Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر عبد المقصود عبد الكريم يقف على خرائب العالم

انتمى إلى جماعة "أصوات" في قاهرة السبعينيات وتميز بنزعته الذاتية

لوحة للرسام أسعد فرزات (صفحة الرسام على فيسبوك)

ينتمي الشاعر عبد المقصود عبد الكريم إلى ما يعرف بجيل السبعينيات المصري، وكان أحد أهم الأصوات الشعرية في جماعة "أصوات" التي ضمت الشعراء: عبد المنعم رمضان، وأحمد طه، ومحمد عيد إبراهيم، ومحمد سليمان. وتمايزت هذه الجماعة عن جماعة "إضاءة" التي تزامنت معها وضمت حلمي سالم، وجمال القصاص، وأمجد ريان وغيرهم. لكن توضيح هذا التمايز ليس مجاله هذه المقالة التي تدور حول أحدث دواوين عبد المقصود عبد الكريم "كما لم تكن قط" (دار آفاق). ويعد الزمن التيمة الرئيسة في هذا الديوان أو المدخل الأساسي الذي نستطيع أن نفسر– من خلاله – العديد من ظواهره. فقد تكرر دال "العجوز" سواء كان صفة للشاعر أو لأحد عناصر الطبيعة، تكراراً لافتاً. وليس غريباً أن يشترك الشاعر والطبيعة من حوله في هذه الصفة، فهو يربط دائماً بينه وبين عناصرها المختلفة حتى تبدو وكأنها أم له... "في الصباح قابلتُ الجميزة العجوز/ تلك التي كانت صبية في طفولتي/ تضمني إليها وتطعمني من ثمارها مثل أم طبيعية".

ومن الواضح أن الشاعر يعتمد ما يمكن أن نسميه "أنسنة" الطبيعة. فالجميزة رفيقة الشاعر في مراحل عمره تضمه في صباها وتطعمه مثل أم له وتشاركه في العطاء حين تثمر. بينما يثمر هو قصائد: "صباح الخير أيتها الجميزة الطيبة/ تثمرين جميزاً وأثمر قصائد/ تجمعين ثمارك طول العام/ وأجمع ثماري/ لنرى في النهاية من منا ثمره أطيب".

السباق مع الزمن

من أجل كل هذا يمتنع عن السباق معها لأنه سوف يحزن لهزيمتها ولن يفرح بانتصاره وفي النهاية يقبل – ببلاهة شديدة – السباق مع الأيام التي يعرف "أنها فائزة بالضرورة". الزمن – لا الطبيعة إذن – هو غريم الشاعر الذي يقربه من الموت ويحوله من القوة إلى الضعف. وهو ما يصدق على غيره: الأب والأم والحبيبة التي كانت "عفية الروح والبدن"، ثم صارت الآن "ضعيفة مثل طائر حزين". وتستدعي الأيام تيمة الذبول التي يخلعها الشاعر على قدرة الطائر على الطيران والغناء في قصيدة تحمل عنوان "ذبول"... "على الطيران تذبل قدرة الطائر/ ليسقط في هدوء... وعلى الغناء تذبل قدرة الطائر/ ليصمت مثل ورقة ميتة... وهكذا في انتظار أول عابر/ يستلقي بين التراب طائر/ لا يطير ولا يغني".

لقد أصبحت عناصر الطبيعة مرايا يستجلي فيها ذاته والمصير الذي انتهى إليه. فلا شك أنه يتماهى مع ذلك الطائر الذي أصبح– بمرور الأيام– عاجزاً عن الطيران والغناء. على أن مثل هذا التماثل لا يستمر. فأحياناً يأتي الكون فى صورة مناقضة لحالة الذات، حين يرى الشاعر الشمس لا تزال تشرق والناس يهيمون على وجوههم كالمعتاد غير شاعرين بما آلت إليه حالة الشاعر الذي سقط عليه بيت أبيه وماتت أمه وأبوه فجأة.

حين يشيخ العالم

ولا شك أن هذا التناقض أكثر إيلاماً، حيث يحس الشاعر أنه وحيد منفرد وسط عالم لاهٍ لا يشاركه همومه. هذه الوحدة التي يستشعرها ذلك العجوز البعيد الوحيد الذي ينام– حين يهزمه التعب– حيث يقف "بعيداً ووحيداً". والحقيقة أن الشاعر يرى هذه الصفة في كثير مما حوله وكأن العالم يشيخ أمام ناظريه. فحين يتحدث عن إحدى الشجرات يقول: "ذات يوم/ شاخت وتبدلت الأحوال/ لكنها ظلت تحمل في القلب طيوراً فتية".

لكن هذه الطيور تشيخ أيضاً وتصبح – كما لاحظنا في شاهد سابق – عاجزة عن الطيران والغناء. هذه الشيخوخة وهذا العجز يؤديان إلى تحول الأشياء واتخاذها صوراً مختلفة. فيصبح النهر العجوز الذي ينبع من السحب البعيدة "مستنقعاً وحشياً"، لا يفكر في شيء سوى تغيير مجراه لعله يتحرر من مائه الآسن ومن قيوده التي لازمته. وفي "حلم طائر عجوز" يصنع الشاعر مقابلة بين طائرين: "للطائر الصغير أن يحلم/ بجناحين قويين ويحلق بعيداً/ له أن يحلم بعُش تحت أي سماء". فنحن– هنا– أمام طائر تمكنه قدراته المستقبلية من الحلم بما هو بعيد. بينما يبدو الطائر العجوز نادماً متأسياً على ما بدد من أحلام. فهل نقول إن هذا الطائر العجوز هو نفسه الطائر الصغير، وبهذا تبدو أحلام الصغير مُجهضة أو أنها ظلت مجرد أحلام لم يستطع تحقيقها إلى أن يكتفي بمجرد "أن تمر أيامه في هدوء وسلام".

هذه المفارقة التي اكتشفنا وهميتها في النهاية نراها مستحكمة بفعل الزمن في قصيدة "خيوط"، حيث كانت الذات المسرودة التي تتماهى مع الشاعر تجد الركن الذي تأوي إليه– الأم والأب– وبمرور الزمن "لم يعد هناك ركن يأوي إليه/ أو فرجة ينفذ منها".

تقنية الحوار المسرحي

وهو المعنى نفسه الذي نجده في قصيدة "وطن" التي يستعرض فيها الشاعر مراحل حياته من الطفولة التي يتخذ فيها من الأم والأب وطناً إلى الشيخوخة التي رحلت فيها أمه وأبوه ولم يعد أمامه إلا الوهم الذي يسكنه. ويبدو الأمر كما لو أن هناك قوة أسطورية تمسخ الكائنات وتجمدها. ففي قصيدة "راعيان" تلتصق "عنزتا الراعي" في جدار وتصيران "تمثالين من الملح". وفي النهاية يتجمد الراعي نفسه بعد أن جرب حظه مع الناي: "ولم يخرج منه صوت". والأكثر غرابة أن يغوص الشاعر في الصمت أو يغرق فيه وكأنه غارق في "الموت". وهذا ما تطرحه قصيدة "آلة ميتة" مستغلة تقنية الحوار المسرحي على هذا النحو: "– سيدي، إنه على هذه الحال منذ زمن/ - ربما تكون ميتة أبدية/ أوه انظر سيدي إنه يعمل بدأب غريب/ إنه يا بني يعمل مثل آلة ميتة".

هذه الثنائية ما بين وهم الحياة وحقيقة الموت يجسدها الشاعر كما لو كان بطلاً عاجزاً على خشبة مسرح، محاصراً بالقتل من كل ناحية حين يخاطب نفسه قائلاً: "قتلة حقيقيون يحاصرونك من كل ناحية/ قتلى حقيقيون يحاصرونك من كل ناحية/ دماء حقيقية تغطيك من القدمين إلى الرأس". وكما كان يعمل الشاعر كأنه آلة ميتة، يتحول الحصان في قصيدة "نهاية الرحلة" إلى معادل موضوعي له حين يسقط ميتاً أمام الدار بعد أن واصل السير رغم موته في منتصف المسافة. وبهذه المعاني كلها تبدو الحياة هشة هينة تتفلت سريعاً من بين الأصابع، لا يبالي بها الشاعر... "خيط رفيع وواه/ كل ما يربطني بالسماوات/ بالأرض، بالبشر/ خيط رفيع وواه/ معلق في إصبع رفيعة وواهية".

حفنة من الذكريات

هذه العلاقة الواهية بالحياة تحولها إلى جحيم تحاصره الكوابيس التي تفزع الملوك والأبطال ويفر من أمامها فارس الفرسان "ليستيقظ غارقاً في الهلع". ومع ذلك يظل الشاعر مكتفياً بما هو متاح. فرغم أن البحر لم يعد رائعاً ورغم جفافه وانكشاف قاعه واحتوائه على الفضلات وجثث الكائنات الغريبة والأحلام المتحللة "يبقى على الشاطئ حفنة من الأصدقاء والأحبة/ وحفنة من الذكريات/ وهذا يكفي". بل إن مرور الزمن يحول الإنسان إلى كائن خفيف "تغريه خفته بالصعود". بحيث يكون قادراً على أن "يحلق تلقائياً إلى السماء/ ويفتح أول باب يصادفه/ يلقي السلام على أهل السماء/ ويدخل مثل طائر بري".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الخفة تجعل الإنسان لا يبالي بمآسي الحياة رغم فداحتها الظاهرة وحصارها للإنسان كما يبدو في هذه الصورة المعبرة "خلف الظهر جدار/ وأمام الصدر جدار/ عن اليمين جدار/ وعن اليسار جدار/ والقدمان راسختان في الوحل". ولا يحتمل الشاعر هذه الحالة إلا بامتلاك الهدوء والسكينة والزهد. فإذا كانت القدمان راسختين في الوحل فإنه "راسخ في السكينة". وفي قصيدة "زهد" بعنوانها الدال يقول: "من أجل حفنة من الهدوء/ دفعتُ كل شيء وزهدتُ في كل شيء/ من أجلها انعزلتُ مثل كائن خرافي". ثم نصبح أمام حالة من امتداح الصمت الذي هو أيضاً نوع من الزهد وعجز عن استيعاب العالم، يقول: "من الطبيعي أن تصمت".

يعيش الشاعر خياله أكثر مما يعيش واقعه ويحس بحضور الغياب ويتكئ عليه، بخاصة حضور الأم والأب اللذين يتكرران كثيراً في الديوان؛ "كنت الليلة في حضرة أمي لم أرها ولم أسمعها/ لكن حضورها كان يملأ المكان". ويظل الغناء بوصفه تعبيراً عن الذات هو سلاح الشاعر في مقاومة القعود والعجز. واللافت أن الشاعر يختار العناوين المباشرة الصريحة التي تكشف عن دلالة القصيدة. يقول في "غناء": "يسير مثل بطة جاهزة للذبح، مثل مواطن من الشرق الأوسط/ لكنه في عزلته عاجز وحزين لا يكف عن الغناء". وهكذا يستند الشاعر على حائطه الأخير وسط خراب العالم.

المزيد من ثقافة