Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الدعم العشوائي" كلف الجزائر 17 مليار دولار في 2020

تسعى الحكومة إلى إصلاح سياساتها من دون المساس بجوهرها الاجتماعي

رئيس الوزراء الجزائري أيمن بن عبد الرحمن (أ ف ب)

تتجه الجزائر إلى إصلاح نظام الدعم من دون المساس بجوهر السياسة الاجتماعية المعتمدة منذ الاستقلال عام 1962، بعدما أصبح يستهلك مليارات الدولار من دون تحقيق أهدافه في رفع الغبن عن الطبقة الهشة، بل باتت فئات ميسورة الحال تستفيد بشكل لافت.

تخفيف عبء اقتصادي

وأكد الرئيس عبدالمجيد تبون بأنه سيتم اتخاذ إجراءات "تحصن القدرة الشرائية للمواطن ولا تؤثر في خزينة الدولة"، في إشارة إلى خطة ستعرض على البرلمان لمناقشتها وتعديلها في الأسابيع المقبلة، تستهدف نظام الدعم الاجتماعي الذي كلف الحكومة 17 مليار دولار العام الماضي.

وبين من اعتبر الخطوة بـ "ثورة" على نظام الدعم الاجتماعي، ومن وصفها بـ"الخطوة الجريئة" التي تضع حداً للإسراف المالي، ومن أبدى تخوفات من تأثر القدرة الشرائية، أجمع الشارع على أن عدم تحقيق العدالة بين الجزائريين يجعل من إعادة النظر في سياسة الدعم أمراً ضرورياً بعد أن تحولت إلى عبء اقتصادي، ببلوغ قيمة التحويلات الاجتماعية 9.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، و23.78 في المئة من ميزانية البلاد.

4 نقاط

وحددت الحكومة أربع نقاط للوصول إلى دعم عادل شعبياً وغير مكلف اقتصادياً، أولها إعداد "سجل وطني موحد" من أجل الاستهداف الأمثل للدعم الموجه للفئات الفقيرة، ثم "مراجعة شبكة الأجور" الخاصة بالعاملين والموظفين في القطاع الحكومي، حيث أبرز رئيس الوزراء الجزائري أيمن بن عبد الرحمن، بأن حكومته أخذت مسألة تثمين الأجور بالجدية المطلوبة وسجلتها كمحور هام في برنامجها، وستعالجها وفق مقاربة تشاركية شاملة، ضمن عملية إصلاح واسعة لمنظومة الوظيفة العامة.

وأشار الجهاز التنفيذي، في الخطوة الثالثة، إلى إعداد قانون جديد لمحاربة المضاربة، التي أدت إلى ارتفاع قياسي في أسعار مختلف المواد الاستهلاكية، بينما تتحدث الرابعة عن تخفيف الضرائب على الموظفين ورفع الأجور بصفة منظمة تتقبلها ميزانية الدولة.

خطوة لازمة وربما متأخرة

وفي السياق، يرى الباحث الأكاديمي في إدارة الأعمال، أنور سكيو، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن سياسة الدعم الاجتماعي التي تعتبر في جوهرها تقليداً مقدساً في الجزائر هي غطاء واقٍ لأساسيات العيش الكريم، لكن المراقب للنمط المتبع في إدارة هذه السياسة بحسب التسلسل الزمني السليم للأحداث، يستطيع تحديد مواطن الضعف فيها على الرغم من مميزاتها من عدالة اجتماعية والاستجابة لمعايير الكفاءة الاقتصادية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال إنه "نتحدث عن 20 في المئة من الطبقة الغنية التي تستهلك ستة أضعاف منتجات الوقود المدعمة، 61 في المئة من الكهرباء، 58 في المئة من المياه، 18 في المئة من المنتجات الغذائية من حبوب وحليب وزيت وسكر، ناهيك عما تسببه من إنهاك وضغوط على ميزانية الدولة وميزان المدفوعات".

ويواصل سكيو، أن التوجه الجديد للحكومة لإصلاح نظام الدعم في ميزانية 2022، خطوة لازمة وربما أتت متأخرة. "ففي تقديري أن دعم الاستهلاك النهائي على حساب الإنتاج يغفل في مضمونه مسار ونتيجة استهلاك الخدمات والمنتجات المستهلكة"، مضيفاً أن الناتج المحلي الخام الذي تستنزف سياسة الدعم نحو 10 في المئة منه، يخلق نوعاً ما عدم استقرار في المؤسسات العامة وحتى الخاصة في سيناريوهات معينة. 

وأبدى تحفظه على الآليات التي ستطبق في هذا الصدد لعدم نجاعة المحاولات السابقة، موضحاً أنه يجدر بالقطاع الخاص أن يشارك في ضمان ديمومة نظام الدعم مع سلم امتيازات تفاعلي بهذا الصدد. 

وختم "لا أعتقد أن الجزائر ستتخلى عن تقاليدها، بخاصة مع قادم التحديات التي خلفتها أزمة كورونا، وكذلك ما تعيشه منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط من اضطرابات اجتماعية واقتصادية".

حماية 2.2 مليون شخص 

وبغية توسيع دائرة الاهتمام بالمواطن، أكد رئيس الوزراء أن الدولة، وعلى رأسها تبون، تضع المواطنين وتطلعاتهم في قلب سياساتها، مشيراً إلى أنه "تمّ للمرة الأولى في الجزائر، بموجب دستور 2020، تكريس حقوق المواطنين في تقديم ملتمسات وإلزام الإدارة بالرد عليها". 

وكشف أن الحكومة تعكف على وضع الآليات العملية من خلال تنصيب خلايا استقبال للمواطنين على مستوى كافة الهيئات والإدارات العامة، مضيفاً أنه "يتم حالياً في إطار لجنة وزارية مشتركة، التحضير لإطلاق منصة رقمية وطنية موحدة لإيداع شكاوى وتظلمات للمواطنين، تسمح لهم بتتبع مسارها ومعالجتها، كما تلزم جميع الهيئات بالبتّ فيها".

وأمام البيانات الرسمية التي تشير إلى أن هناك نحو 2.2 مليون شخص يصنفون ضمن الفئات المحتاجة، ينبغي رفع الدعم تدريجاً لتجنب إثقال كاهل المواطن، الذي يعاني من دفع ثمن تراجع الإيرادات من جيبه على الرغم من محدودية دخله، على اعتبار أن تحرير الأسعار ورفع الدعم يؤديان لا محالة إلى تآكل أجور الطبقة المتوسطة بنسبة 20 في المئة، مقابل نحو 1 في المئة فقط لأصحاب الدخل المرتفع.

تراجع أم مراجعة؟

إلى ذلك، يعتبر أستاذ الاقتصاد، أحمد الحيدوسي، في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن إصلاح نظام الدعم المقرر في ميزانية 2022، ليس تراجعاً عن التوجهات الاجتماعية وإنما مراجعة، فالطابع الاجتماعي للدولة مكسب شعبي مكرس قانونياً ويتمثل في الرعاية الصحية والتعليم المجاني وحتى الحق في السكن.

وقال إن الذي يجب أن يُراجع وتهدف إليه الحكومة هو سياسة الدعم الاجتماعي العشوائي، لأن الفاتورة وصلت إلى مستويات قياسية بمقدار 17 مليار دولار بطريقة مباشرة، وإلى 24 مليار بطريقة غير مباشرة.

ويتابع الحيدوسي أنه "بعد التوجه الاقتصادي الذي انتهجته الحكومة في بداية تسعينيات القرن الماضي والقائم على اقتصاد السوق، ظهر رجال أعمال وأثرياء جدد وطبقات اجتماعية لها مداخيل معتبرة لكنها ما زالت تستفيد من سياسة الدعم الاجتماعي، مبرزاً أن الدراسات تشير إلى أنه عندما يستفيد الفقير من دينار واحد يستفيد الأثرياء من 13 ديناراً لأنهم أكثر استهلاكاً. فالثري هو الذي يشتري السيارة الفاخرة المستوردة بالعملة الصعبة المدعمة، وهو الذي يلبس الملابس المستوردة وهو الذي يستهلك أكثر المواد الغذائية المدعمة. وهذا لا يحقق العدالة الاجتماعية التي ينص عليها الدستور، ما يجعل من الضروري مراجعة سياسة الدعم الاجتماعي العشوائي من أجل تحقيقها".