Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ستتعامل أميركا مع الوضع المتوتر في السودان؟

تفضل واشنطن التريث وعدم الضغط من دون التنازل عن مبادئها في دعم الديمقراطية

في ظل الأجواء المحتقنة التي يعيشها السودان وتظاهر مئات الآلاف في الشوارع لتجديد الدعوة إلى الحكم المدني، في مقابل تظاهرات أقل حجماً تدعو إلى الحكم العسكري، بدا موقف واشنطن حذراً إلى حد بعيد. فعلى الرغم من مطالبتها أعضاء الحكومة الانتقالية الاستجابة للشعب وحل الخلافات السياسية، لم تخف عدم رغبتها في الحكم العسكري للبلاد. وقد أبقت التلويح بسلاح العقوبات خارج طاولة المفاوضات. فما أسباب ذلك؟ وما خياراتها في التعامل مع الوضع في السودان؟

أسوأ وأخطر أزمة

قد يكون وصف عبدالله حمدوك رئيس الوزراء السوداني بأن البلاد تشهد أسوأ وأخطر أزمة صحيحاً، ففي أسبوع واحد وقعت أكبر احتجاجات منذ سقوط الرئيس عمر البشير، إذ خرج مئات الآلاف من المتظاهرين للتعبير عن معارضتهم عودة الحكم العسكري إلى البلاد، وذلك بعد أيام قليلة من تظاهر مجموعات أخرى معاكسة تدعو إلى أن يتولى الجيش زمام الأمور، في وقت بدا التحالف المضطرب في مجلس السيادة الانتقالي المكون من قادة عسكريين ومدنيين في الانهيار على وقع تبادل خطير للاتهامات بين الجانبين وتحذيرات من حرب أهلية، بينما يتوقع مراقبون أن تحدد نتيجة لعبة القوة بين الجانبين مسار السودان.

حذر أميركي

غير أن الموقف الأميركي مما يجري في السودان اعتبره كثيرون حذراً إلى حد بعيد، فقد أشاد نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، بمئات الآلاف من السودانيين الذين مارسوا بشكل سلمي حقهم في حرية التجمع يوم الخميس 21 أكتوبر (تشرين الأول)، معتبراً أن التزام الشعب السوداني بالانخراط في التعبير السياسي السلمي هو رمز للأمل للمنطقة وللعالم. وطالب أعضاء الحكومة الانتقالية بأن يستجيبوا للرغبات المعلنة للشعب السوداني لإحراز تقدم في معايير الانتقال اللازمة لتحقيق الاستقرار في المرحلة الانتقالية وحل الخلافات السياسية، وترسيخ التحول الديمقراطي التاريخي في السودان.

ورحب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في تغريدة على "تويتر"، قبل نحو أسبوع، بخريطة الطريق التي وضعها رئيس الوزراء عبدالله حمدوك للحفاظ على التحول الديمقراطي في السودان، وحث جميع الأطراف على اتخاذ خطوات فورية وملموسة للوفاء بالمعايير الرئيسية للإعلان الدستوري.

غير أن جيفري فيلتمان، المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي الذي تحدث إلى حمدوك ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قبل أيام، أكد أن جميع مكونات المرحلة الانتقالية، بما في ذلك أعضاء مجلس السيادة ومجلس الوزراء وقوى الحرية والتغيير المدنية، يجب أن تتجنب سياسة حافة الهاوية والاتهامات المتبادلة، وأن تعمل بدلاً من ذلك معاً لحل أي مجالات خلافية من خلال الحوار ومن دون شروط مسبقة.

وعلى الرغم من البيان الذي أصدره عضوان في مجلس الشيوخ الأميركي، أحدهما ديمقراطي هو كريس كونز والثاني جمهوري هو جيم ريش، ودعا إلى كبح جماح القوى الخبيثة التي تسعى لتقويض التحول الديمقراطي في السودان، إلا أن جميع المسؤولين التنفيذيين في إدارة الرئيس جو بايدن امتنعوا عن التلويح بسلاح العقوبات الذي طالما لوحت به واشنطن كورقة ضغط رابحة وقت الأزمات في مناطق عدة حول العالم وفي أجواء مشابهة.

أسباب الترقب

يشير محللون سياسيون في واشنطن إلى أن رغبة الإدارة الأميركية في الانتقال إلى الحكم المدني، والتي كانت واضحة منذ زيارة السيناتور كونز للسودان، وهو شخصية مُقربة من الرئيس بايدن، لم تترجم ضغوطاً أو أدوات فاعلة على الأرض، ربما بسبب الرغبة في تجنب الاصطدام بالعسكريين الراغبين في تأجيل الانتخابات والذين يتحكمون في كثير من مفاصل الدولة السودانية. فإلى جانب القوة الواضحة للرجال المدربين تدريباً عالياً والمسلحين بالبنادق، يمارس القادة العسكريون السيطرة على المجالات الرئيسية لاقتصاد البلاد، كما يقول إريك ريفز، المتخصص في الشأن السوداني في كلية "سميث" الأميركية، في حديث إلى مجلة "فورين بوليسي".

ويدلل ريفز على كلامه بأن العديد من مناجم الذهب في السودان تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، وهي ميليشيات يقودها النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الحاكم، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي. وتمتد سيطرة الجيش إلى السياسة الخارجية، فبينما كان رئيس الوزراء حمدوك متردداً في توقيع اتفاق مع إسرائيل، كان الدعم العسكري للصفقة هو ما حسم الأمر في النهاية. ولهذا، فإن الصدام مع الجيش قد يضر بأحد أهم أهداف الولايات المتحدة.

منع المشكلات الإقليمية

وعلى الصعيد الإقليمي، يمكن للانقسام المدني العسكري أن يخلق إشارات مختلطة، إذ يُنظر إلى حمدوك، الذي أمضى جزءاً من حياته المهنية في أديس أبابا، على أنه أكثر تعاطفاً مع إثيوبيا ومشروع سد النهضة الإثيوبي، في حين أن القادة العسكريين السودانيين، على غرار حلفائهم المصريين، كانوا يعارضون مشروع سد النهضة. ويعني ذلك أن ممارسة الضغط عليهم قد يحدث خللاً إقليمياً من المرجح أن تكون له تداعيات على السياسات الأميركية الإقليمية.

وقد يعود سبب التوازن الذي تتبعه الإدارة الأميركية إلى رغبتها في منع المشكلات في المنطقة من التكاثر، خصوصاً مع دخول صراع أديس أبابا وجبهة تحرير شعب تيغراي عامه الثاني، وتصاعد التوتر والقتال بينما لا تريد واشنطن المخاطرة بعدم الاستقرار والإضرار بعمليات حفظ السلام التي اعتادت إثيوبيا أن تكون شريكاً فيها، وإذا اتسعت دائرة الفوضى في إثيوبيا فقد يكون السودان هو البديل المحتمل للقيام بعمليات حفظ السلام.

ويقول ألدن يونغ، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا المتخصص في الشؤون الأفريقية، إن هذا لا يعني أن موقف الولايات المتحدة هو تأييد الحكم العسكري المستقبلي في السودان، إذ يجب أن يؤخذ في الاعتبار سجل حقوق الإنسان للقادة الذين انتقدتهم واشنطن في الماضي.

عين على روسيا

وقد يكون أحد أهم الأسباب التي تدفع واشنطن إلى التفكير مرتين قبل اتخاذ موقف قد تندم عليه مستقبلاً هو رغبتها في ترسيخ أقدامها في السودان والانتصار على محاولات روسيا إيجاد موطئ قدم هناك. ففي أعقاب تغير السلطة في الخرطوم في أبريل (نيسان) 2019، غيرت الحكومة الروسية موقفها بسلاسة، من الدفاع عن الرئيس السابق عمر البشير ونظام حكمه إلى الدفاع عن المجلس العسكري الانتقالي في السودان، وعرقلة صدور بيان من الأمم المتحدة ينتقد قيادة البرهان بعد أن قتلت قوات الدعم السريع المتحالفة مع المجلس العسكري أكثر من 120 متظاهراً في الخرطوم يوم 3 يونيو (حزيران).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأيدت وزارة الخارجية الروسية بحماسة اتفاق تقاسم السلطة بين الجيش السوداني والمعارضة. ومنذ هذا الاتفاق، نفذت روسيا استراتيجية ارتباط ذات مسارين مع الخرطوم. ما يسمح لها بالحفاظ على علاقات إيجابية مع المؤسسة العسكرية السودانية ومع صناع السياسة المدنيين، الذين يركزون بشكل متزايد على التنمية الاقتصادية.

وعلى الرغم من أن السودان يخوض معركة انتقال إلى الحكم المدني، مع الانتخابات المقبلة، لا تزال روسيا تنظر إلى الجيش السوداني باعتباره صانع الملوك الذي يضمن استقرار البلاد على المدى الطويل، حتى أن الأوساط الأكاديمية الروسية تعتبر أن الفترة الانتقالية الفاشلة بين عامي 1985- 1989 على أنها دليل على عدم الاستقرار الجوهري للحكم المدني في السودان. وهناك مخاوف من أن السودان سيستسلم لتحالف غير مستقر بين الجماعات القبلية والصوفية في السودان ويدعمه الجيش. وتأمل موسكو في تعزيز علاقاتها مع الجيش السوداني لضمان قدرتها على التنافس مع الولايات المتحدة والصين من أجل التأثير الجيوسياسي طويل المدى.

استثمارات ضخمة

ومنذ إزاحة نظام البشير، استثمرت الولايات المتحدة كثيراً من الجهد السياسي والمال والمساعدات من أجل تسهيل وجودها في السودان. فهي الآن الداعم الأكبر للسودان في ما يخص المساعدات الإنسانية، إذ قدمت 377 مليون دولار من بداية العام المالي الحالي. وفي أغسطس (آب) 2021، زارت سامنثا باور مديرة الوكالة الأميركية للمساعدات الدولية الخرطوم وأعلنت عن تقديم 56 مليون دولار كمساعدات إضافية للسودان لمواجهة عدم الأمن الغذائي والأزمة الاقتصادية والجفاف والفيضانات، خصوصاً أن 13.4 مليون سوداني في حاجة شديدة إلى المساعدات الإنسانية من بين 45 مليون سوداني هم عدد سكان البلاد.

علاوة على ذلك، وصلت خلال الأيام القليلة الماضية إلى السودان شحنة من لقاحات "كوفيد-19" المصنعة في الولايات المتحدة كواحدة من المساعدات الطبية العاجلة، وهو ما يسهم في قبول أوسع للولايات المتحدة في السودان.

دعم سياسي أميركي

ولا تخفي الولايات المتحدة سعادتها بالإنجاز السياسي الذي حققته مع السودان، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2019، أعلنت واشنطن والخرطوم عزمهما على تبادل السفراء، وقدم سفير السودان في الولايات المتحدة أوراق اعتماده في سبتمبر (أيلول) 2020. وقد اتخذ المجلس السيادي العديد من الخطوات لتعزيز حقوق الإنسان، وفق موقع وزارة الخارجية الأميركية. ما أدى إلى رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للبلدان ذات الاهتمام الخاص في انتهاك حرية الأديان، في ديسمبر 2020.

وفي 14 ديسمبر 2020، رُفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهو ما يمثل تغييراً جوهرياً في العلاقة بين الولايات المتحدة والسودان ويسمح للولايات المتحدة بتقديم دعم أقوى للانتقال الديمقراطي في السودان. وهو ما حدث مع تصويت الكونغرس الأميركي على تشريع لدعم التحول الديمقراطي في السودان. في وقت سابق من العام الحالي شكلت واشنطن تحالفاً دولياً باسم "أصدقاء السودان".

لا حاجة للضغط

وفي ظل هذا الاهتمام الأميركي الواسع بالتطورات في السودان تجد إدارة بايدن نفسها أمام وضع أكثر تعقيداً مما كان عليه في البداية. ولهذا تزن مواقفها بميزان حساس يسمح لها بالإلتزام بمبادئها لدعم الديمقراطية، ولكن من دون أن يصل الأمر إلى التهديد والوعيد للطرف الآخر من المعادلة، على الرغم من الاتهامات التي تُوجه إلى العسكريين في السودان من سيطرة وفساد وتهميش المدنيين، إذ لا توجد حاجة لممارسة ضغوط على العسكريين، بحسب ما يقول بعض المتخصصين.

ويرى ثيودور مورفي، مدير برنامج أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إنه من الناحية النظرية، يمكن للجيش السوداني أن يتولى السلطة الآن من دون مواجهة أي مقاومة مسلحة كبيرة، لكن ما يمنع هذا السيناريو حتى الآن، هو يقين العسكريين أنهم سيواجهون مقاومة هائلة ستأتي من المحتجين الذين تظاهروا في السابق ضد نظام البشير، ثم تأتي ضغوط المجتمع الدولي الذي أعلن أن الإعفاء من الديون والمساعدات الدولية للسودان يتوقفان على الانتقال إلى الديمقراطية.

تنظيم العلاقة

وفي حين تتريث الولايات المتحدة وتحاول ضبط الأمور من خلال الجهود الدبلوماسية، يرى أليكساندر دي وال، الأستاذ في جامعة "تافتس" الأميركية، أنه من غير المحتمل أن يكون هناك ما يمكن وصفه بانقلاب في السودان، لأنه على الرغم من أن انتقال سوداني سابق انتهى بانقلاب عسكري، إلا أن الجيش يدرك هذه المرة أنه لا يستطيع فعل ذلك، لأن نتيجة هذا الفعل هي نزع الشرعية عن قادة الجيش، ولكن الأرجح أن يكون هناك تنظيم للعلاقة بين الكتلتين المدنية والعسكرية.

وفي حين قد تكون هناك أوجه كثيرة لتنظيم العلاقة، إلا أن ذلك قد يتخذ شكلاً يتمثل في حل قوى الحرية والتغيير المدنية، مع احتمال استبدالها بفصائل مدنية أخرى أكثر قرباً من الجيش، مع الإبقاء على رئيس الوزراء التكنوقراطي حمدوك في منصبه، لكن قادة الجيش سيمسكون بزمام الأمور في الوضع الجديد.

المزيد من تقارير