Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطماع الانفصال في اليمن: "ريموت الكفيل"!

ثلاث دعوات حديثة متبوعة باستفتاءات تقسيم في الشرق الأوسط وأوروبا انتهت جميعها بالفشل

حمى الانفصال إذا بدأت قد لا تتوقف عند اليمن (أ.ب)

ملخص

إن تقسيم السودان مجدداً اليوم يعني فتح الباب أمام تقسيم اليمن وسوريا وغيرهما، بما يرسم مزاجاً عاماً للتقسيم في المنطقة، ويمنح الذريعة لتدخلات أخرى بالعنوان ذاته. 

وليس من قبيل المصادفة أن تحركات القوات الخارجة عن الشرعية في السودان واليمن تتركز في مناطق الثروات الطبيعية؛ فبدون السيطرة على هذه المناطق، لا تمويل للصراع، ولا قدرة على الصمود اقتصادياً من دون وجود "كفيل" وموجّه يدفع المال ويصدر الأوامر.

قبل نحو 11 عاماً من الآن، وفي العصر القريب لا التاريخ البعيد، ظهرت ثلاث دعوات انفصال متبوعة باستفتاءات تقسيم، واحدة في الشرق الأوسط، واثنتان في أوروبا. انتهت الثلاث جميعها بالفشل.

أولى هذه المحاولات كانت في اسكتلندا، التي رأت أنها مختلفة ثقافياً وتاريخياً عما تبقى من المملكة المتحدة، إنجلترا وشمال إيرلندا وويلز. عزز هذه النزعة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

بدأ استفتاء الانفصال، وكانت الصفحات الأولى للصحف البريطانية والمجلات تعنون باقتراب انفصال اسكتلندا.

رئيس الوزراء الاسكتلندي آنذاك أليكس سالموند ونائبته نيكولا ستارجن اعترفا بالهزيمة، بعدما صوت 55 في المئة من الاسكتلنديين على البقاء ضمن بريطانيا. لكن حكومة داونينغ ستريت لم تتشفَ، بل وعدت بتوسيع سلطات حكومة أدنبره.

فتحت هذه الخطوة شهية الكتالونيين في إسبانيا، فهم يرون أنهم منفصلون ثقافياً واجتماعياً عن مدريد. تم الاستفتاء ونزلت تظاهرات حاشدة، وكانت الأصوات لمصلحة الانفصال والاستقلال، لكنه واجه حملة قانونية شرسة وعدم اعتراف أوروبي ودولي أدى لسجن قادة الاستفتاء وإنهاء أحلامهم.

في كردستان العراق، كان مسعود بارزاني يتمتع بشخصية قوية، يحرك الجماهير وتقف معه في أي تحرك. بارزاني القائد المناضل والرمز للأكراد، حاول الزج بهذه الكاريزما والجماهيرية في استفتاء للاستقلال.

كان ابن الجبل الكردي يعتقد أنه سيحصد الفوز، وكانت بغداد وطهران وأنقرة، تترقب النتيجة، كي تتحرك في الاتجاه المناسب. فشل الاستفتاء واستقال بارزاني، وانتهت هالة الشخصية المناضلة التي تحرك الجماهير بكلمة وإشارة. وكان أثر خيبة أمله لا تخطئها العين يوم قابلته في دارته بكردستان بعد ذلك بنحو عامين.

ما حصل مع أكراد العراق لا نراه يتكرر مع أكراد إيران ولا تركيا ولا سوريا، حيث يطالب هذا المكون الأساسي بالديمقراطية والحقوق ضمن حدود الدول- إلى حد كبير- من دون التركيز على الانفصال.

وكان توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي اتفاقا في الـ11 من مارس (آذار) الماضي- بعد سقوط نظام الأسد- لدمج المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية خير دليل على ذلك. على رغم ما يتردد عن تحريض قوى بعينها "قسد" على الانفصال ولو في ثوب الفيدرالية.

في العالم العربي، نجح جنوب السودان وحده في الانفصال عام 2011، لكنه لم يأت وليد اللحظة، ولو لم يتبنَ اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية قضية جنوب السودان، لاستمر بحكم ذاتي من دون انفصال عن السودان. فشلت الحكومات التي حكمت الخرطوم تباعاً في احتواء أهالي الجنوب، واستمرت المناوشات والحروب لأكثر من 50 عاماً. الدعم الدولي وتحديداً دعم واشنطن وتبنيها هذه القضية هو ما عجل بالانفصال والاعتراف الدولي.

اليوم، يحاول "الدعم السريع" بدعم من دولة خليجية مثلاً، فرض واقع سياسي وعسكري، ممولاً ومسلحاً بالطائرات المسيرة والعتاد الثقيل، ليس لحكم السودان ككل، بل لاقتطاع ما يمكن اقتطاعه والإبقاء عليه.

هذا السلوك دفع لتقارب سعودي – مصري في ملف السودان، فما يحدث ليس تهديداً للحكومة المعترف بها دولياً في الخرطوم، بل للأمن القومي المصري والسعودي، والعربي عموماً.

ما رفضته الرياض والقاهرة في السودان، ترفضانه في اليمن، فالمجلس الانتقالي اليمني الذي حاولت السعودية احتواء تهوره بضمه لمجلس القيادة الرئاسي، تحول لخنجر يراد به طعن أهل اليمن قبل أن يكون طعناً للسعودية. لا يتعظ رئيس الانتقالي عيدروس الزبيدي من دروس التاريخ، ولا شواهد الاستفتاءات والانفصالات في التاريخ الحديث ولا في ما مضى من زمن، لم تنجح تجاربها مع قادة تاريخيين مثل برزاني مشهود لهم بالنضال والصدقية، فكيف بشخصية مثل الزبيدي طارئة على المشهد، تحاصره الشبهات من كل جانب؟!

تقسيم السودان مجدداً اليوم يعني تقسيم اليمن، وسوريا... وسواهما يعني رسم مزاج عام للتقسيم في المنطقة، وجعله ذريعة لتدخلات أخرى للتقسيم. ليبيا تحولت إلى حكومتين لمدة 10 أعوام، ثم اختارت الوحدة الوطنية في 2021 وتشكيل حكومة وحدوية بالاتفاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليس مصادفة أن تحركات القوات الخارجة عن الشرعية في السودان واليمن، هي في مناطق ثروات طبيعية، فمن دون السيطرة على هذه المناطق، لا تمويل للصراع، ولا يمكن الصمود اقتصادياً من دون وجود "كفيل" وموجه، يدفع المال ويصدر الأوامر.

"الانتقالي" في اليمن ليس جنوب اليمن، بل حركة مسلحة ضمن عدة حركات، دخل حضرموت بالقوة وتم إخراجه بالقوة، واستهدافه حضرموت والمهرة بسبب الثروات الطبيعية النفطية والبحرية وغيرها، فعدن مركز عمليات لوجيستي، لكنه ضعيف اقتصادياً مقارنة بعدة محافظات.

وإذا كان التقسيم لا بد منه في اليمن، فلماذا الإصرار على حضرموت والمهرة، ولماذا لم تطرح فكرة تقسيم اليمن لأكثر من يمنين؟ ونعود بالتاريخ لما قبل وحدة اليمن وعصر سلاطينها، وزمن السلطة القطيعية والكثيرية، التي أُدخلت تحت سيطرة اليمن الجنوبي بالقوة.

أسوأ أنواع النعرات الانفصالية تلك التي تأتي بإملاءات خارجية لأن ما يأتي من الخارج مشفوع دائماً بمصالح وأطماع لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح أبناء الأرض والوطن الواحد.

الأمر الثاني الذي تغفله الدول التي تتدخل لوقوع انفصال، هو أن بصمات التدخل وآثارها تبقى في الذاكرة الجماعية للشعوب المستهدفة على مر الزمن، ولن تنسى هذه التدخلات وتراكماتها.

وحدة الأراضي العربية أهم من عنتريات الميليشيات ومموليها، وما يبدأ اليوم لن ينتهي غداً.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء