Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ستواجه تونس ارتفاع أسعار النفط؟

مسؤول في وزارة الصناعة والطاقة يكشف أن قرار رفع ثمن المحروقات بات سياسيا وليس تقنيا

الحكومة التونسية أخطأت التقدير بشأن الفرضيات التي بنت عليها موازنة العام الحالي (أ ف ب)

بدأ الاقتصاد العالمي يشهد انتعاشة ملحوظة في عدد من المناطق وأهمها منطقة جنوب شرقي آسيا وتحديداً الصين، والاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية، مما زاد الإقبال على المحروقات إلى درجة ارتفاع سعر البرميل إلى حوالى 80 دولاراً في الأسابيع الأخيرة، وسط توقعات بأن يصل في الأشهر المقبلة إلى مستوى 90 دولاراً.

بالتوازي مع هذه الطفرة الاقتصادية الدولية، "يرتعش" المسؤولون في تونس خوفاً من تواصل ارتفاع سعر البرميل، ما سيضاعف من مشاكل البلاد المالية، في هذا الظرف العصيب الذي تمر به، بخاصة الضغط على الموازنة العامة المطالبة بتوفير أجور شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) المقبلين.

ويجمع المتخصصون في شأن الطاقة بتونس والمحللون الاقتصاديون على أن الحكومة السابقة بقيادة هشام المشيشي أخطأت التقدير بشأن الفرضيات التي بنت عليها موازنة العام الحالي.

وأعدت حكومة المشيشي الموازنة في ذروة انتشار جائحة كورونا في البلاد والعالم، على أساس 45 دولاراً للبرميل وسعر صرف الدينار مقابل الدولار بـ2.8 دينار.

ثغرة كبيرة

وفق تقارير المتخصصين، لم تأخذ الحكومة السابقة في الاعتبار استعادة الاقتصاد العالمي لنسقه عام 2021، ما سيرفع أسعار برميل النفط في الأسواق الدولية. ومع ارتفاعه فعلاً، إلى أكثر من 84 دولاراً، برزت ثغرة في موازنة الدعم ستزيد من إرهاقها.

واعتبر عز الدين سعيدان، المحلل الاقتصادي، أن السعر العالمي للبترول سيصل في نهاية العام الحالي إلى مستوى 90 دولاراً للبرميل، موضحاً أن هذا الارتفاع سيكون له انعكاس كبير على موازنة الدولة والمستهلك التونسي والشركات التي تنشد الانتعاشة.

وأوضح أن كل ارتفاع بدولار واحد في برميل النفط يرافقه ارتفاع بحوالى 46.4 مليون دولار إضافية على موازنة الدولة، مشيراً إلى ثغرة ستكلف موازنة البلاد (18.7 مليار دولار) زيادة إضافية بأكثر من مليار دولار واحد.

وشدد سعيدان على أن مستوى الدعم في موازنة الدولة التونسية لعام 2022 سيكون مرتفعاً بشكل لافت، وقد يتضاعف مقارنة بالعام الحالي إذا تواصل النسق التصاعدي لأسعار المحروقات في العالم، مشيراً إلى أن ذلك سينعكس بشكل مباشر على أسعار بيع المحروقات للمستهلك.

يشار إلى أن صندوق النقد الدولي ما انفك يطالب الحكومات التونسية المتعاقبة بإصلاح منظومة الدعم، ومن ضمنها المحروقات، من خلال المراجعة المستمرة للأسعار إلى حين اعتماد الأسعار الحقيقية. وهي مسألة تعهدت بها حكومة المشيشي في رسالة النوايا التي أرسلتها إلى الصندوق في مايو (أيار) 2021.

وقال سعيدان، إن مراجعة أسعار المحروقات أصبحت ضرورة قصوى، بخاصة في ظل الارتفاع الكبير لسعر برميل النفط.

ولفت إلى أنه عند مراجعة أسعار المحروقات بتطبيق نسبة سقف بـ5 في المئة على زيادة سعر البرميل منذ آخر تعديل، فإن المبلغ سيكون كبيراً جداً في حين أن الوضع الاجتماعي حساس في هذه الفترة.

رفع ثم توقف

وكانت وزارة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية رفعت في أسعار المحروقات منذ بداية العام الحالي في ثلاث مناسبات، في فبراير (شباط) ومارس (آذار) وأبريل (نيسان)، في إطار آلية تعديل أسعار المحروقات، إلى 5 في المئة من سعر البيع الجاري العمل به منذ آخر تعديل، وذلك بالترفيع أو التخفيض.

وعلى امتداد ستة أشهر، لم تقم وزارة الصناعة والطاقة والمناجم بتعديل أسعار المحروقات، على الرغم من أن آلية التعديل تفترض إجراء حصوله شهرياً، سواء بالزيادة أو النقصان.

لكن يبدو أن الظرف السياسي والاجتماعي في البلاد فرض على المسؤولين إقرار هدنة "طاقية" للتخفيف من حدة الاحتقان الاجتماعي ومنح المؤسسات متنفساً لتلتقط أنفاسها، مقابل القبول بضغوط إضافية على موازنة الدعم.

تكرر الأخطاء والتقديرات

وقال فتحي النوري، أستاذ الاقتصاد والمتخصص في الشؤون الطاقية، إن تجاوز سعر برميل النفط 80 دولاراً كان متوقعاً، بخاصة بعد جائحة "كوفيد-19"، مشيراً إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تخطئ فيها تونس في تقدير أسعار برميل النفط في مشاريع قوانين المالية.

وأكد أن المسؤولين الذين يقومون بإعداد التوقعات لا يعرفون سوق النفط جيداً، ولا يعتمدون على مسائل اليقظة الاستراتيجية وقراءة التوجهات العالمية، لا سيما الاستعداد لمرحلة ما بعد كورونا.

وقال مستغرباً إن "هناك طرقاً علمية لاحتساب التوقعات العالمية لأسعار برميل النفط. والمقلق أن الخطأ متواصل سنوياً في تونس، بخاصة أن الفارق بين السعر الحقيقي والتوقعات يصل إلى 10 و15 دولاراً، وهو ما يجعل الحكومات تلتجئ إلى قانون مالية تكميلي سنوي".

تحسن نسبي للمؤشرات الطاقية

تحسنت الاستقلالية الطاقية لتونس خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2021، لتبلغ 53 في المئة إلى أواخر أغسطس (آب)، مقابل 43 في المئة في الفترة نفسها من 2020، وفق التقرير الشهري للوضع الطاقي الذي تصدره وزارة الصناعة والطاقة والمناجم.

وارتفعت الموارد الوطنية من الطاقة الأولية (الإنتاج والإتاوة من الغاز الجزائري) بنسبة 33 في المئة خلال الثمانية أشهر الأولى من 2021، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020، إذ بلغت 3.4 مليون طن مكافئ نفط مقابل 2.6 مليون طن مكافئ نفط في الفترة نفسها من العام الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأرجعت الوزارة هذا التطور إلى ارتفاع الإنتاج الوطني من المحروقات، إثر دخول امتياز استغلال حقل المنزل حيز الإنتاج في يناير (كانون الثاني) 2020، والارتفاع التدريجي لإنتاج حقل نوارة، إلى جانب ارتفاع الإتاوة على الغاز الجزائري العابر للأراضي التونسية.

كما سجل الطلب الإجمالي على الطاقة الأولية ارتفاعاً بنسبة 7 في المئة إلى نهاية أغسطس 2021، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020، وبلغ 6.5 مليون طن مكافئ نفط. ويعود ذلك إلى العودة التدريجية للنسق العادي للاستهلاك بعد جائحة كورونا.

وعلى ضوء هذه المؤشرات، سجل عجز الميزان الطاقي انخفاضاً بنسبة 13 في المئة خلال الثمانية أشهر الأولى من العام الحالي، ليسجل 3 ملايين طن مكافئ نفط، مقابل 3.5 مليون طن مكافئ نفط في الفترة نفسها من العام الماضي.

وأبرز تقرير الوضع الطاقي في تونس، تقلص عجز الميزان التجاري الطاقي بنسبة 9 في المئة خلال الثمانية أشهر الأولى من 2021، مقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2020، إذ مر العجز من قيمة 1223.5 مليون دولار خلال الأشهر الثماني الأولى من 2020 إلى 1119.6 مليون دولار في 2021.

القرار سياسي وليس تقنياً

أكد رشيد بن دالي، المدير العام للطاقة في وزارة الصناعة والطاقة والمناجم، أن قرار رفع أسعار المحروقات أصبح سياسياً حكومياً وليس تقنياً.

ولفت في تصريح لـ"اندبندنت عربية" إلى أن اللجنة الفنية للتعديل الآلي لأسعار المحروقات تجتمع شهرياً لتقييم الوضع وتقر جملة من التوصيات، لكن القرار الأخير يعود إلى القرار المشترك لوزيري المالية والصناعة.

وأضاف أنه في ظل غياب رئيس حكومة في الشهرين الأخيرين وتعيين وزيرين مؤقتين في المالية والصناعة والطاقة، فإنه لم يكن بالإمكان إجراء التعديل في ضوء ارتفاع أسعار برميل النفط.

وكشف أن اللجنة الفنية أقرت صراحة إجراء تعديل على أسعار المحروقات في تونس بنحو 100 مليم عن كل ليتر بنزين أو "غازوال"، في ظل تدهور موازنة الدعم التي ما انفكت تسجل خسارة بقيمة تتراوح بين 892.8 مليون دولار و1142.8 مليون دولار في الأشهر الأخيرة.

وخلص وليد بن صالح، رئيس هيئة الخبراء المحاسبين والمختص في شؤون الموازنة، إلى ضرورة حسن الإعداد لمشروع موازنة الدولة لعام 2022، بالأخذ في الاعتبار المتغيرات المستقبلية المحتملة لأسعار النفط والغاز على الصعيد الدولي، معتبراً ذلك فرضية أساسية ومهمة لتفادي الوقوع في الأخطاء السابقة نفسها.