Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إبراهيم داود يكسر صورة الشاعر الذي يدعي التنبؤ

الذات المنكسرة تقف على مسافة من العالم في "كن شجاعاً هذه المرة"

لوحة للرسام المصري عمرو هيبة (صفحة الرسام على فيسبوك)

تُعد مقولة الأجيال من المقولات الشائعة في التأريخ للقصيدة المصرية المعاصرة، بدءاً من جيل الريادة، وانتهاءً بما يسمى شعراء الألفية الثالثة. وعلى الرغم من الصحة المبدئية لهذه المقولة، فلا شك أننا نلاحظ تحكم البعد الزمني فيها دون أن يخلو الأمر من مقاربة الملامح الفنية. وعليه، فإن مقولة "الموجات" الشعرية التي قال بها بعض النقاد هي الأكثر تعبيراً عن البعد الفني الجمالي. هذه الموجات التحديثية يمكن تقسيمها إلى ثلاث موجات، تشمل الأولى جيلَي الريادة والستينيات اللذين اشتركا في خصائص جمالية مايزت بينهما وبين الموجة الثانية التي اقتصرت على جيل السبعينيات، ثم الموجة الثالثة التي شملت الثمانينيات وما بعدها.

ولم تنطلق الموجة الثالثة من مقولات جمالية عامة ينضوي تحتها الشعراء ويكتبون بهدي منها، وهذا هو سبب التنوع في تجارب شعرائها. وتعد تجربة إبراهيم داود من التجارب ذوات الخصوصية الواضحة من حيث اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة واستبطان الذات واعتبار الشأن العام شأناً خاصاً. أو لنقل إننا أمام حالة من شخصنة العالم أو رؤيته من خلال زوايا الذات الحميمة. ويفسر ديوانه الأول الذي حمل عنوان "تفاصيل وتفاصيل أخرى" هذا التوجه الجمالي الذي ظل داوود حريصاً عليه. هناك إذاً انكسار لنموذج الشاعر المتنبئ، أو حتى الطليعي الذي شاع في الموجة الأولى.

ذات منكسرة

يتخلص داوود من هذا ليقدم ذاتاً منكسرة هامشية تستشعر وحدتها وعذاباتها وتقف على مسافة من العالم، تلاحظه فقط لتدرك أن هناك مطراً خفيفاً في الخارج، وأنه "لا أحد هنا"، لكنه في ديوانه الجديد "كن شجاعاً هذه المرة" (دار ميريت)، يحاول التخلص من هذا التاريخ الطويل من الخوف من العالم. فالشاعر يجرد نفسه ليخاطبها بلغة تحفيزية. وربما يكون هذا بأثر من ثورة يناير (كانون الثاني) التي أفرد لها بعض القصائد. ففي قصيدة "فراغ" يقول: "ستشرق لا شك/ ولكن ليس غداً/ النوافذ جفون متعبة/ ولا توجد بيارق/ بقجة السماء فارغة وأعمدة الإنارة متعبة/ ولا يوجد ضوء عطوف في الأفق/ ستشرق يوماً ما/ ستشرق ونحن في الطريق/ خلفنا ليل ثقيل وبيننا الأيام".

يعدد الشاعر عوامل السلب التي يزحر بها الواقع: النوافذ التي تشبه جفوناً متعبة وانعدام البيارق وإجهاد أعمدة الإنارة بضوئها الشاحب وغياب الأمل – الضوء العطوف في الأفق – لكن استنفار الإرادة واستشراف المستقبل يظل هو التيمة المهيمنة. ولنلاحظ تكرار الفعل "تشرق" المسبوق بسين التسويف ثلاث مرات في بداية النص وقرب نهايته. إنه الأمل الذي يتشبث به الشاعر بعد ليله الثقيل. والحق أننا لسنا أمام انتظار سلبي، بل انتظار من يمارس فعل الحياة، انتظار من يمشي في الطريق. ولعل هذا يذكرنا بديوانه "حالة مشي" الذي بدت فيه الأجواء الصوفية. فالطريق هنا ليس مكاناً للعبور بل يوحي بدلالات روحية. وهو ما جعل الشاعر يصدر الديوان بالكلام عنه حين يقول: "اللغة متفق عليها/ والعاشق الذي ضاق من الثرثرة عن العشق/ يبحث عن طرق قصيرة/ تفضي إلى البحر الكبير/ طرق ضيقة تسكن إلى جانبيها الحياة".

"الباب الضيق"

البحث - هنا - عن طرق قصيرة مستقيمة تفضي إلى البحر الذي قد يكون الحب أو الكتابة أو الحياة ذاتها. هي أيضاً طرق ضيقة ما يوحي بالمجاهدة، فهي أقرب إلى "الباب" الذي نصح المسيح بالدخول منه والابتعاد عن الأبواب الواسعة. ويبدو أن صفة "الضيق" لا تقتصر على الطرق فحسب بل تشمل البيوت، ما يؤكد البعد الاجتماعي... "كان ذلك سهلاً/ أن تولد وتكبر/ وتسكن بيوتاً ضيقة بعيدة/ كان سهلاً التعامل مع الضيق/ كان سهلاً الرجوع إلى البيت".

واستحضار البعد الاجتماعي يؤكد واقعية النصوص، غير أن الواقع – هنا – هو من أدوات التشكيل مثله مثل اللغة. لهذا فإن شاعرنا يتذكر دائماً الفرق بين الكاتب الذي يكتب عما يعرف والفنان الذي يكتب بما يعرف، طبقاً لمقولة إبراهيم أصلان. ويستدعي ذلك تيمة المتاهة، حيث لا أحد يعرف الطريق، وإن ظهر بدت علاماته باهتة بعد أن اختلطت القيم بنقائضها وفقد الكلام أهميته وأصبح العدل مخفوراً بالباطل.

اللعب مع الكلمات

وفي نموذج آخر يأخذ السير في الطريق معنى رحلة الحياة التي يخرج منها الشاعر كما دخلها ويتركها على طبيعتها الأولى... "أنت لم تتغير/ فقط تتقدم في العمر وأنت تتفادى الهزائم/ أصدقاؤك لم يتغيروا/ فقط تقدموا في العمر/ وركنوا الحكايات الشجية/ الحكايات التي يذكرونها بأسى في الأيام العصيبة التي تحتاج فيها إلى أصدقائك/ الطريق لم يتغير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا أحد يتغير وكأنها اللعنة الأبدية، ولا يتبقى سوى الحكايات الشجية التي هي أقرب إلى العزاء عن ذهاب العمر. وإذا كان الشاعر قد تخلى عن دور النبي فمن الطبيعي أن يفقد اليقين فلا يوجد شيء مؤكد، فحيث يوجد الخوف يقابله الأمل، ويظن العابر أنه قد وصل دون أن يجد "رائحة للطعام" أو رائحة للحياة المتجددة. ويصنع الشاعر مقابلة بين رائحة الطعام الدالة على الحياة وتلك الرائحة التي عمت المدينة فتركها "مياسر الناس"، بينما ظل الآخرون – الفقراء – يقاومون الرائحة التي أصبح لها صوت عالٍ، "ولم يعد هناك من يصغي إلى أحد". إن داوود يعرف الشعر، وهو يمارسه وهو يلعب مع الكلمات. إن طريقته في الكتابة تشبه طريقته في اللعب مع صديقه الشاعر إبراهيم عبدالفتاح الذي يقول له: "... ولعبنا/ طريقتك في اللعب تشبهك/ أنت لا تدافع أبداً/ وتغضب كثيراً من "الزهر"/ وطريقتي أتعرف عليها وأنا ألعب".

والإحساس بالوحدة تيمة رئيسة في شعر داوود الذي يرى أن الوحيد "هو الشخص الذي يرجع إلى بيته كل ليلة/ ولا يعرف نهاية للطريق". وكذلك الاغتراب الذي جعل الناس لا ينظرون في عيونهم. يقول: "لا أحد ينظر في عين الآخر/ المقهى ضاق/ والغرباء يتوافدون والليل في أوله". والحزن – الذي توقف أمامه صلاح عبدالصبور – هو ملمح آخر: "لا أحد يجري وراءنا/ فقط يوجد حزن في الظهيرة/ ويوجد حزن في المساء".

النص الومضة

الفرق بين عبدالصبور وداوود أن الأول حاول ترميز الحزن، بينما الثاني يتعامل مع دلالته الواقعية. يصبح النوم ملاذاً للابتعاد عن العالم ويتحول الجهل بالموسيقى إلى سبب في الضياع وهيمنة الحزن... "لا يخافون التاريخ/ التاريخ الذي يسطره الحزن الآن/ في مكان ما/ جهلهم بالموسيقى ضيعنا". ونلاحظ قلة سطور هذا النص وهي سمة في الديوان يمكن وصفها بـ"النص الومضة". وكذلك اقتراب الديوان من الشفاهية وآية ذلك استخدامه لبعض التراكيب العامية مثل "أنت هناك/ وشاهدت جثمانه/ وربما حملته/ يظهر وأنت شارد/ يظهر وأنت تقطع شارعاً". فقوله "يظهر وأنت شارد" يقترب من التركيب العامي. كما يتحول الليل – بما أنه نقيض نهار المعيشة – إلى شاعر له رائحة غامضة وطازجة. فالظلام رحيم يحمينا من قسوة الواقع الذي تتكاثر فيه المدن ويقل الماء ويصبح مجرد رؤية البلاد في النهار حلماً يراود الشاعر دون أن يناله. وهو في عزلته تتمترس الحواجز داخله وتحاصره البنادق من الخارج: "توجد حواجز بداخلك/ وبنادق مصوبة من مكان ما/ ولا يوجد زيت في البيت/ أنت في غرفتك تشتاق إلى بلادك في النهار/ وتدعو لها بالليل/ ولا تصنع شيئاً آخر".

أبعاد الزمن

وثنائية الليل والنهار تستدعي محور الزمن المؤلم، بخاصة في وقع آثارها على الجسد... "التجاعيد التي ظهرت/ تبدو حديثة العهد بالزمن/ تبدو طرية وتستعد للركض". ويلعب اتساع المكان دوره في تدعيم الإحساس بالمتاهة، بخاصة مع تقدم العمر حين "نبحث عن لحن جديد/ نخرج معه إلى الخلاء/ لنعرف أين صرنا/ بلادنا واسعة ونحن نتقدم في العمر". وتتساوى في رؤية الشاعر أبعاد الزمن: الماضي الذي يتربص به والحاضر بدخانه الكثيف أمام المداخل وكوابيسه التي تحاصر الكوكب والمستقبل الذي يعد امتداداً لهذا. وفي هذه الحالة يبدو الأمل حدساً ونوعاً من الظن: "كأننا في نهار/ في أول النهار/ وكأنا في بلدنا من جديد". بينما يمثل غياب المدينة يقيناً لا تخطئه العين. كما تبدو علاقته بالمرأة ملتبسة، فهي حين "تعبر بمشيتها المحببة/ في منطقة غائمة من العمر/ تعرفه ولا تعرفه". وهو "يعرفها ولا يعرفها". وأصبح "وسط المدينة" غريباً بعد أن سقط في أيدي المخبرين وكتاب الحكايات الأكثر مبيعاً. ووسط هذه الإحباطات "ما زال هناك متسع للعناية بالأمل"، وما زال هناك يقين في الحب، حيث يكون الشاعر في أفضل حالاته مع حبيبته وفي حضنها يشم رائحة أول الخلق وهو يتكلم مثل المجاذيب. ويبدو أن التصوف – السلوكي تحديداً – مصدر أساسي في تجربة إبراهيم داوود. ففي قصيدة "الخدمة" نجده جندياً لدرويش يفيض كرماً في "الموالد". وعلاقة شاعرنا بالغناء معروفة، لهذا يتكرر هذا الدال سواء كان غناءً فردياً أو جماعياً: "ضع أحلامك البسيطة في مكان آمن/ ستحتاجها في الغناء الجماعي ذات يوم". وكما ذكرنا أنه لا يعرف الكتابة إلا وهو يمارسها، فهذا ما يصدق على العزف الذي يرتجله أيضاً: "تعزفين/ كما يقول الكتاب/ وأنا أرتجل بآلاتي القديمة جملاً حزينة/ تحمل رعشة الناي/ وأشواق الدراويش".

ظل إبراهيم داود يحفر في أعماق طريقته الشعرية المتميزة التي أخلص لها، فارتجل أغنيته الخاصة الصافية.

المزيد من ثقافة