Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حسن عبد الموجود يسرد قصص الصراع مع الحيوان في الريف

مجموعة "البشر والسحالي" عن ميراث قروي من البؤس والقهر

لوحة للرسام المصري شعبان الحسيني (صفحة الرسام على فيسبوك)

في مجموعته القصصية "البشر والسحالي" (الدار المصرية اللبنانية)، يرسم الكاتب حسن عبد الموجود لوحة سردية، يتقاسمها البشر والحيوانات، في مشاهد شديدة الواقعية، رافقتها رسوم للفنان عمرو الكفراوي. فيبرز عبرها مجموعة من الحيونات، من دون تحايل أو محاولة لاستنطاقها، أو إلباسها ثوب الحكمة، كما في العمل التراثي العربي "كليلة ودمنة"، مثلاً، ومن غير أن يستخدمها استخداماً رمزياً، من أجل تمرير رؤى أو إسقاطات سياسية. وإنما اقترب عبرها من عوالم شديدة الخصوصية. يلعب فيها الحيوان دوراً محورياً. وقد عزَّزت خلفية الكاتب ونشأته الريفية من صدقية تلك الصور، لا سيما أنه اعتنى خلالها، برصد التفاصيل، التي تشي بحساسية عينيه، واستيعاب ذاكرته واختزانها أحداثاً أعاد إنتاجها، لتنهض – على رغم  إخلاصها للواقعية- على الكثير من الفانتازيا والأساطير الشعبية، التي فاح من بعضها تصديق ضمني، في حين فنَّد عبد الموجود بعضها الآخر، وأنتج أيضاً أساطيره الخاصة.

الفضاءات المبهمة

اكتفى الكاتب بالإشارة في بعض القصص، إلى أن الأحداث تدور في قرية قريبة من قرية "القصر"، لكنه أبقى المكان مبهماً، ربما ليدلل على اتساع الفضاء المكاني، فيشمل عموم الريف المصري. كذلك لم يحدد فضاء زمنياً؛ ليشي باستمرار الأحداث نفسها، وصمود ملامح الفقر، وانخفاض التعليم، وقلة الخدمات، على رغم تدفق الوقت وتتابع الزمن. وعلى مدار عشر قصص كان أبطالها خنزيراً، سحلية، كلباً، قطاً، دودة، عقرباً، ديكاً، حماراً، تيْساً، و"أبا دقيق"؛ قدَّم الكاتب صورة مغايرة لعلاقة الإنسان بالحيوان. تجتمع فيها القسوة بالشفقة، التقدير بالاحتقار، والحب بالكراهية. لم يمنح الكاتب صوت السرد للراوي العليم، إلا في قصص ثلاث: القط، الديك، التيْس"، في حين جاء في بقية القصص ذاتياً. وكان في أغلبه صوت الطفل، ليؤكد الكاتب عبر هذا الصوت، على نقاء الصورة، إذ التقطتها عينُ طفلٍ ترى العالم بفطرتها بلا رتوش.

تيمة القسوة

رصد الكاتب الفقر كملمح رئيسي من ملامح القرية، ضارب في ماضيها، متوغل في حاضرها، خلّف في أبنائها قسوة؛ لم تفرق رصاصاتها في وجهتها، ولم تميز ضحاياها. فأصابت حتى الأحباء والضعفاء. وأصابات أيضاً الحيوانات، التي بادلت البشر قسوة بقسوة. الأم تقسو على ابنها، وتمنعه من المكوث لدى أسرة مسيحية، واللعب مع ابنتها. والأبناء يقسون على أبيهم الأعمى ويسرقون نصيبه من الطعام. والأطفال يقسون على الفراشات ويقتلونها. ويمارسون ساديتهم على الكلاب فيحرقونها حيَّة. ويقسون على الأعمى. ويسخرون من الأصم. والنسوة يضربن القطط. والمزارعون يقتلون "أبا الدقيق" (حشرة بجناحين تشبه الزنبور) والأب يقسو على ابنيه اللذين يتبولان لا إرادياً.

وأهل القرية يقسون على امرأة؛ امتثالاً لتقاليد تدفعهم للعزوف عن الزواج من "حلبية"، أي غجرية. فتظل المرأة عقوداً طويلة وحيدة وبائسة. والكلاب تقسو على الأعمى. والسحالي تُتلِف العجين. والثعبان يلدغ الجد. و"أبو دقيق" يفسد المحاصيل والمزروعات. لكن هذه القسوة التي يكشف عبرها الكاتب عن نوازع الشر الكامنة لا سيما داخل البشر؛ يردها إلى قسوة البيئة، وتوحش الفقر، الذي يدفع أهل القرية لأكل الدود من أجل إخراس البطن، وكذلك العلكة ونوى البلح، وكل ما يمر بالحلوق ولا يخدشها، أو يخدشها من دون أن يُدميها، حين تفرغ أجولة الطحين، وهي أغلب الوقت فارغة. وتتسق هذه الرؤية الفنية للكاتب، مع ما ساقه علماء الأعصاب؛ من أن نقص أغذية بعينها يزيد من مستوى السادية في المجتمع، ويجعل الأشخاص أكثر رغبة في الإضرار بالآخرين وإيذائهم.

الاتكاء على الأسطورة

استفاد الكاتب من خصوبة الواقع الريفي، وغناه بالأساطير التي ازدادت سطوتها مع نقص التعليم، فباتت معلْماً من معالم القرية. وقام بتوظيفها خلال قصص المجموعة، متخذاً مواقف ثلاثة، فتارة يفنّدها ويدحض زيفها، كأسطورة السحلية التي تحمل مفتاح الجنة بينما لا يكشف شق بطنها إلا عن أحشاء ودماء. وتارة ينتج أسطورته الخاصة، مثل ما ساقه باستدعاء قدرة الراوي "الطفل" على تنويم الفراشات كي يصطادها أقرانه. وتارة ينقل موروثاً أسطورياً، ويعمد أن يحمل القارئ على تصديقه، كما في قصة "القط"، التي نهضت على أسطورة خروج الروح من جسد الطفل التوأم، ودخولها جسد قِطة، حتى إذا لحق بها أذى؛ لحق الأذى نفسه بجسم الطفل. وعبر ما ساقه الكاتب من أحداث؛ ظل يحث قارئه على إنتاج المعنى. يدفعه للاشتباك معه، ويجعله طرفاً في النص، متجاوزاً سكونية السرد. وقد بدا ذلك منذ اللحظة الأولى التي شرع فيها بكسر التابوهات واعتماده الصدمة، وصفع القارئ بإعلانٍ من الراوي عن شغفه بلحم الخنزير، المحرَّم وفق دين الغالبية المسلمة.

تنوع الصراع

أبرز الكاتب علاقة مركبة بين الإنسان والحيوان في بيئته؛ تتراوح بين التكامل والصراع. فمسلمو القرية لا يمانعون أكل جيرانهم المسيحيين لحم الخنازير، لكنهم يعادون الخنزير حياً، ويرفضون وجوده في محيطهم. أما السحلية، فيسمح لها القرويون بالتجول في منازلهم، في حين تتغير مواقفهم، حين يتعلق الأمر بغذائهم، "الخبز الشمسي". والكلاب التي تبدو متآلفة مع البشر نهاراً، تهاجم أحدهم ليلاً، في حين يقتل الأطفال واحداً منها في الليل أيضاً. هكذا توج الصراع بين الإنسان والحيوان؛ المجموعة القصصية. كما مرَّر الكاتب أشكالاً أخرى من الصراع في القرية، لا سيما بين العلم "الطبيب"، والخرافة "الساحرة".

وأضاء أيضاً بعض الصراعات الداخلية، التي كانت تحتدم داخل الشخوص، خلف جدران الصمت، تؤججها ثقافة القطيع، ليصطدم نقاء الفطرة مع قبح المكتسب. فالأم المسلمة تعيش صراعاً بين الطمأنينة لجارتها المسيحية والقلق منها. تلجأ لها لتحمل ابنها حتى تنعم بالنوم لبضع ساعات. وحين يكبر تمنعه من المكوث لديها، خوفاً على عقيدته. والابن يعيش صراعاً بين حبه، وحاجته للتقدير والتكيف. فبينما يحب البقاء عند صديقته المسيحية، يقدم على مهاجمة الكنيسة مع أقرانه، حتى ينجو من إساءتهم واتهاماتهم. ويدعو معهم على المسيحيين أن يصيبهم البلاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

احتوى السرد في طياته شذرات من السخرية؛ خفَّف بها الكاتب من قتامة الواقع. وأنعش بها السرد. وأبرز عبرها دلالات ضمنية، على تفشي الجهل والمرض والعادات البالية... "سأل كمن يريد إنهاء معاناته: هي فين المريضة؟، اقترب منه جدي ووضع في يده بطاقة جدتي الورقية وهو يشير إلى صورتها. قال الطبيب إنه ليس في حاجة إلى بطاقتها، فأخبره جدي بأنه عليه أن يكشف عليها هنا". ضحك الطبيب، لكنه ضحكٌ مغلف بقشرة من الغضب جاهَدَ لإخفائها" (ص80).

التغريد خارج السرب

الخروج عن المألوف والتغريد خارج السرب، كان قراراً اتخذه الكاتب، حين تخلى عن تكثيف القصة في صفحات قليلة، بحيث لجأ إلى الاستفاضة، كيلا ينال الاختزال من تفاصيل تُكمل بناء الحدث. كذلك امتدت الأحداث في بعض قصصه مساحات زمنية، تجاوزت محدودية الزمن في القصة القصيرة. وتطوَّرت شخصيات تلك القصص، بشكل لافت. ففي قصة "العقرب سحابة قريبة ومطر أصفر"، يكبر الابن الذي كان يتبول لا إرادياً طفلاً، ويغفر قسوة أبيه، ليقابلها بالرحمة، وحين يضعف الأب، تحت وطأة المرض، فيتبول بدوره لا إرادياً. وفي قصة "الديك خمسة ذقون ناعمة"، يتتبع الكاتب شخصيته المحورية في مراحل عمرية مختلفة، ومحطات متوالية من الترقي الوظيفي، استغرقت سنوات العمر. كذلك بدا ترابط ضمني بين قصص المجموعة. ويشي كل ذلك بنوعٍ من التجريب اعتمده عبد الموجود في بناء سرديته، عبر تداخل عناصر القصة وعناصر الرواية.

وأتاح مناخ القصص المنفتح على الأساطير الشعبية، إضافة إلى ثقافة الكاتب الواسعة، إمكانية استدعاء بعض الأساطير الإغريقية، والميثولوجيا اليونانية والتناص المباشر معها. إذ استدعى عبد الموجود قصة "ميداس وأبوللو"، والتي اتسق حضورها مع حضور الحمار في قصة "سعف ذهبي ونبيذ وأحذية قديمة". وورد التناص في مواضع أخرى بشكل غير مباشر، كما في بحث الطفل عن حيوان يكون رمزاً له في قصة "السحلية... مفتاح الجنة". ما يحيل إلى قصة النبي إبراهيم عليه السلام في رحلة بحثه عن إله يعبده. وعبر استدعاء أساطير القرية وفلكلورها، وعاداتها، الجميلة والقبيحة، والنزوع الضمني والصريح إلى الغفران والمسامحة، يكشف الكاتب عن مساحات شاسعة من الحنين إلى القرية وأيامه الأولى، وإن كثرت مآسيها.

المزيد من ثقافة