Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنقذ استراتيجية "الرفاه العام" الاقتصاد الصيني؟

مؤسسات التصنيف الائتماني تضع سيناريوهات لتأثير تغيير السياسات على الشركات والنمو

تشهد الصين حالياً تراجعاً في النمو الاقتصادي نتيجة تبعات أزمة وباء كورونا (رويترز)

بدأت شركات التصنيف الائتماني العالمية في وضع سيناريوهات لتقدير التأثير المحتمل للاستراتجية الصينية الجديدة التي أقرتها القيادة في بكين منتصف شهر أغسطس (آب) الماضي بشأن تغييرات واسعة في السياسات الاقتصادية. ويقود الرئيس الصيني تشي جين بينغ حملة تتضمن تعديلات كبيرة في القوانين وسن لوائح وقواعد جديدة ضمن ما تسمى استراتيجية "الرفاه العام" التي تستهدف استدامة النمو الاقتصادي عن طريق الحد من فجوة التباين في توزيع الثروة وزيادة المدخول وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

ونشرت مؤسسة "موديز" للتصنيف الائتماني تقريراً موسعاً نهاية الأسبوع الماضي استعرضت فيه سيناريوهات التأثير المحتمل لتلك الاستراتيجية سواء على التصنيف الائتماني السيادي للصين أو للشركات الصينية في القطاعات المختلفة، وكذلك على النمو الاقتصادي بشكل عام وفرص اللاستثمار المحلي والأجنبي في الصين.

وخلاصة التقرير أنه على المدى القصير سيكون التأثير سلبياً بشكل عام، لكن على المدى الطويل فيتوقف الأمر على مدى فعالية التطبيق الصحيح لتلك الاستراتيجية. وفي حال التطبيق الصحيح يمكن أن يكون لها أثر إيجابي على النمو الاقتصادي والتصنيف الائتماني. لكن هناك مخاطر هائلة إذا تعثر التطبيق وطالت فترة عدم اليقين بشأن تغيير القوانين والقواعد وضبابية الرؤية بشأن الاحتمالات المستقبلية.

فجوة طبقية

تشهد الصين حالياً تراجعاً في النمو الاقتصادي نتيجة تبعات أزمة وباء كورونا، إضافة إلى وصول منحنى النمو إلى أعلى مستوياته وبداية انحداره. ومنذ طبقت الصين ثورتها الصناعية في ثمانينيات القرن الماضي على يد زعيمها دنغ زياو بنغ شهد الاقتصاد الصني طفرات نمو وصلت به إلى مرتبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لكن ذلك التطور الذي اعتمد على فتح البلاد أمام الشركات العالمية الكبرى لنقل صناعاتها إلى الصين للاستفادة من كلفة الإنتاج المنخفضة بسبب توافر العمالة الرخيصة وغيرها من الامتيازات أدت إلى خلخلة التركيبة الاجتماعية في الصين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإلى جانب الهجرات من الريف إلى الحضر، زاد الخلل في توزيع الثروة في الصين بشكل عام. مثال على ذلك يوضحه مؤشر "معامل جيني" لقياس الفجوة في الدخل في الحضر في الصين. فقد ارتفع ذلك المؤشر من 18.5 نقطة في عام 1981 بشكل مضطرد ليصل إلى مستوى 36.7 نقطة في عام 2013. ويظل المؤشر عند مستوى 36.1 منذ عام 2015 حتى عام 2019 – وهو آخر عام تتوافر بياناته بحسب الإحصاءات الصينية الرسمية.

ذلك التباين في فجوة الدخل وتراكم الثروة لا يمثل فجوة طبقية متزايدة في بلد يحكمه الحزب الشيوعي فحسب، لكن دلالاته الاقتصادية تنعكس في تراجع الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتستهدف استراتيجية القيادة الصينية الحالية تعديل هذا الوضع إلى جانب ضبط القوانين والقواعد واللوائح التي تنظم النشاط الاقتصادي في البلاد. ويتجاوز الهدف العمل على تضييق الفجوة الطبقية إلى إخضاع الشركات الخاصة الكبرى التي نمت بشكل هائل في السنوات الأخيرة لتصبح داخل إطار سيطرة الدولة. 

سناريوهات محتملة

يؤكد تقرير مؤسسة "موديز" أن استراتيجية الرفاه العام سيكون تأثيرها سلبياً في المدى القصير وستشكل خطراً ائتمانياً على الاقتصاد الصيني والشركات المصنفة. إذ يتطلب تحقيق الرفاه العام تشديد القوانين والقواعد واللوائح التنظيمية لمختلف القطاعات الاقتصادية وتحسين توزيع الثروة في المجتمع وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي خاصة للسكان ذوي الدخل المنخفض وشبه المنعدم. وفي المدى القصير يشكل ذلك مخاطر ائتمانية جمة، بسبب عدم اليقين بشأن القرارات والقوانين الاقتصادية وعدم وضوح رسائل الحكومة بشأن التغييرات المقبلة. 

ويؤدي عدم قدرة الأسواق والمستثمرين على توقع ما هو قادم من قرارات تصدر عن بكين إلى تردد المستثمرين، الأجانب والمحليين، في ضخ استثماراتهم في الاقتصاد الصيني كما يحد من زيادة الانفاق الاستهلاكي وبالتالي تراجع معدلات النمو الاقتصادي.

أما على المديين المتوسط والطويل، فيضع التقرير سيناريوهين محتملين. الأول هو أن يستمر عدم اليقين بشأن قرارات وسياسات بكين الاقتصادية لفترة أطول مع تعثر تطبيق الاستراتيجية. وسيضر ذلك بشدة بمعدلات الإنتاجية في الاقتصاد الصيني وعدم كفاءة رأس المال وبالتالي يضر بعدلات النمو الاقتصادي إجمالاً. 

يفترض السيناريو الثاني نجاح القيادة الصينية في تطبيق استراتيجية الرفاه العام وفق ما هو مخطط لها. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي وخفض معدلات الزيادة في الإدخار، وبالتالي ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي العام. كما أن توسيع القاعدة الضريبية سيوفر للدولة الصينية الموارد اللازمة لتحسين شبكة الأمان الاجتماعي والعمل على تقليل فجوة تباين الدخل وتوزيع الثروة.