Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

  قصائد جودت فخر الدين موشحة برومانطيقية الذات الوجودية

 "أكثر من عزلة، أبعد من رحلة" ديوان الجدلية الشعرية بين الداخل والخارج

الشاعر جودت فخرالدين (صفحة الشاعر على فيسبوك)

في كلامه عن تجربة بودلير الشعرية وبنائه عالمه الفريد، يقول جان بيار ريشار: "إن فيها شرف فعل التضحية، وتناغماً قيد الولادة، ووحدة حسية في سبيلها للبناء، ولكن لا يسعها أن تتحقق بملئها إلا في السكون الكامل حيث تتلاشى". وأحسب، وأنا أقرأ آخر مجموعة للشاعر اللبناني جودت فخر الدين (1953) الصادرة حديًثا بعنوان "أكثر من عزلة، أبعد من رحلة"،( المؤسسة العربية للدراسات والنشر) أن فيها بعضاً من مسار بودلير، وتجربته الشعرية التي تمتدّ من أواخر السبعينيات من القرن العشرين حتى اليوم.

 اللافت في المجموعة الشعرية أنها لا تراعي تقسيماً متناظراً للقصائد، فهي وإن بدت موزّعة في صفحات المجموعة باعتبار زمن كتابتها، وكانت 11 حيّزاً لقصائد مفردة، وأخرى طويلة، وأناشيد بذاتها غالبية الأحيان، فإني وجدتُ الحيّز الرابع وهو بعنوان "مراكب للنجاة " منطوياً على 32 قصيدة ومقطّعة شعرية كتبت بين شتاء 2019 وشتاء 2020، في توزيع أراده الشاعر فخر الدين دليلاً على اعتباطية نزول الشعر وقلّة حسبانه، على ما يقوله في قصيدة "عندما يتأتّى لي الشعرُ"، "تبتسم الأرض لي".

لا يتأخر القارىْ، شأني في اكتشاف أن عالم فخر الدين الشعري، في القصائد أيّاً يكن توزّعها، حميمٌ وداخلي أكاد أقول موشّح برومانسية يقنّنها حضور الذات القوي حيناً والمظلّل أحيانا، والمتواري حيناً بعد آخر. ففي القصيدة الأولى وهي بعنوان "جلسة في بهو نيسان" يستهلّ الشاعر منهجيته التأملية في الكائنات - والمتبعة على امتداد المجموعة الشعرية- بتركيزه بؤرة نظره على "أنسام نيسان"، فيواكب دخولها إلى عالمه الذي بات جوّانياً، بفعل الوباء والعزلة التي فرضها على الناس، ويروح يسقط عليها من ذاتيّته ومخياله ما يصيّرها كائناً منطوياً على ذاته، وحائراً في ما يقول: "صارت ترى الداخل/ تخشى أن ترى الخارج".

الشعر الحر

وفي الآتية من الأبيات، التي تتساوق على سمت الشعر الحرّ، بتعيين نازك الملائكة له، وتخرج عنه أحياناً- كما أعرض لذلك لاحقاً- بقوافٍ سهلة وعفوية وغير متواترة حكماً، يواصل الشاعر تعليل الأثر الذي تركته هذه الأنسام في نفسه، إذ نبّهته إلى "الكون الوليد"، إلى يقينه بأن في حجرته، عنيتُ حجرة الكائن الشاعر وروحه الفسيحة الحرّة، خلاصاً لنيسان، للزمن، من ضياعه وحيرته وتبدّده العبثي: "في حجرتي أستخرجُ العالمَ من محنتهِ./ أصنعهُ حرّاً على شاكلتي".

وإذ أنظر إلى الجدلية التي يحوكها الشاعر بين الداخل والخارج، وإلى تطويعه الذات، وإخراجها من قوقعة الحجرة إلى العالم وتحريره من محنته، لا أرى سوى منهجية في التأمل بالأشياء، يتّبعها الشاعر جودت فخر الدين، ويسير بها متمهّلاً، ومتدرّجاً في تصعيده حتى نقطة الإشباع والتكوين.

منهجية التأمل ذاتها يعتمدها الشاعر في قصيدة "أبي وأنا"، ولكن بقدر أكبر من الغنائية، وبروز الأنا، حين يستهلّها بفكرة فارق العمر بينه وبين أبيه، ولا يلبث أن يمرر فيها خيوطاً وأفكاراً تفصيلية أخرى، بل حالات هي خليط بين الحبّ والخصام، بين البعد والقرب، وبين الموت ورفض الإقرار به. سجالية من طرف واحد، وغنائية تنسرب هادئة، بين طيّات المشاهد المصوغة في مقاطع شعرية تامة داخل القصيدة -النشيد، وتنتهي دوماً بنتيجة مستخلصة من السياق الحواري والحجاجي السابق: "أتركها (نفسي) حرّة في مهب الظنونْ". وفي هذا كلّه، لا صياح ولا صداح في لغة فخر الدين الشعرية، ولا نبرة خطابية مما قد يحمله بعض نصوص شعراء الجنوب، مراعاة للجمهور وانتظاراته النضالية إبّان احتدام المشاعر الوطنية وصعود نجم المقاومة في السبعينيات من القرن العشرين.

 

إذاً، ينشغل الشاعر جودت فخر الدين لا بأمكنة أو أطر جاهزة مما تحفل بها الحياة اليومية- طبعاً على ما ورد في المجموعة الشعرية الـ15 في مسار كتابته الشعرية – وإنما ينشغل حدّ الشغف بالحالات الداهمة كيانه، وبالأسئلة الوجودية الأزلية، مثل الدهر، والحيرة، والذكريات، واليأس، والفساد، والهدر، والضجر، والانعزال القهري، والحظّ، والخوف، والرغبة الملحاح بالسفر، وغيرها مما تحفل بها رزمة القصائد "مراكب النجاة" الكبرى التي سبقت الإشارة إليها. والجدير ذكره في هذا السياق، أن الشاعر فخر الدين، إذ يسائل كلاً من هذه يسبغ عليها من صوَره الشعرية، ومن هواجسه، وتوازناته اللغوية، وتراكيبه المنسلّة بعضها من بعض، ما يصيّر هذه الأحوال كيانات فريدة، لها حياتها وأنفاسها من حياة الذات وأنفاسها المديدة: "أتوقُ لتقلعَ بي فكرةٌ، / أو لتُقلِعَ بي طائرة./ فكيفَ إذا أقلعتْ فكرةٌ / بيَ من فكرةٍ... بيَ من فكرة". ويقول في ثنائية الخبرة/ الحيرة أيضاً: "سأمضي، / وتمضي معي خبرتي في الحياةْ./ ولم أخترعْ بعدُ مركبةً للنجاةْ./ ولكنّني لمْ أضعْ،/ ذاكَ أنّي هزئتُ بكل اتجاهْ.

ماذا في رزمة القصائد تحت عنوان "أكثر من عزلة" التي كتبها الشاعر تحت وطأة بين شهرَي مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من عام 2020؟ إنها تمثّل رؤية فخر الدين للوباء، باعتباره نتيجة لمسلك الناس: "حيثما يلتقي الناس ينتشرِ الدّاءُ،/ أما إذا أحسنَ المرءُ عزلتَهُ فوقَ هذي البسيطة،/ فالدّاءُ سوفَ يهيمُ على وجههِ..." . وتستبطن قصائد أخرى في الباقة ذاتها صورة أرادها الشاعر نقيّة لشارع في المدينة، في أثناء الحجْر، فيخرج على هيئة جديدة، كائناً آخر، مدركاً حياته ومنشغلاً بأدواره الصغيرة في خلال وحدته الاستثنائية، يقول: "صارَ أنقى وأوسعَ،/ عادَ لهُ وجهُهُ،/ بعدما كان محتجِباً في الزحام.../ صارَ منطلِقاً... يتنزّهُ،/ يختارُ بينَ اتجاهينِ.../ ويستقبلُ الشمسَ في سعَة، /والمباني على جانبيْهِ ظلالُ انتظارٍ سقيمْ".

النزعة الغنائية

ولكن ماذا عن الغنائية في المجموعة الشعرية؟ للإجابة أقول إن الشاعر جودت فخر الدين، وإن بدا حذراً من بثّ مشاعره، وبسط ذاتيّته المنثالة أو المجروحة، على غرار غلاة الرومنطيقيين من شعراء الحداثة العرب، فإنه لم يتوانَ عن تضمين كل من مقطّعاته والقصائد الطويلة والأناشيد على السواء قدراً طفيفاً من مشاعر الضيق والتبرّم حيناً بعد حين، والأسى والحنين والشوق والاستسلام والفرح البريء، والركون إلى الطبيعة واليأس والبوح بالحبّ: "عندما يتأتّى لي الشعرُ،/ تبتسمُ الأرضُ لي.../ وأنتِ كذلك تبتسمينَ كحبّ جديدٍ،/ وتبتسمينَ كحبّ قديم، / وتبتسمينَ كهذي القصيدة، / في هذه اللحظة، الآن..." .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالطبع، لن يتاح لهذه المقالة أن تأتي على كل مظاهر المجموعة الشعرية، من مثل الكلام عن التبسيط الذي يجريه الشاعر المنشئ على تراكيبه ومعجمه وانتقائيّته الواضحة لعباراته من ذوات الرنين والإيحاءات الصوتية الإطلاقية (المدّات الصوتية المختلفة) تيسيراً لتفاعل القارئ المحتمل مع مضمون الشعر ودلالاته غير المستغلقة. ولعل هذا التبسيط في صوغ الشعر لمن يعطى له، إلى جمالية مقنّنة وعوالم سحرية قيد التكوّن، تعمرها "قيمٌ معنوية عربية"، هي ما أسهم في نيله جائزة الشيخ زايد لكتاب هو "ثلاثون قصيدة للأطفال" والفتيان لعام 2013-2014.

ولكن، إلى أي حداثة شعرية ينتمي شعر "جودت فخر الدين" الحرّ؟ للإجابة أقول إن مبدأ الانتماء إلى سياق أسلوبي ونصّي أمر بديهي في كل شعر يندرج في زمنه، ويراد له التموضع في قطار التراث عبر محطاته المتدرّجة في الزمن. بيد أن لشعر كل شاعر خصوصيات وملامح تجعله نسيجاً وحده، أو تحمله على الالتحاق بمحطة سابقة. وإن صحّ أن الحداثة ضنينة بإيقاع التفعيلة، فإن فخر الدين، مع كونه قائداً بارعاً للإيقاع من تفعيلات ذات أسباب وأوتاد بسيطة وأكثر شيوعاً من غيرها، وأكثر رشاقة واتّساعاً لفضاء الكلام، من مثل تفعيلة البحر البسيط، أو المتقارب، أو الرمَل، أو غيرها، فإنه غالباً ما يسلّم قياد لعب الإيقاع وحجم التفعيلات في متن القصيدة، بالتالي حجم الأسطر الشعرية، للفكرة أو الحالة تذهب بها إلى حيث تشتهي، ويكرهُ الناظمُ. وتلك الحرية، حرية التفلّت من شروط النظم، هي أولى أولويات الحداثة، على ظنّي، طبعاً لصالح الإبداع وتكوين عوالم وحساسيات لم تكن: "تدورُ بيَ الأرضُ كيْ لا أكونَ ابنَها./ والسّماءُ تداورُني كلّما جئتُها طائراً، / حاملاً فرحَ الأرضِ أو حزنَها، / لا تقولْ".

يواصل الشاعر جودت فخر الدين مسيرته الشعرية، مع مجموعته الـ14 هذه، إلى جانب أعمال شعرية سابقة، مثل: أوهام ريفية، وللرؤية وقت، وأيام ومياه وأصوات، ومنارة للغريق، وسماوات، وليس بعد، وما بين عمر وآخر، وفصول من سيرتي مع الغيم، وثلاثون قصيدة للأطفال، وحديقة الستين، وهذا أنا وأكثر من عزلة وأكثر من رحلة.

 

المزيد من ثقافة