Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا انهارت دفاعات الحكومة الأفغانية ضد "طالبان" بسرعة؟

نقاط ضعف منهجية في الجيش وفساد حكومة الرئيس فجرا اليأس والتذمر

أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ عام 2001 أكثر من 83 مليار دولار لتطوير قوات الجيش والأمن الحكومية في أفغانستان وتدريبها وتسليحها، لكن ذلك لم يمنع من سقوط عواصم إقليمية أفغانية الواحدة تلو الأخرى كقطع الدومينو في يد حركة "طالبان"، منها أربع مدن سلمتها القوات الحكومية طوعاً من دون قتال. فما السبب وراء ما حدث من وجهة نظر الأميركيين؟ وهل يكمن السر في فشل تدريب القوات الحكومية أو ضعف تسليحها، أم في حكومة الرئيس أشرف غني وما يتردد بشأنها من فساد وسوء إدارة؟

علامات الانهيار

أثار التقدم السريع لحركة "طالبان" وسيطرتها على مزيد من المدن والأراضي الأفغانية العديد من التساؤلات في الأوساط العسكرية والسياسية الأميركية، بشأن إذا ما كانت جهود الولايات المتحدة لتحويل الجيش الأفغاني إلى قوة قتالية قوية ومستقلة قد باءت بالفشل، أم أن الجنود الحكوميين الذين استسلم بعضهم لـ"طالبان" وقاوم عدد قليل منهم، شعروا بتخلي قادتهم عنهم؟

كانت قوات الأمن الأفغانية في حال انهيار كامل خلال الأيام القليلة الماضية، فقد سقطت أكثر من 15 مدينة تحت ضغط "طالبان" الذي بدأ في مايو (أيار) الماضي، وأسفر الهجوم السريع عن استسلام جماعي لقوات الرئيس غني، واحتجاز طائرات هليكوبتر ومعدات عسكرية وأمنية بملايين الدولارات قدمتها الولايات المتحدة للحكومة الأفغانية على مدى 20 عاماً ضمن برامج مساعدات تجاوزت قيمتها 83 مليار دولار، وشملت العديد من الأسلحة والمعدات وتكاليف التدريب.

وكان بناء جهاز الأمن الأفغاني أحد العناصر الرئيسة في استراتيجية إدارة باراك أوباما، التي سعت لإيجاد طريقة لتسليم مسؤولية الأمن إلى الحكومة الأفغانية، ومن ثم مغادرة البلاد منذ نحو عقد من الزمان، وأفرزت هذه الجهود جيشاً أفغانياً على غرار الجيش الأميركي، كان من المفترض أن يصمد في وجه هجمات "طالبان".

نقاط الضعف

لم يبدأ انهيار الجيش الأفغاني الأسبوع الماضي، فقد لوحظ للمرة الأولى قبل أشهر مع تصاعد حجم الخسائر في صفوفه، حتى قبل إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن أن الولايات المتحدة ستنسحب بالكامل في 11 سبتمبر (أيلول) المقبل، فقد بدأ الأمر ببؤر منفصلة داخل المناطق الريفية حين حاصر مقاتلو "طالبان" وحدات الشرطة والجنود الحكوميين الذين نفدت منهم الذخيرة وكانوا يتضورون جوعاً، ووعدوهم بالمرور الآمن إذا استسلموا وتركوا معداتهم لـ"طالبان". ما منح الحركة قدرة أكبر كل يوم على تحقيق مزيد من السيطرة على الطرق والمعابر الحيوية، ثم مناطق بأكملها.

وحتى قبل ذلك الوقت، كانت نقاط الضعف المنهجية واضحة داخل القوات الحكومية الأفغانية التي بلغ عددها نظرياً أكثر من 300 ألف شخص، ولكن في الأيام الماضية بلغ مجموعها نحو سدس هذا العدد فقط (نحو 50 ألفاً) بحسب مسؤولين أميركيين. ويمكن إرجاع أحد أوجه القصور هذه إلى إصرار الغرب على بناء جيش حديث بالكامل مع كل التعقيدات اللوجستية والإمدادات الحديثة، التي أثبتت الأحداث الأخيرة أنها غير قادرة على الاستمرار في غياب الولايات المتحدة وحلفاء "الناتو".

استياء وتذمر

وفيما كان المسؤولون الحكوميون يغضون الطرف في إطار من السرية الممزوجة بالفساد عن أن العدد الحقيقي للقوى البشرية للقوات الأفغانية كان أقل بكثير مما كان مدوناً على الورق في السجلات، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها من كابول أن عدداً من القادة العسكريين عبروا عن شعورهم بالاستياء والتذمر لعدم وصول إمدادات الغذاء إليهم على أحد خطوط المواجهة في قندهار التي تعد ثاني أهم مدينة في البلاد، وأنهم كانوا يعانون من الإرهاق والضعف. ما زاد الاعتقاد في صفوف القوات الحكومية أن القتال من أجل حكومة الرئيس غني، لا يستحق التضحية أو الموت من أجله.

وعندما بدأت أشهر الهزائم بسقوط مقر قيادة الفرقة 217 بالكامل في يد "طالبان" قرب مدينة قندوز، وانتشرت على الإنترنت صور طائرة هليكوبتر قتالية وأخرى أميركية مسيرة استولت عليها "طالبان"، بالإضافة إلى صفوف من العربات المدرعة، ردد الجنرال عباس تواكولي، قائد الفرقة، مشاعر استياء مماثلة تجاه السياسيين والبرلمانيين في كابول. وقد اتهمهم بالمساهمة في إشعال نيران التوتر والخوف التي أطلقها العدو في الأساس، معتبراً أن سقوط الأراضي بيد "طالبان" كان نتيجة لحرب نفسية وليس نتيجة لخسارة معركة قتالية.

تبديل الولاءات

كما تذمر الطيارون الأفغان من أن قياداتهم تهتم بحالة الطائرات أكثر من اهتمامها بالأشخاص الذين يقودونها، على الرغم من علمهم بحملة الاغتيالات التي تنفذها ضدهم حركة "طالبان". أما قوات النخبة (الكوماندوز)، التي تتشبث بالأراضي التي لا تزال تحت سيطرة الحكومة، فتُنقل على عجل من مقاطعة إلى أخرى، من دون هدف واضح، ما جعلها تعاني من قلة النوم.

وحتى الميليشيات المتحالفة عرقياً مع الحكومة، التي برزت كقوات قادرة على تعزيز قدرات الجيش، فقد استسلمت هي الأخرى مع تبديل الانتماءات والولاءات، إذ سقطت عاصمة إقليمية في شمال أفغانستان، كان من المفترض أن تدافع عنها قوة هائلة تحت قيادة عبد الرشيد دستم، نائب الرئيس الأفغاني السابق الذي نجا من 40 عاماً من الحرب عن طريق إبرام الصفقات وتبديل الولاءات. كذلك استسلم زعيم حرب آخر هو محمد إسماعيل خان لقوات "طالبان"، بعدما قاومها لأسابيع في غرب أفغانستان.

مدى قوة "طالبان"

وفي ظل هذا التفكك والانهيار لقوات الجيش الأفغاني، تبقى قوة حركة "طالبان" موضع تساؤل، إذ تشير التقديرات الرسمية من فترة طويلة إلى أن عدد مقاتليها يتراوح ما بين 50 و100 ألف مقاتل، لكن المسؤولين الأميركيين يقدرون أن أعداد "طالبان" تضخمت بسبب تدفق المقاتلين الأجانب عليها وحملة التجنيد التي تقوم بها في الأراضي التي استولت عليها. فيما يشير خبراء آخرون إلى أن "طالبان" اكتسبت الجزء الأكبر من قوتها من باكستان المجاورة التي تساند الحركة منذ سنوات.

الفساد وعدم الكفاءة

ويرى عدد من الخبراء السياسيين والعسكريين الأميركيين والأفغان، في تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي"، أن الخطأ الذي أدى إلى انهيار القوات الأفغانية وخسارتها غالبية الأراضي لا يكمن في التدريب أو المعدات المقدمة لأفغانستان، فهناك مقاتلون جيدون والقوات الخاصة عالية الكفاءة مثل أي قوات أخرى، لكن أسباب الفشل الذريع تنبع من حكومة الرئيس الأفغاني غني، إذ تشتهر وزارتا الدفاع والداخلية بالفساد وعدم الكفاءة، والافتقار إلى القيادة والمصلحة الذاتية.

وعلى سبيل المثال، فإن أفراد الشرطة الأفغانية الذين سُلحوا ويقاتلون على الخطوط الأمامية لم يحصلوا على رواتبهم منذ شهور من وزارة الداخلية. والأمر نفسه ينطبق على وزارة الدفاع، ولم يزود الجنود والشرطة بالطعام الكافي أو الماء أو الذخيرة أو الأسلحة، إذ سُرقت خطوط الإمداد، وبيعت أسلحة وذخائر ومعدات أخرى في السوق السوداء، ووصل جزء كبير منها إلى "طالبان". ما أدى إلى تخلي العديد من جنود الجيش والشرطة عن مواقعهم للعودة إلى الدفاع عن عائلاتهم وممتلكاتهم في أقاليمهم.

جمهورية الثلاثة

وتقول مصادر أخرى لمجلة "فورين بوليسي" إن الرئيس غني نفسه يعاني من جنون العظمة، الذي أدى إلى اتخاذه قرارات سيئة تهدف إلى تعزيز سيطرته المركزية على الحكم، إذ يعزل ويغير بمعدل ينذر بالخطر كبار المسؤولين بمن فيهم وزيرا الدفاع والداخلية وحكام المناطق ورؤساء الشرطة، في وقت تجري فيه منذ سنوات عمليات اختلاس وغسل أموال لمبالغ طائلة من حساب الخدمات المدنية والصحة والتعليم والأمن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علاوة على ذلك، يشير كثيرون في أفغانستان إلى أن الرئيس غني حكم "جمهورية الثلاثة"، في إشارة إلى ثلاث شخصيات فقط تدير دفة الحكم، وهم الرئيس نفسه ومستشاره للأمن القومي حمد الله محب، ورئيس مكتب الرئيس فضل محمود فضلي، وجميعهم قضوا فترات طويلة في الخارج، ويحملون جوازات أجنبية إضافية. كما أن شرعية الرئيس في ولايته الثانية مشكوك فيها بسبب عمليات الفساد التي شابت الانتخابات الرئاسية عام 2020، إضافة إلى أن السياسات التي يتبعها شديدة التمييز، ومسببة للانقسام، وضيقة الأفق، ما أدى إلى حالة انفصال واسعة بين الحكومة والشعب الأفغاني.

أمل أخير

لكن، حتى وسط ما يمكن أن يكون استسلاماً كاملاً من جانب الحكومة الأفغانية وقواتها، لا تزال هناك قوات تقاتل "طالبان"، وهناك رهانات لا تزال معقودة على قوات النخبة من الكوماندوز لتوقف زحف الحركة نحو العاصمة كابول، بالإضافة إلى الضربات الجوية التي تسهم فيها القوات الأميركية ضد مقاتلي "طالبان"، بما يعزز موقف الحكومة في محادثات السلام مع "طالبان"، التي استؤنفت الأربعاء الماضي، على الرغم من أن البعض غير متفائل بتقديم "طالبان" أي تنازلات بسبب تقدمها السريع والساحق خلال الأيام الماضية، الذي جاء مخالفاً توقعات عدد من المحللين في الاستخبارات الأميركية، إذ توقعوا سقوط الحكم في كابول خلال ستة أشهر بعد انسحاب القوات الأميركية وقوات "الناتو" من البلاد.

المزيد من تقارير