشرة من الحدود الروسية يستهدف ضمناً إنهاك قدرات روسيا الاقتصادية والعسكرية، وصرف اهتمامها عن القضايا الملحة في مواقع أخرى.

وإذا أضفنا إلى ذلك المشكلات المتعلقة بضم روسيا للقرم، وعلاقات روسيا بما يحتدم من صراعات انفصالية في منطقة جنوب شرقي أوكرانيا، وتلويح الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي باحتمالات الحرب مع روسيا، فإننا نكون أمام واقع جديد تقول مفرداته بتزايد احتمالات اشتعال المواجهة متعددة الأطراف.

تحركات في حوض البحر الأسود

وثمة شواهد كثيرة تقول بتزايد حدة هذه الاحتمالات على وقع التصعيد المتعمد من جانب أوكرانيا بغية التعجيل باندلاع المواجهة العسكرية، التي ثمة من يقول إنها قد تلفت الأنظار بعيداً مما تواجهه أوكرانيا من أزمات اقتصادية، وضغوط ضد النظام القائم هناك.

ومن هنا يتذكر مراقبون في أوكرانيا وغيرها من الأطراف المعنية، ما جرى في جورجيا على مقربة من هذه المنطقة في أغسطس (آب) 2008، وما قد تقوم به روسيا على غرار ما قامت به ضد جورجيا في إطار تلك الحرب التي ثمة من وصفها أنها كانت مجرد "عملية لإرغام جورجيا على السلام" مع جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللتين أعلنتا انفصالهما عن جورجيا من جانب واحد.

وذلك ما تتناقله الألسنة في الأنساق الإعلامية والسياسية والعسكرية العليا في روسيا. وفي هذا الصدد ذكر وزير الدفاع الروسي شويجو في حديث تلفزيوني تناول فيه مجريات ما يجرى من تحركات في حوض البحر الأسود، أن روسيا تدرك جيداً "أنه عندما تدخل سفينة تابعة لدول من خارج المنطقة إلى البحر الأسود، وتعلم أنها تحمل أسلحة بعيدة المدى عالية الدقة على متنها، وأن هذه الأسلحة موجودة بالفعل أي أنها لا تقوم برحلة سياحية، فإننا نقوم بالطبع بمراقبة ومتابعة هذه السفن، وندرك أنه قد تحدث أية استفزازات ممكنة في أي وقت وفي أي لحظة، كما حدث قبل فترة غير بعيدة مع السفينة البريطانية (في إشارة إلى السفينة "ديفندر" التي تورطت في مواجهة غير مباشرة خلال المناورات قبل الأخيرة صيف العام الجاري)، وبالطبع لا يجوز أن نسمح بمثل هذه الأشياء".

ومضى الوزير الروسي ليقول "إذا تحدثنا بدقة أكثر، فإن هناك من يستمر في محاولاته لاختبار قدراتنا، وللتحقق من مدى استعدادنا، ومدى جودة وفعالية منظومة دفاعنا على طول ساحل البحر الأسود، وبشكل عام في جنوب بلادنا".

وكانت روسيا سارعت، وأعلنت عن بدء مناوراتها التي دفعت إلى المشاركة فيها بعدد مناسب من قواتها ووحداتها البحرية والجوية الضاربة في هذه المنطقة، تحسباً لأي استفزازات من الجانب "الآخر"، ما تعالت بصدده أصوات مراقبين عسكريين تحذيراً من اتساع نطاق المواجهة، وتوقعاً لاحتمالات نشوب حرب واسعة النطاق بين الجانبين. وفيما تتواصل الحشود العسكرية الروسية والأميركية بالدرجة الأولى في حوض البحر الأسود الذي طالما اعتبرته روسيا بحيرة مغلقة، يحظر دخولها والإبحار فيها دون ضوابط، بموجب بنود اتفاقية "مونترو"، تتوالى البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية تحذر من مغبة تكثيف مقاتلات حلف الناتو لطلعاتها الجوية الاستطلاعية في فضاء البحر الأسود على مقربة مباشرة من الحدود الروسية.

تجييش الرأي العام

وفي محاولة "لتجييش" الرأي العام وإضفاء مزيد من السخونة على الموقف الراهن في المنطقة وخارج حدودها، يبدو حرص وزارة الدفاع الروسية واضحاً على تكثيف نشراتها العسكرية التي تكشف فيها عن تصعيد الناتو لتحركاته، وزيادة نشاط طائراته الاستطلاعية في الفضاء القريب من الحدود الروسية، سواء في شمال غربي روسيا، أو جنوب شرقيها في منطقة البحر الأسود على مقربة مباشرة من القرم وميناء سيفاستوبول القاعدة الرئيسة للأسطول الروسي في البحر الأسود.

وقالت، في بيان، صدر أخيراً "إن عدداً من الطائرات الأميركية التي تشارك في المناورات أقلعت من قاعدة رامشتاين الجوية الألمانية، على ارتفاع 7 - 10 آلاف متر فوق الأجزاء الشمالية الغربية والوسطى والشمالية الشرقية للبحر الأسود لمدة خمس ساعات و13 دقيقة".

وأضاف البيان، "أن أنظمة رادار قوات الصواريخ المضادة للطائرات التابعة لقوات الفضاء الروسية لم تغفل عن متابعة طائرات الاستطلاع التابعة للقوات الجوية الأميركية، طوال رحلتها في سماء البحر الأسود". وكشف البيان عن أن الطائرة الأميركية من طراز "E-8C" اقتربت من الحدود الروسية بمسافة لا تقل عن 35 كيلومتراً".

ومن اللافت أن حلف الناتو والولايات المتحدة دأبا خلال الفترة الأخيرة على مواصلة عملياتهما وتحركاتهما في شمال غربي روسيا وفي حوض البحر الأسود، إلى جانب ما تقوم به من مناورات وتدريبات مشتركة على مقربة من أهم المناطق الاستراتيجية لروسيا وسط البلاد، مع عدد من بلدان الفضاء السوفياتي السابق، ومنها بلدان لم تحصل بعد على عضوية الناتو مثل جورجيا وأوكرانيا، في محاولة لتشتيت أنظار واهتمام القيادات السياسية والعسكرية الروسية، وإنهاك قدراتها العسكرية، وهو ما قال الرئيس بوتين إنه ليس بخاف عن السلطات الروسية.

وعلى الرغم من كل ما تتسم به العلاقات الروسية الأميركية من توتر، تحرص موسكو على عدم التفريط في أي مناسبة من شأنها تخفيف حدة التوتر مع الإدارة الأميركية الجديدة، ومنها عدم إغفال أية بادرة من جانبها، وهي التي تسعى نحو مزيد من الاستقرار في أوروبا.

مهادنة أو رغبة في المصالحة

وقد شهدت الأيام القليلة الماضية زيارة وليام بيرنز السفير الأميركي السابق في موسكو ورئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية لتكون الرابعة في سلسلة اتصالات العاصمتين الروسية والأميركية، منذ قمة بوتين وبايدن في جنيف في يونيو (حزيران) من العام الحالي، التي أعقبت رفع العقوبات عن السيل الشمالي-2، وفرض عقوبات اقتصادية جديدة من جانب الكونغرس الأميركي.

ورصد مراقبون جنوحاً من جانب روسيا يتسم بطابع المهادنة أو الرغبة في المصالحة من جانب فلاديمير بوتين أعرب عنها في منتدى "فالداي" في سوتشي والتلميحات من جانب كل من واشنطن وموسكو حول قمة ثانية مرتقبة بين بايدن وبوتين، ربما في صيف العام المقبل، فضلاً عن الرغبة في تخفيف التوتر والتعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، لا سيما الرقابة على التسلح والمناخ والأمن السيبراني.

لكن على حد اعتقاد كثيرين من المراقبين في موسكو، فإن أي تعاون من هذا القبيل سيتوقف بطبيعة الحال على قدرة الرئيس بايدن، الذي تصفه بعض الدوائر بـ "الضعيف"، على الصمود في وجه المقاومة الداخلية الشديدة. غير أن ذلك كله لا يمكنه التقليل من شأن استمرار الضغوط والعقوبات من جانب الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، وتشتيت أنظارها وقدراتها على مختلف الجبهات العسكرية سواء في الجنوب وما يتعلق منه بأوكرانيا وجورجيا، أو الشمال الشرقي وما يتعلق منه ببلدان البلطيق وبيلاروس، أو الاقتصادية والإنسانية، وما يتعلق منهما بالاستمرار في محاولات تنفيذ المخططات القديمة الخاصة بالثورات الملونة في الفضاء السوفياتي السابق على غرار ما جرى في بيلاروس في أغسطس (آب) من العام الماضي. وذلك ما لا يغيب بطبيعة الحال عن أنظار الكرملين الذي نجح في احتواء الأوضاع في بيلاروس التي جنحت أخيراً إلى تنفيذ ما سبق، وأشرنا إليه في أكثر من تقرير من موسكو، حول المصالحة والمهادنة مع روسيا، والنزول إلى إرادتها تجاه كثير من المواقف، ومنها الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم، وإن لم تعلن عنه رسمياً بعد.

المزيد من تقارير