Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما سر تراجع الدعاية الانتخابية للمتنافسين في الانتخابات العراقية؟

"حالة المقاطعة التي تتسيد المشهد الاجتماعي في البلاد جعلت السجالات بين الأحزاب تتصدر المشهد على حساب البرامج الموجهة للرأي العام"

الشارع العراقي فقد ثقته بالانتخابات (رويترز)

مع اقتراب موعد الانتخابات المبكرة في العراق لا تزال العديد من التساؤلات تثير الرأي العام العراقي، تحديداً ما يتعلق بالدعاية الانتخابية للكتل المتنافسة، إذ تبدو الأجواء التنافسية شحيحة من الدعاية الموجهة إلى الرأي العام العراقي، فيما وصفها مراقبون بـ"غياب البرامج التي تقنع الناخبين". 

ويبدو أن غالبية الأحزاب المتنافسة على نيل مقاعد البرلمان في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) العراقية باتت تركز على قواعدها الحزبية والقطاعات القريبة منها، في ظل سيادة دعوات المقاطعة الواسعة التي أطلقها الناشطون وباتت تسيطر على أجواء الانتخابات، بحسب مراقبين. 

انحسار بعدد اللافتات 

ويرى مراقبون أن شح البرامج الانتخابية دفع الكتل السياسية إلى استعارة الشعارات نفسها التي رددتها خلال الانتخابات الماضية، لكن التساؤل الأبرز يدور حول مدى إمكانية أن يسهم غياب البرامج في تدعيم حجج مقاطعة الانتخابات في البلاد.

وبالإضافة إلى حالة غياب البرامج الانتخابية يشير مراقبون إلى أن ثمة انحساراً واضحاً في عدد اللافتات الانتخابية في شوارع المدن العراقية وتحديداً العاصمة بغداد مقارنة بالدورات الانتخابية السابقة، فيما شهدت العديد من المدن العراقية تمزيقاً للافتات بعض المرشحين.

وعلى الرغم من عدم تحديد مفوضية الانتخابات في العراق سقفاً أعلى للإنفاق على الدعاية الانتخابية، يؤكد أصحاب المطابع أن طباعة اللافتات تراجعت بشكل ملحوظ عما كانت عليه خلال الدورات السابقة. 

وتعد مدة الدعاية خلال الانتخابات المقبلة الأطول على الإطلاق، إلا أنها تعاني تراجعاً ملحوظاً في ترويج الكتل والمرشحين لبرامجهم، إذ انطلقت الحملات الدعائية في الثامن من يوليو (تموز) الماضي، وتستمر لمدة ثلاثة أشهر.

فرز للخنادق ودعاية مبكرة

وشهدت الانتخابات السابقة عام 2018 حالة احتدام كبيرة في الدعاية الانتخابية، إذ تركزت دعايات الأحزاب على استثمار الانتصار على تنظيم "داعش" من جهة والاحتجاجات الواسعة على الفساد من جهة أخرى، إذ استخدم تحالف "الفتح" الممثل البرلماني للميليشيات الموالية لإيران الانتصار على التنظيم بوابة لترويجه الدعائي، بالإضافة إلى كتلة "النصر" التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، أما التيار الصدري فاستخدم عبارة "الإصلاح" واستثمار الحراك الاحتجاجي في دعايته الانتخابية.

وفي ظل حالة الإحباط الكبيرة التي تشهدها الساحة العراقية والنزعة الواسعة لمقاطعة الانتخابات، يبدو أن انتخابات أكتوبر لا تشهد دعايات واسعة للأحزاب السياسية كما حصل خلال الانتخابات السابقة.

ويفسر رئيس المركز العراقي الأسترالي للأبحاث، أحمد الياسري، حالة غياب الدعاية الانتخابية من المشهد العراقي بكون احتجاجات أكتوبر "فرزت الخنادق مبكراً بين مجتمع الدولة المتمثل بقوى الانتفاضة ومجتمع السلطة المتمثل بجماهير الأحزاب". 

ويشير الياسري في حديث لـ"اندبندنت عربية"، إلى "نقلة نوعية في الرأي العام العراقي" سببتها الاحتجاجات التي حصلت في أكتوبر 2019، الأمر الذي أدى إلى أن "يلتفت المجتمع العراقي لكيفية بناء الدولة أكثر من الولاءات والهويات الفرعية"، مبيناً أن هذا الأمر أسهم من بين عوامل أخرى في "تعقيد بناء برامج انتخابية للأحزاب التقليدية". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل اللافت خلال الدعاية الانتخابية يتعلق باستخدام بعض الأحزاب التقليدية شعارات مستعارة من الانتفاضة العراقية، كما يعبر الياسري، الذي يشير إلى أن هذا الأمر يؤكد حدوث "حالة الفرز بين جمهور الدولة وجمهور الأحزاب".

ويبدو أن "وضوح التوقعات بشأن نتائج الانتخابات المقبلة نتيجة حملة المقاطعة الواسعة"، بحسب الياسري، "أسهم بشكل كبير في عدم توجيه الدعاية الانتخابية إلى الرأي العام العراقي، لأن الاشتراك سيكون محصوراً بجمهور وزبائن الأحزاب الرئيسة". 

ويلفت إلى أن "حالة الاستثمار الانتخابي خلال الانتخابات المقبلة ستتمحور في القواعد الحزبية الثابتة للكتل المتنافسة، كما حصل مع التيار الصدري من خلال طرح فكرة رئاسة وزراء صدرية أو ما جرى من انسحاب ثم عودة مرة أخرى إلى السباق الانتخابي". 

ويختم أن "الدعاية الموجهة إلى الجمهور الحزبي تعني أن قدرة الإقناع لدى الكتل السياسية باتت تتضاءل بشكل كبير، حتى وصلت إلى حدود التخوف من عدم القدرة على إقناع القواعد الحزبية التابعة لها".

تحشيد لـ"زبائن" الأحزاب السياسية

ويعتقد مراقبون أن الدعاية الانتخابية للقوائم المتنافسة هذه المرة باتت محصورة بالقواعد المؤدلجة التابعة للأحزاب وليست موجهة إلى الرأي العام العراقي.

وفي مقابل الترويج الحزبي يبرز مصطلح "المرشح المستقل" بشكل واسع خلال الدعاية الانتخابية، الأمر الذي يعزوه مراقبون إلى محاولة استمالة الجمهور الناقم على الأحزاب التقليدية.

ويعتقد الباحث في الشأن السياسي، أحمد الشريفي، أن السبب خلف استخدام عبارة "المرشح المستقل" التي باتت تغزو اللافتات الانتخابية يرتبط بكون "غالبية المرشحين مترددين في الإفصاح عن انتمائهم الحزبي، إدراكاً منهم أن الأحزاب باتت تعاني أزمة ثقة جماهيرية".

ويرى الشريفي أن "كل البرامج التي طرحت في الانتخابات العراقية منذ عام 2003 وحتى الآن استهلكت، ولم تعد هناك جرأة لدى الأحزاب بإعادة استخدامها مرة أخرى"، مبيناً أن هذا الأمر أسهم في "غياب طرح الكتل المتنافسة برامجها أمام الرأي العام العراقي".

ويوضح أن "إدراك الرأي العام العراقي حقيقة كون مخرجات البرلمان ومن بينها تشكيل الحكومة لا تخضع للانتخابات بل إلى التوازنات الدولية والإقليمية وإرادة قادة الكتل، أسهم إلى حد كبير في غياب الدعاية الانتخابية". 

وشهدت العديد من المدن العراقية حالات تمزيق لصور مرشحين في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي يعطي انطباعاً عن النزعة الواسعة للمقاطعة. 

ويلفت الشريفي إلى أن "تمزيق صور المرشحين يعطي انطباعاً للأحزاب بأن طرح البرامج الانتخابية لن يكون مقبولاً هو الآخر، مع عدم توفر قناعة لدى الرأي العام العراقي بأن الانتخابات المقبلة ستنتج تغييراً". 

ويتابع أن "حالة المقاطعة التي تتسيد المشهد الاجتماعي في البلاد جعلت السجالات بين الأحزاب تتصدر المشهد الانتخابي على حساب البرامج الموجهة إلى الرأي العام".

التنافس خلال الانتخابات المقبلة

وبالإضافة إلى كل التفسيرات التي تعلل سبب غياب البرامج الانتخابية، يرى مراقبون أن الأحزاب التقليدية باتت متخوفة من حملات لعرقلة دعايتها الانتخابية من قبل القواعد الشعبية المؤيدة للاحتجاجات العراقية.

وكان النائب عن تحالف "الفتح"، أبو ميثاق المساري، قد أشار خلال حوار متلفز، في أغسطس "آب" الماضي، إلى أن تحالفه "لا يستطيع تعليق صورة واحدة لهادي العامري أو قيس الخزعلي في محافظات الوسط والجنوب"، مشيراً إلى أن احتجاجات أكتوبر "أحرقت الشارع تحت أقدامنا". 

ويقول أستاذ العلوم السياسية، إياد العنبر، إن مشكلة الانتخابات الرئيسة تتعلق بـ"مدى التنافس الذي لا يرتبط بالجمهور، بل إن أغلب القوى السياسية وتحديداً التقليدية تعتبر الانتخابات منافسة بين قطاعاتها وجمهورها وجمهور بقية القوى، وعلى هذا الأساس لا ترتبط الدعاية الانتخابية بوعود ومشاريع بل المراهنة على المصالح الشخصية للجمهور المؤيد". 

ويشير إلى أن الوعود الانتخابية التي تطرح من غالبية الكتل تدلل على "غياب أي برامج سياسية واضحة، وكل ما يجري هو محاولات تحشيد لزبائنهم والجمهور المستفيد من تلك الأحزاب".

ويعتقد العنبر أن مقاطعة الانتخابات باتت تمثل "موقفاً من استمرار حالة الفوضى وعدم إنتاجية الانتخابات".

ومن المرتقب أن تجرى الانتخابات البرلمانية في العراق في العاشر من أكتوبر المقبل، الذي يتزامن مع الذكرى السنوية لاحتجاجات عام 2019، فيما يشارك في الانتخابات أكثر من 3200 مرشح يتنافسون على الفوز بما مجموعه 329 مقعداً برلمانياً موزعة على 83 دائرة انتخابية.

المزيد من تقارير