Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضبابية المشهد تزيد من حدة الأزمة الاقتصادية في تونس

مطالبات بوضع مخطط إنقاذ عاجل لإخراج البلد من نفق الخسائر وحماية مؤسسات الدولة

تعاني تونس من أزمة اقتصادية حادة منذ سنوات عمقتها الأزمة الصحية (رويترز)

تمر تونس بفترة انتقالية حذرة بعد قرار الرئيس قيس سعيد تجميد البرلمان وإقالة الحكومة منذ خمسة أسابيع. وإن ضجّ الشهر المنقضي ومنذ القرار بالأحداث السياسية، فإن ذلك لم يحجب انعكاسات وظلال الأزمة الاقتصادية التي تلقي بثقلها على الواقع التونسي.

وتعاني البلاد أزمة اقتصادية حادة منذ سنوات، عمّقتها الأزمة الصحية. وعلى الرغم من إظهار الرئيس سعيد وعياً ببعض الآفات التي أثرت على المالية العمومية مثل التضخم والاحتكار وتهريب الأموال، معلناً عن حرب ضد الفساد ومتوعداً مختلسي المال العام، رفض الملاحظون على الرغم من استحسانهم لبعض الخطوات، ربط تدهور أداء كل القطاعات الاقتصادية بأزمة عابرة أو جائحة.

وأشار المراقبون إلى أن تقهقر المؤشرات، بل انهيارها في بعض القطاعات، جاء نتيجة خيارات اقتصادية خاطئة طوال عشر سنوات تلت الانتفاضة التونسية، بل يذهب المختصون إلى ضرورة ملحة لإعادة هيكلة الاقتصاد التونسي الذي تحول من منتج وممول للبلاد إلى حمل على المالية العمومية، نتيجة قوانين بالية تتسبب في هروب رؤوس الأموال، وتحيد بالدور الحقيقي للمؤسسات المالية، التي أضحت بنوكاً مقرضة للدولة وغير دافعة لتطوير المؤسسات. كما عبروا عن مخاوفهم من ضبابية المشهد الاقتصادي وعدم طرح برنامج إصلاح عاجل حتى الآن.

الميزانية والاقتراض

تستطيع تونس أن تتجاوز الأزمة الاقتصادية والضائقة المالية الحالية، لكن يشترط انتهاج خط إصلاحي، واتخاذ جملة من القرارات العاجلة لإنقاذ قطاعات عدة، وفق الاقتصادي حسين الديماسي الذي اعتبر أن الوضعية صعبة، لكنها غير مستحيلة التدارك. ويتحتم إدخال إصلاحات على قطاعات معينة. ويعتبر العمل على إعادة هيكلة التخطيط للميزانية في تونس من أهم الملفات، إذ يتحتم تغيير طريقة وضع الميزانية بصفة جذرية بعد انتهاج طريقة خاطئة منذ 10 سنوات، جعلت من ربع ميزانية تونس مستمدة من الاقتراض، وهي أخطاء لم تحدث في تاريخ تونس منذ الاستقلال. ولم تعوّل البلاد على القروض في ميزانيتها في السابق، أي قبل 2011، بل اعتمدت على مواردها الذاتية. وتمثل القروض حالياً 10 في المئة من حجم ميزانية تونس في اتجاه معاكس للخيار الاقتصادي المدر للأموال والمقتصد في النفقات من العملة الصعبة، ما زاد في نسبة المديونية. وتواجه تونس منذ بداية 2021، معضلة تسديد ديون سيادية بلغ حجمها 13 مليار دينار (4.7 مليار دولار). وقد سددت ثلثي هذا الاستحقاق عن طريق الاقتراض من البنوك المحلية، وتعمل على تسديد بقية الاستحقاقات في الأشهر المقبلة.

الجهاز البنكي

كما افتقرت نفقات الدولة إلى الحوكمة الرشيدة، واتسمت بعدم الضغط على المصارف في العقد الأخير. وتحولت الدولة إلى جهاز منفق ومستهلك ومورد لسلع استهلاكية غير مستغلة في الاستثمار وتطوير البنية التحتية.

ولا يضطلع الجهاز البنكي في تونس بوظيفته الأساسية، وهي تمويل المشاريع والمؤسسات، والدفع للاستثمار، وتحولت البنوك التونسية إلى مقرضة للدولة في سعي إلى إنقاذها من الإفلاس، لذا يستوجب استعادة المؤسسات المالية التونسية لدورها لتوفير السيولة لقطاع الأعمال، وهو الشرط الأساسي لإنقاذ الاقتصاد التونسي، فقطاع الأعمال يعاني توقف النشاط منذ مدة بحكم عدم توفر التمويل من قبل البنوك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استثمار معطل

وتتعطل عجلة الاقتصاد في تونس نتيجة توقف الاستثمار، وتبلغ نسبة الاستثمار بالدخل القومي الخام 13 في المئة عام 2021، مقارنة بـ25 في المئة عام 2010، وفق مروان العباسي، محافظ البنك المركزي التونسي.

وتراجعت الاستثمارات الأجنبية بنسبة 28.8 في المئة عام 2020، وبلغ حجم الاستثمارات الخارجية 652 مليون دولار فحسب عام 2020. ولا يستقيم إصلاح اقتصادي من دون استقطاب المستثمرين الأجانب والمحليين، إذ يتوقف الإنتاج من دون ذلك. ويتحتم توفير المحفزات القانونية والمالية لجذب المستثمرين، ويتوفر ذلك بانتهاج إصلاحات تخص الإدارة التونسية والنظام الجبائي والجهاز البنكي، وجميعها مختل.

بينما تتوفر خطة إنقاذ لدى الرئيس قيس سعيد، وفق الديماسي، الذي رأى أن نجاحها رهن بسرعة وحسن اختيار فريق حكومي لتطبيق برنامجها، وقوة شخصية الفريق في إقناع الشركاء الاقتصاديين في الخارج والناشطين المحليين من رجال أعمال.

توتر

ونبه الاقتصادي غازي معلى من خطورة التوتر الذي يخيم على مناخ الأعمال في تونس منذ اتخاذ قرارات بمنع السفر طالت رجال أعمال. وذكر أنه "تم منع عدد كبير من رجال الأعمال التونسيين من مغادرة البلاد. وقد تم إنزال 31 رجل أعمال تونسياً من الطائرة المتجهة إلى دبي مساء أول أمس الجمعة 27 أغسطس (آب)، ولم يتم تقديم أسباب واضحة لهذا المنع بعد شهر من انطلاق تنفيذ هذه القرارت، ما أدى إلى سيطرة شعور بعدم الثقة والخوف وعدم الإحساس بالأمان في أوساط قطاع الأعمال في البلاد".

بينما كان من الأجدى تقديم ملفات الفساد التي ذكرها الرئيس إلى العدالة، وعدم تعميم الإجراء الاحترازي على جميع رجال الأعمال، الذين طاولتهم شبهة الفساد بمثل هذه القرارات، إذ ترتبط هذه التهم بأشخاص معينين، لكنها انعكست على الشركات والمصانع التونسية في الوقت الراهن. فقد سجل معظمها تراجعاً في أرقام أعمالها قدر بـ50 في المئة في الشهر الأخير.

وتمثل هذه التراتيب دافعاً أساسياً لهروب رؤوس الأموال من البلاد، علماً بأن تونس عانت كثيراً من مغادرة المستثمرين الأجانب والتونسيين بسبب سوء الإدارة.

إدارة وجباية طاردة للأموال

وطالما دفعت القوانين التونسية المهترئة والإدارة التي تعاني البيروقراطية والجباية غير العادلة رؤوس الأموال إلى المغادرة.

وتحتاج تونس إلى تطوير قانون الصرف الذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ووضع نصوص قانونية للصرف تشجع على الاستثمار. فالقانون التونسي يمنع فتح حسابات بالعملة الصعبة من قبل تونسيين ولا يساير العصر والعولمة السائدة ويرفض الانفتاح.

كما يتحتم على المشرع التونسي مراجعة مجلة الجباية، إذ تواجه البلاد معضلة الجباية التي لا تمول الميزانية، إضافة إلى أنها غير عادلة، وهي ظالمة للمؤجر والأجير. ويستوجب الوضع المالي الحالي إعادة صياغة المجلة بطريقة تحول الجباية إلى أداء واجب وطني، وتجرم المتهربين من الضرائب والأداءات.

ولا تشذ إدارة الجمارك في تونس عن المنظومة ذاتها، فهي ترزح تحت وطأة البيروقراطية وتفاقم الإجراءات والوثائق المعطلة لمصالح المؤسسات، علاوة على الضرائب والأداءات بأنواعها المفروضة على الموردين للمواد الأولية. وتقف كل هذه العوائق وراء تقهقر نسق الاستثمار وهروب رؤوس الأموال والحيلولة دون الإنتاج. ويحتاج الاقتصاد التونسي إلى بناء هيكلية جديدة تجعله منتجاً مربحاً للدولة ورجال الأعمال على حد السواء وجاذباً للاستثمار الخارجي.

ولن تحقق تونس ذلك بالضبابية التي تعم المشهد السياسي والاقتصادي الحالي، وفي غياب خطة إنقاذ واضحة، وفق معلى، وهي تفتقر حالياً لحكومة تدير الأزمة الاقتصادية وتقود الإصلاحات الضرورية المذكورة، بل لم يتم إقرار ميزانية تكميلية لعام 2021 حتى اليوم. كما لم يقع النظر في الخطوط العريضة لميزانية 2022، بينما اعتادت تونس على عرض مشروع ميزانية السنة الموالية يوم 15 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام على أقصى تقدير.