ترمب يرتد لاحتواء أكبر حرب تجارية وهناك صفقة ما في نهاية المطاف

النزاع الصيني - الأميركي يكبد البورصات العالمية خسائر فادحة


ارتفعت حدة النزاع بين أكبر اقتصادين في العالم إثر الجبهة الجديدة التي فتحها ترمب في إطار معاركه التجارية العالمية (رويترز)

عاشت الأسواق العالمية الأسبوع الماضي أجواء حرب تجارية أميركية- صينية، هي الأكبر منذ دخول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2016، ومع أن الرسائل الانتخابية التي أوصلت ترمب إلى الحكم بُنيت على الحمائية وإغلاق الأسواق والحدود و"أمركة" البضائع والوظائف، إلا أن العام الماضي شهد واحدا من أسرع النزاعات التجارية التي أصبحت تهدّد اتفاقيات التجارة الحرة التي شهدت جولات عدة على مدار أكثر من نصف قرن.

وارتفعت حدة النزاع بين أكبر اقتصادين في العالم على إثر الجبهة الجديدة التي فتحها ترمب في إطار معاركه التجارية العالمية، عندما قرر رفع الرسوم الجمركية على بضائع صينية بقيمة 200 مليار دولار، من 10%  إلى 25%  اعتبارا من يوم الجمعة الماضي. وعلى الفور ردّت الصين بأنها سترفع الرسوم الجمركية على بضائع أميركية بقيمة 60  مليار دولار اعتبارا من 1 يونيو (حزيران) المقبل. 

حلحلة النزاع التجاري

وأدى ذلك إلى انهيار سريع في البورصات العالمية، تقلص في الجلستين الماضيتين مع إرسال ترمب رسائل للسوق بأن هناك حلحلة في الأفق للملف التجاري بين البلدين، مخففا من لهجته التصعيدية بوجه بكين التي أدت إلى تطبيق الرسوم على البضائع المقيّمة بـ 200 مليار دولار، ثم على المتبقي من البضائع البالغ قيمتها نحو 340  مليار دولار.

وتسربت معلومات أمس من البيت الأبيض بأن هناك احتمالا لإرجاء الرئيس الأميركي قراره بخصوص فرض رسوم على واردات السيارات وأجزائها لما يصل إلى ستة أشهر، بحسب ما نقلت "رويترز" عن ثلاثة مسؤولين من إدارة ترمب. ويُنتظر أن يعلن ترمب ذلك للأسواق يوم السبت المقبل.

ردّ صيني غير متوقع

وكان رد الفعل الصيني غير المتوقع قد أدى إلى تعميق أزمة الأسهم الأسبوع الماضي، حيث أظهرت بكين أنها مفاوض غير سهل ولا يلين للضغوط الأميركية. وهناك جيل جديد في الصين يرى أنه بإمكان بكين الصمود أمام أقوى اقتصاد في العالم، وأن هناك تحولات داخل الاقتصاد الذي أصبح يعتمد بشكل متزايد على الاستهلاك الداخلي وليس فقط على التصدير، وإن كان ذلك لا يقارن مع الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر اقتصادا مستهلكا يعتمد على استيراد البضائع من الخارج.

وتستورد الولايات المتحدة ما يعادل 540 مليار دولار من البضائع من الصين، بحسب الإحصاءات الرسمية الأميركية، بالمقابل هناك 112 مليار دولار تصدّرها إلى الصين.

معركة النمو

وأصبحت المعركة التجارية الآن تقوم على أساس أي من الطرفين يمكنه تحمل أكثر اقتصاديّاً وسياسيّاً. ويقول الدكتور إدوارد جوزيف، الأستاذ المساعد في جامعة جونز هوبكنز، إن "ملف التجارة البينية الأميركية الصينية هو أحد مجالات السياسة الخارجية القليلة التي يوجد حولها إجماع أساسي في الولايات المتحدة. بشكل عام، يعتقد الأميركيون أن الصينيين استفادوا بشكل لا داعي له من النظام التجاري الدولي. ولهذا السبب، استمرت إدارة ترمب تضغط على هذا الخط بقوة، رغم أنها تخلت عن نفوذ كبير (في منطقة آسيا والمحيط الهادئ)، عندما خرجت من اتفاقية الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادئ المعروفة ب TPP". وهذه الاتفاقية متعددة الأطراف تهدف إلى إلغاء تدريجي للرسوم الجمركية بين اقتصادات منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لكن ترمب قرر الخروج منها عقب تسلمه السلطة.

الضغوط السياسية

وأظهر النزاع التجاري الذي أحدثه ترمب مع بكين نتائج عكسية، كانت واضحة في انهيار البورصات الأميركية، حيث خصم المستثمرون والصناديق الاستثمارية تكلفة الزيادة في الرسوم الجمركية من أسعار أسهم الشركات التي تُصنع في الصين أو تتخذ من الصين مركزا لتجميع صناعاتها مستفيدة من رخص الأيدي العاملة وضعف العملة الصينية مقابل الدولار الأميركي. كما خصم هؤلاء تلقائيا أسعار أسهم الشركات المصدرة إلى الصين، وعلى رأسها الصادرات الزراعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأحدثت انهيارات الأسهم ضغوطا على فريق ترمب، الذي يخشى من أي تأثيرات سلبية على الاقتصاد قد تؤثر لاحقا على حظوظه في الفوز في الانتخابات المقبلة، وهو ما يفسّر التراجع السريع لإدارة ترمب عن المعركة التجارية وإرسالها إشارات للسوق بأن هناك اتفاقا في الأفق. وهذه الضغوط الانتخابية غير موجودة لدى الصين كما هي في الولايات المتحدة، وإن كانت بكين تعاني أيضا من تباطؤ النمو الاقتصادي. 

وكانت تحليلات رأت أن كلا الطرفين سيعانيان بشكل أو بآخر، وأنه ليس من مصلحتهما الذهاب قدما في الحرب التجارية، لأنها ستؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض النمو الاقتصادي للبلدين.

وقال بنك سوسيتيه جنرال إنه "إذا استمرت الحرب الجارية حاليا بين الطرفين، فإن نمو الناتج المحلي للصين سينخفض بنسبة 0.5% وفي الولايات المتحدة بنسبة 0.25% وفي العالم بنسبة 0.15% ".

لكن الدكتور جوزيف يوضح "في الوقت الحالي، تمنح العوامل الاقتصادية واشنطن ميزة على بكين، التي تواجه مجموعة من الضغوط، بما في ذلك تباطؤ النمو، والإنتاج الزائد، والمشكلة الديموغرافية الهيكلية".

ويتوقع الدكتور جوزيف أن يتوصل الطرفان إلى "صفقة ما في نهاية المطاف، وإن كانت غير كافية (لحل النزاع)".

تأثير التعريفات

ويرى جوزيف أن "معظم الشركات الأميركية العاملة في القطاعات التي تتأثر بالتعريفة قد تضررت، وأبرزها المنتجون الزراعيون الذين يصدرون عادة إلى الصين".  وتقارب الصادرات الزراعية من الولايات المتحدة إلى الصين نحو 23 مليار دولار كما في نهاية العام 2017، تشكل نحو 17% من صادراتها بحسب إحصاءات حكومية.

وتتضمن الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية أجهزة "مودم" و"راوتر" للكمبيوترات ولوحات دوائر إلكترونية مطبوعة وكيماويات ومواد بناء وأثاث، حسب إحصائية أعدتها "رويترز". وكان قد تم فرض رسوم جمركية على هذه البضائع بنسبة 10% في 24 سبتمبر (أيلول) 2018 ردا على رد انتقامي صيني.

أما الصين فستفرض الزيادة في الرسوم الجمركية على منتجات عدة، بينها الغاز الطبيعي المسال وزيت الصويا وزيت الفول السوداني والبتروكيماويات ومستحضرات التجميل. وستشهد منتجات أخرى رسوما جمركية بنسب تتراوح بين 5 و20%.

لكن جوزيف لا يعتقد أن "هذه التعريفات والتدابير المضادة سيكون لها تأثير هائل على التضخم والاستهلاك"، علما بأن هذا أمر يخيف المستهلك الأميركي من أن ترتفع فاتورة البضائع، ما سيخفض الاستهلاك ويضعف الاقتصاد تباعا.

أين ستصل المباحثات؟

وكانت المباحثات بين الطرفين الأميركي والصيني تعطلت بسبب عدم امتثال بكين لمطالب الولايات المتحدة بتغيير سياساتها المتعلقة بحماية الملكية الفكرية والسرقة التكنولوجية وتعويم اليوان.

وتستفيد الشركات الصينية حاليا من إمكانية نسخ وتقليد الأفكار والتجارب التكنولوجية ذات المصدر الأميركي من دون دفع ثمن لهذه الحقوق الفكرية. وهناك أيضا استفادة من الحكومة الصينية التي تدعم هذه الشركات بشكل أو بآخر. لكن بكين تنفي دائما هذا الأمر. أضف إلى ذلك، تعاني الولايات المتحدة عجزاً تجارياً هائلاً مع الصين، وصل في 2017 إلى 375,2 مليار دولار.

ويقول دكتور جوزيف إن المباحثات الآن "قد تؤدي إلى بعض التقدم في إصلاح الخلل التجاري، مع موافقة الصين على استيراد المزيد من السلع الأميركية وجعل أسواقها بشكل عام أكثر سهولة". أما فيما يتعلق بالملكية الفكرية، فيرى جوزيف أنه "قد يكون هناك بعض التقدم، وإن كان ذلك الاحتمال أقل". أما فيما يتعلق بالتغييرات الهيكلية في الطريقة التي تدير بها الصين اقتصادها المحلي وتتدخل فيه، "فمن غير المرجح أن تشهد تقدماً كبيراً"، بحسب جوزيف.

أما العملة الصينية، فقد رصدت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن اليوان واجه أسبوعا هو الأسوأ منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بسبب الحرب التجارية الدائرة، حيث تتداول قيمة العملة بارتفاع 2.5% مقابل الدولار لتصل إلى 6.9 يوان لكل دولار مقتربة من الحاجز النفسي عند 7 يوان للدولار. وتستفيد الصين من ضعف اليوان مقابل الدولار، حيث يؤدي اليوان الضعيف إلى زيادة صادراتها وقدرتها على جذب الاستثمارات بالدولار الأميركي، لذا فإن ارتفاع العملة الصينية ليس من مصلحة بكين.