Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما عاد شرلوك هولمز للواجهة في الذكرى الـ150 لولادة مبدعه

دويل: الأديب الغاضب يفشل في قتل أشهر تحرٍّ في التاريخ

مشهد من فيلم "شرلوك هولمز" (2009) لغاي ريتشي (موقع الفيلم)

ربما تكون "عودة" شرلوك هولمز عام 2009 إلى الشاشة الكبيرة، في فيلم مغامرات جديد بالكاد كانت له علاقة بما هو معهود عن شخصيته الأدبية، واحدة من أبرز "العودات" التي شغلت الصحافة والجمهور في عروض أعياد الميلاد لذلك العام، وذلك حين حقق الإنجليزي غاي ريتشي عنه فيلماً بدا فيه على أية حال أشبه بـ"زورو" المكسيكي، منه بالتحري اللندني الشهير.

احتفال مستحق

ومهما كان من أمر بإمكاننا القول اليوم إن عودة هولمز أتت حينها لتشكل تحية ما، إلى ذكرى الكاتب آرثر كونان دويل (1859 – 1930) مبدع الشخصية، الذي كان عالم الأدب قد احتفل قبل ذلك بشهور قليلة بالذكرى الـ150 لولادته. والملاحظ هنا أن الاحتفال بمولد خالق شخصية شرلوك هولمز كان أقل بكثير من صخب الاحتفال، قبل أكثر من عشرين عاماً (عام 1987) بالذكرى المئوية لولادة الشخصية نفسها. فهل كانت هذه جولة جديدة في الصراع الذي احتدم بين كونان دويل وبطل رواياته؟ يمكننا أن نقول نعم، بل يمكننا أيضاً أن نؤكد أن هولمز انتصر على مبدعه، حتى في عام ذكرى هذا الأخير. ولعلنا نقول أيضاً إن في هذا كله ظلماً للكاتب، الذي حتى وإن كان اشتهر بالحكايات البوليسية التي جعل هولمز، وصديقه الطبيب واطسون، بطليها، فإنه أنتج طوال حياته أعمالاً كثيرة أخرى، نصوصاً تتخطى كثيراً اعتباره مجرد كاتب روايات بوليسية.

شاب يتأبط مخطوطه

بذات الحكاية كلها، إذاً، عند بداية 1887، حين كان دويل في الثامنة والعشرين من عمره. يومها، وبعد أن طوف ذلك الكاتب الشاب، على عدد كبير من دور الصحف والنشر متأبطاً مخطوط روايته "دراسة باللون الأرجواني" من دون أن يلقى من يقبل بنشرها، عثر على دار نشر صغيرة قررت أن تقدم على المغامرة، فصدرت الرواية ليتراكض القراء لشرائها بحيث إن الطبعة الأولى نفدت خلال أيام قليلة. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف دويل عن الكتابة، ولم يتوقف تحريه الشهير عن العمل، مستخدماً عقله وأسلوب الاستنباط للوصول إلى حل لأكثر الألغاز البوليسية والإجرامية غموضاً. ولقد سجل التاريخ في ذلك اليوم الشهير، انعطافة في مسيرة فن كتابة الرواية البوليسية إذ صارت هذه الرواية، مع آرثر كونان دويل، نصاً يشيع ذكاء وحنكة، بعد أن كان العماد الأول للقصص البوليسية شيئاً من العنف مع شيء من الصدفة مع كثير من الدماء... وشيء من الدهاء، بعد ذلك مع دويل صار العقل سيداً للموقف، والمنطق السبيل الأسهل والأضمن للوصول إلى الحلول. وإذ نقول هذا، نعود مع القارئ بذاكرتنا، إلى تلك الجلسات الممتعة التي كان يجلسها شرلوك هولمز مع صديقه الدكتور واطسون، فيصبح الكلام فيها سيداً، وتروح الحلول تطلع تدريجياً، تماماً على الشاكلة التي كان يولد بها سقراط أفكاره وآراءه وحلوله توليداً من قلب بعضها بعضاً. مع دويل وشرلوك هولمز صارت الرواية البوليسية امتحاناً للعقل، ولعبة يتجابه فيها القارئ والتحري، والمجرم، للوصول إلى الحل بالنسبة إلى الأولين، ولتعمية كل الدلائل بالنسبة إلى الأخير.

منطق العقل سيد اللعبة

هذا الأسلوب المنطقي والاعتماد على العقل كانا في الواقع أمرين طبيعيين من لدن كاتب كان تكوينه الأساسي تكويناً طبياً. إذ إننا نعلم جميعنا اليوم أن دويل قبل أن يخوض كتابة الرواية البوليسية درس الطب ومارسه. وتقول لنا سيرته إنه ولد في إدنبره باسكتلندا لأسرة كاثوليكية، نورماندية الأصل، وبدأ دراساته لدى اليسوعيين، وحصل من جامعة إدنبره على شهادة الدكتوراه في الطب، وكان أول ما فعله بعد ذلك أن اشتغل طبيباً على سفينة كانت تجول حول الشواطئ الجنوبية لأفريقيا. وهو كطبيب أيضاً شارك في حروب السودان والبوير كما في الحرب العالمية الأولى، وألقى محاضرات طبية في العالم أجمع.

بداية كبار التحريين

وفي الوقت الذي كان صاحبنا لا يزال يمارس الطب، شرع بكتابة الروايات والقصص البوليسية، فكانت روايته الأولى "دراسة باللون الأرجواني"... ولقد حثه النجاح الكبير الذي حققته تلك الرواية -على الرغم من أنها لم تكسبه شخصياً سوى خمسة وعشرين جنيهاً استرلينياً- على التخلي عن الطب تدريجياً بعد ذلك للانصراف إلى الكتابة، ونشر الروايات تباعاً. وكان أهم ما كتبه سلسلة روايات "مغامرات شرلوك هولمز" التي اشتهرت في العالم وترجمت إلى عشرات اللغات، واقتبست مرات عديدة للسينما، وللمسرح، وكانت البداية الحقيقية لسلسلة روايات التحريين الكبار ("هوكول بوارو" لدى أغاثا كريستي، و"ميغري" لدى جورج سيمنون بين آخرين). ونذكر هنا أن القسم الأكثر من روايات شرلوك هولمز البوليسية قد ترجم إلى العربية أكثر من مرة. وإذا كان ليس ثمة مجال هنا لذكر كل روايات كونان دويل التي يقوم شرلوك هولمز ببطولتها، فلا بأس من ذكر رواية "كلب باسكرفيل" ورواية "علامة الأربعة" لأنهما كانتا وتبقيان الروايتين الأكثر شهرة بين الأعمال التي كتبها دويل.

الوصول إلى قرطاجة

ولكن إذا كان دويل قد حقق نجاحاً كبيراً برواياته عن شرلوك هولمز، فإنه كتب أيضاً، على مدى أربعين عاماً تشكل عمره الأدبي، عدداً كبيراً من الكتب الأخرى، التي لم تكن بالضرورة كتباً بوليسية. فهو خاض في مجال الرواية التاريخية على طريقة الكاتب والتر سكوت، فكتب "ميكا كلارك" (1889) و"الفرقة البيضاء" (1890) و"مآثر المايجور جيرار" (1896). وهو كان كذلك من رواد روايات الخيال – العلمي بروايته "العالم المفقود" التي ترجمت إلى عشرات اللغات ونقلت إلى شاشة السينما أكثر من مرة. ومن ناحية أخرى، عبر آرثر كونان دويل عن ولائة للإمبراطورية البريطانية عبر عدة كتب نزع فيها إلى تمجيد بعض الحروب الكبيرة التي خاضها جيشها، فوضع كتاباً، مثلاً، عن "حرب البوير" (1900)، وكتاباً آخر بعنوان "الحرب في جنوب أفريقيا" (1902). كما وضع كتاباً عن السحر والشعوذة حاول أن يضفي عليه طابعاً روحياً فسماه "تاريخ النزعة الروحية" (1926) وكان واحداً من آخر الكتب التي وضعها، إلى جانب "دفاتر شرلوك هولمز" (1927) وله كذلك قصة طويلة تدور أحداثها في قرطاجة أيام مملكتها المزدهرة وحروبها البحرية مع روما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صراع مع اللندني المغرور

وعلى الرغم من أن آرثر كونان دويل لم يحقق في كتبه الأخرى نجاحاً يضاهي ولو جزءاً من النجاح الذي حققه مع روايات شرلوك هولمز، فإنه لم يكف لحظة عن إبداء سأمه من مواصلة كتابة النصوص حول مغامرات "التحري اللندني المغرور" كما كان يسميه، وهذا ما جعله يحاول في عام 1893 التخلص من بطله في رواية "المعضلة الأخيرة" بجعله يسقط مع البروفيسور الرهيب موريارتي في شلالات ميريغن في سويسرا. لكن القراء لم يسكتوا أمام هذه الجريمة التي اقترفها -في نظرهم- آرثر كونان دويل ضد تحريهم الحاذق، فاحتجوا وكتبوا مئات الرسائل الغاضبة. وإذا كان دويل قد صمد أمام ذلك الاحتجاج سنوات طويلة، فإنه اضطر في النهاية إلى الخضوع، ووضع رواية جديدة حملت عنوان "عودة شرلوك هولمز" يعود فيها البطل إلى سابق عهده بعد أن شرح واقع أنه لم يمت خلال سقوطه في الشلالات. ومنذ تلك العودة المظفرة، تابع دويل كتابة الروايات الهولمزية من دون هوادة، وقد أدرك أن الشخصية التي ابتكرها قد صارت جزءاً من حياة ذهنية لمئات الألوف من القراء.

واحد مات وواحد عاش

والحال أن دويل لم يخطئ في اعتقاده هذا. فاليوم، لا تزال شخصية شرلوك هولمز حية أكثر مما في أي وقت آخر. وتأتي الاحتفالات الدورية التي تقام حيناً في لندن وفي سويسرا أو في أستراليا أو في نيويورك لتؤكد حضور الرجل، الذي لا يزال الناس يكتبون له عشرات الرسائل في كل أسبوع يرسلونها إلى عنوانه الوهمي في "221 ب – شارع بايكر" في لندن. وهذه الرسائل لا ترسل إلى فراغ، بل إنها تصل إلى لجنة خاصة عينت سكرتيرة تتولى الرد على الرسائل رسالة رسالة، مجيبة عن كل الأسئلة المتعلقة بالبطل الغالي، وعن كل الاستفسارات حوله وحول مبدعه الراحل. ودائماً ما أظهر المعجبون بشرلوك هولمز قوة حضورهم، عبر ندوات ولقاءات ومهرجانات ستتوج كلها بالزيارة التي اعتاد القيام بها عشرات منهم إلى سويسرا. وهناك، ربما لا يفاجأون -لأنهم يعرفون ذلك سلفاً- بأن تاكسيات لندنية المظهر تنتظرهم أمام محطة القطار في مدينة ميرنغن. وأن تلك التاكسيات تقودهم إلى حانة تسمى "حانة شرلوك هولمز" ومنها إلى فندق يسمى "فندق شرلوك هولمز" أقامه في المنطقة رجل يدعى هانز تويني، يعتبره الناس هناك من كبار الاختصاصيين بحياة شرلوك هولمز ومغامراته.

المزيد من ثقافة