Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كلايف سنكلير انطفأ ولم يستعمل شاشته متناهية الصغر

رحل مطور الكمبيوتر المنزلي وعاشق النجاحات والإخفاقات والمنمنمات

أسهم المبتكر البريطاني كلايف سنكلير في وصول الشاشات متناهية الكبر إلى ملايين البيوت   (غيتي)

الغالبية المطلقة من الأجيال المفتئتة على ما ابتكره وطوره كلايف سنكلير في ثمانينيات القرن الماضي لم ولن تعرفه. ورغم أنه الأب الروحي لما يعيش عليه وفيه ومعه ومنه ملايين من الشباب والمراهقين والأطفال اليوم من شاشات من كل الأنواع والأشكال والأحجام والمواصفات، فإن أبناء جيل "زد" وما بعده سيمرون على خبر رحيل سنكلير قبل ساعات مرور الكرام المتعجلين من أمرهم للإغراق في شاشاتهم متناهية الصغر.

ما هو أهم

الشاشة متناهية الكبر التي أسهم البريطاني سنكلير في ضمان وصولها إلى ملايين البيوت على ظهر الكوكب في ثمانينيات القرن الماضي تقف شاهد عيان على مليارات الشاشات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والكبيرة جداً التي يتعامل معها سكان الأرض اليوم وكأنها أمر مسلم به.

بدأ سنكلير، المولود في عام 1940 والمنتمي لأسرة من بناء السفن، مسيرة الكمبيوتر المنزلي في عام 1980 وتحديداً بالجهاز المعروف بـ"زد أكس 80". وتمكن الرجل الذي قرر التوقف عن الذهاب إلى المدرسة وهو في الـ17 من عمره ليتفرغ "لما هو أهم" من تطوير سلسلة من أجهزة الكمبيوتر التي يمكن نقلها وفي متناول اليد، وهو ما اعتبر وما زال ثورة في عالم الكمبيوتر.

ورغم أن سلسلة الكمبيوتر المنزلي التي نجح سنكلير في ابتكارها وتطويرها لم تكن الوحيدة في زمنه، فإنها أثبتت أفضليتها وتنافسيتها. ففي هذا الوقت، كان هناك "أمستراد" و"كومودور 64" و"سبكترام" التي حققت مبيعات يقدر عددها بمئات الآلاف. لكن خرج "زد أكس 80" الملون ليتغلب عليها جميعاً شكلاً وموضوعاً وترفيهاً.

فما لا يعلمه كثيرون وما ظل يتجاهله آخرون، لا سيما في عالم الألعاب الإلكترونية هو أن سنكلير يعد من الآباء المؤسسين لهذا العالم الواسع المقدرة قيمته في عام 2019 بنحو 151.5 مليار دولار أميركي والمتوقع أن تصل إلى 256.9 مليار دولار في عام 2025. لكن لحسن الحظ فإن آلاف الضالعين في عالم الإلكترونيات والشبكة العنكبوتية ومستخدمي ومطوري الألعاب الإلكترونية لم يشيدوا بدوره فقط في إطار رثائهم له، بل أغدقوا عليه بنعوت وألقاب لم يحظ بها في حياته.

حياة سنكلير حفلت بألقاب رسمية وإعلامية وترويجية مثل "رجل أعمال العام"  و"فارس". كما حظي بحساب بنكي أهله لأن يحمل لقب "مليونير" لكن اللقب لم يدم طويلاً، إذ استنفد ما لديه من أموال ليطور اختراعه الذي تكلل بالإخفاق وفتح أبواب السخرية عليه، التي لم تنل من شغفه وولعه بالابتكار إلى أن توفي قبل ساعات. حتى الساعات، دخل مضمار ابتكارها فطور ساعة يد سوداء رقمية. كما طور جهاز تلفزيون ذا شاشة مسطحة قبل سنوات طويلة من خروجها إلى النور والسوق. وقائمة مبتكراته الناجحة تلك التي لم يحالفها النجاح كثيرة. لذلك جاءت الرثاءات في حقه كثيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الآباء المؤسسون

فمن "الآباء المؤسسين للألعاب" إلى "رائد الكمبيوتر المنزلي" إلى "عبقري آلة الجيب الحاسبة" وغيرها تتواتر الألقاب في إطار الرثاء. لكن أطرفها وفي الوقت نفسه وأوقعها جاء في تغريدة لأحدهم كتب فيها: "ارقد في سلام. سنكلير الغريب والرائع والمخفق. مؤسس وصاحب (أبحاث سنكلير) موطن الأحلام المتوحشة والقرارات الجنونية".

صفة الجنون لم تبق بعيداً عن سنكلير. لكنها حين ارتبطت به، حدث ذلك في إطار لم يخل من طرافة أو إيجابية، والأهم أنه لم يؤثر فيه سلباً. فإما أنه لم يأبه، أو أنه اعتبرها إشادة بعبقريته. لكن من قال إن العبقرية تأتي بلا سقطات أو هفوات؟ أو إنها تسير على خط مستقيم اسمه النجاح المستمر والإنجاز المستدام؟!

ظل اسم سنكلير ومكانته محلقين في عالم الشهرة والتبجيل في بريطانيا إلى أن تعثر وأصيبت المكانة إصابة بالغة في هذا اليوم البارد من أيام شهر يناير (كانون الثاني) عام 1985. في هذا اليوم خرج سنكلير بدراجته الثلاثية الجديدة "سي 5" والمفاجأة كانت أنها كهربائية! قبل خروجه بها لشوارع لندن، كان سنكلير قد مهد للاختراع الجديد بتوقعات أن تصل مبيعاتها إلى 100 ألف دراجة في العام الواحد. لكن ما حدث أنها حققت مبيعات "صفراً" لسبب بسيط ألا وهو أنها لم تطرح للبيع من الأصل. فقد توقفت الدراجة تماماً في منتصف "جسر هامرسميث" وأبت أن تتحرك. ماتت البطارية تماماً. ورغم ما ساقه سنكلير من مبررات فيما بعد من أنه ربما أساء اختيار توقيت الاختبار في يناير باعتباره من أبرد شهور العام ما أثر في أداء البطارية، إلا أن هذا الإخفاق حوله، بحسبما ورد في تقرير نشره موقع صحيفة "غارديان" البريطانية، من نموذج "العالم الساحر المبتكر" إلى شخصية مثيرة للسخرية والفكاهة. أصبح سنكلير خليطاً من أينشتاين و"ويلي ونكا" (شخصية صاحب مصنع الشوكولاتة غريب الأطوار في فيلم "تشارلي ومصنع الشوكولاتة"). وكانت "غارديان" وصفته من قبل بـ"جزء من سنكلير شخص ذي بصيرة ورؤية، وجزء منه العم المجنون، وجزء ثالث خبير تسويق عبقري".  

 

 

الخبير العبقري

لكن خبير التسويق العبقري ومطور الكمبيوتر المنزلي وقائمة أخرى من الابتكارات متراوحة التقييمات من حيث العبقرية تعرض لهزة مالية وتمويلية عنيفة بعدما فشلت الدراجة الكهربائية التي ثبت فيها بعد أن بطاريتها ليست وحدها المشكلة، بل إن مقاييسها تعرض سائقها والآخرين للخطر، وذلك لأنها تحت مستوى رؤية بقية السائقين، إضافة إلى العوامل الجوية غير المستقرة التي تجعلها عرضة للأعطال المفاجئة.

حتى اختراعه الذي مكن مليارات البشر من حيازة آلة حاسبة في جيوبهم أينما ذهبوا (وكان هذا قبل عصر الهواتف المحمولة بعقود) لم يشفع له أو ينقذه من شبح الإفلاس. لكن ما شفع له وأنقذه من هوة السقوط سماته الشخصية إضافة إلى هذا الخط الرفيع جداً بين الجنون والعبقرية، وهو الخط الذي امتلك مقاليده سنكلير.

"يا إلهي إنها نهاية العالم"

قال في مقابلة صحافية مع "اندبندنت أون صنداي" البريطانية، "لو هناك فكرة جيدة بالقدر الكافي، فإنها ستبدو للجميع تقريباً وكأنها جنونية جداً. فإما أن تنفذها بنفسك أو لن تجد طريقها إلى التنفيذ أبداً. لا ينتابني أبداً هذا الشعور حيث يا إلهي إنها نهاية العالم. كل ما أفعله هو أنني أمضي قدماً إلى المرحلة التالية".

المراحل التالية في حياة سنكلير كانت كثيرة. فمن دراجة كهربائية أخرى سماها "زايك" وبطارية لدراجة كهربائية أطلق عليها اسم "زيتا"، إلى مذياع متناهي الصغر يتم وضعه في داخل الأذن، إلى دراجة يمكن طيها وحملها في داخل وسائل المواصلات العامة ووضعها إلى جوار المكتب لم يتوقف سنكلير كثيراً ليراجع سخرية هذا ونكتة ذاك وانتقاد هؤلاء.

صحيح أن شركته أخذت تتضاءل في الحجم إلى أن أصبح الموظف الوحيد فيها، إلا أن هذا لم يزعجه كثيراً، أو بالأحرى لم يزعجه على الإطلاق. قال ذات مرة، "لست رجل أعمال بالفطرة. وبكل تأكيد ليست لدي رغبة في أن أكون غنياً جداً. أقصد، لقد كنت غنياً جداً، لكن كان هذا شيئاً ما حدث لي وانتهى".

أبواب معرفية كاشفة

انتهاء حياة سنكلير فتح أبواباً معرفية كاشفة عديدة لم تكن معروفة من قبل، وربما لم تطرأ على بال كثيرين في حياته. فالغالبية المطلقة من اختراعات سنكلير، ما نجح منها وما بدا أنه أخفق، عكس ميله الشديد للتصغير، أو بالأحرى النمنمة. كمبيوتر صغير بمقاييس العصر، وآلة جيب حاسبة، وراديو أذن، ودراجة تحل محل السيارة، وأخرى يتم طيها، وشاشة تلفزيون مسطحة بدلاً من المكتنزة، وقائمة المنمنات طويلة.

حتى مسيرته التعليمية، اختار لها التصغير والنمنمة. فقد قرر في عمر الـ17 عاماً أن يكتفي بالقدر الذي حصل عليه من التعليم، رغم أن أباه وجده وأعمامه كانوا مهندسين متخصصين في بناء السفن. لم يشعر يوماً أنه ينتمي لأجواء المدرسة. صحيح أنه تعلم قواعد الرياضيات والفيزياء وغيرها، لكنه كان يعوض في العطلات ما لا تعلمه المدرسة من قواعد ونظريات إضافية تفوق سنه بكثير. لم يجد في ممارسة الرياضة التي كان يعشقها أقرانه أي لذة. كما كان يفضل مصادقة الأكبر منه سناً وليس من هم في مثل عمره. لذلك جاء قراره بترك الدراسة وعدم الالتحاق بالجامعة متوقعاً.

لكن ما لم يكن متوقعاً أن يتفوق سنكلير غير الحاصل على شهادة جامعية في ابتكارات تقنية عديدة بعضها ستظل تحمل سيرته أينما ذهبت ومهما تطورت، والبعض الآخر يسميه قصار النظر والرؤى إخفاقاً لكنه نجاح غير مباشر أفضى إلى نجاحات عظمى.

الرئيس التنفيذي لشركة "تيسلا" الملياردير الكندي الأميركي المخترع المستثمر إيلون ماسك والمرتبطة شركته بأول سيارة كهربائية تسير في الشوارع غرد قائلاً، "ارقد بسلام سير سنكلير. لقد أحببت هذا الكمبيوتر".

من أحبوا هذا الكمبيوتر تقدر أعدادهم بالملايين. لكن مليارات البشر اليوم وهي تودع سنكلير الذي رحل عن عمر يناهز 80 عاماً بعد صراع مع السرطان تدين له بالشكر لما أضفاه على تفاصيل الحياة اليومية حتى اللحظة من ابتكارات أصبحت مع مسيرة التطوير ما نستخدمه اليوم من تقنيات وأجهزة، إضافة إلى شخصية فولاذية لا تلتفت لسخرية أو تؤثر في مسيرتها انتقادات وتجاهلات ونعوت بالجنون أو الغرابة أو حتى الإخفاق.

رحل سنكلير المبتكر المخترع عاشق المنمنات غريب الأطوار الذي لم يستخدم كمبيوتر أو بريداً إلكترونياً أو إنترنت في حياته. وحتى الآلة الحاسبة التي ابتكرها، لم يستخدمها إلا للضرورة. فقد كان يفضل المسطرة الحاسبة.