Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان يحاول اللعب بتونس أيضاً

الرئيس التركي تمدد بعلاقاته مع الإخوان وسائر تيارات الإسلام السياسي تحت غطاء "الخلافة"

إجراءات قيس سعيد أربكت حسابات أردوغان بعدما وطد الأخير علاقاته بتيارات الإسلام السياسي في تونس  (أ ف ب)

قد يجد القراء عنوان مقالتي مبالغاً فيه، وقد يستبعدون علاقة أردوغان بتونس، ولكن الحقيقة هي أن هذه المشكلة بدأت منذ عام 2010 عندما اعتبرت حكومةُ حزب العدالة والتنمية جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط وكأنهم أعضاء في حزبها وحاولت التحكم فيهم، بل تمت دعوتهم إلى اجتماعات الجمعية العامة للحزب وشاركوا فيها. ومما يؤكد ذلك تصريحات منظري الحزب ومقالاتهم التي يرددون فيها كثيراً مدى علاقتهم بالأحزاب المرتبطة بالإخوان.

منها على سبيل المثال ما كتبه برهان الدين دوران رئيس SETA (مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية) ومستشار الرئيس أردوغان في مقالته المنشور في جريدة "صباح" 24 مايو (أيار) 2016 بعنوان "أيهما هو النموذج: حزب النهضة أم حزب العدالة والتنمية؟" أشاد فيه بدور الغنوشي المهم، وصرح فيه بمدى وثوق العلاقة والتفاعل بين الحزبين، وكيف أن حركة النهضة تأثرت بتجربة حزب العدالة والتنمية كنموذج ناجح وملموس، وهناك أمثلة كثيرة من هذا القبيل أتركها تجنباً للإطالة.

كما تعلمون، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد أخيراً أنه قام بإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي، وتجميد صلاحيات البرلمان لمدة شهر، وتعليق حصانة النواب، وأنه سيتولى السلطة التنفيذية. وقال سعيد الذي تولى مهمة النائب العام أيضاً للكشف عن ملفات الفساد، إن بعض الجماعات كانت تجمع الأموال لإشعال فتيل حرب أهلية.

لقد علمتُ، مثل أشخاص آخرين غيري، أنه بهذا البيان قام بتوجيه تحذير واضح للغاية إلى حركة النهضة، التي هي امتداد لجماعة الإخوان المسلمين في تونس، وقد شهدت بلاده في الأيام الأخيرة أكثر من 10 آلاف احتجوا على أداء الحكومة والتعبير عن المطالبة بفتح فرص عمل، والتنمية على غرار تلك التي شهدتها عام 2011 عندما وقعت الثورة. 

وورد أن حوالى 8 آلاف من هذه الاحتجاجات لم يكن لها أي أساس سياسي أو أيديولوجي، وأن الظروف المعيشية كانت الدافع الرئيس وراءها. كما أفادت التقارير أنه كان هناك ما يقرب من 3 آلاف حدث مجتمعي في البلاد هذا العام. كما تسبب تراجع مؤشر القوة الشرائية لتونس في عام 2020 إلى 245 دولاراً، بينما كانت 345 دولاراً في عام 2010، مما تسبب في حال من عدم الرضا داخل البلاد.

جانب آخر من الموضوع وهو أن البطالة ارتفعت إلى 17 في المئة ومعدل الفقر إلى 20 في المئة، كما أن الحكومة فشلت في مواجهة جائحة "كوفيد-19"، وانتهى عام 2020 بانكماش اقتصادي بنسبة 8.8 في المئة. وشهد البلاد أكثر من 10 تغييرات حكومية في العقد الماضي. وكل هذه الإخفاقات تقريباً كان لحركة النهضة إسهام فيها بطريق مباشر أو غير مباشر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا أستبعد أن يكون من قرائي من يستاؤون من سردي لكل هذه الأرقام وربما يعتبرون ذلك من باب المبالغة، ولكنهم قد يعذرونني إذا قلت لهم إنني أخذت كل البيانات من وكالة الأناضول التي هي تحت السيطرة الكاملة لعناصر الإسلام السياسي، أي حلفاء النهضة في تركيا.

ولكن القضية المهمة التي أريد التركيز عليها هي البحث عن التحالف الضمني بين أردوغان وجماعة الإخوان وامتداداتها، ومدى تأثير الوضع الأخير في تونس على أردوغان؟

لقد كان أردوغان يتابع علاقاته مع الإخوان، بل وسائر الحركات الإسلامية خارج البلاد، من خلال فريق يترأسه كبير مستشاريه ياسين أكتاي، ويقوم هذا الفريق بالتسويق والترويج لأيديولوجية أردوغان في العالم الإسلامي من طريق أفراد حركة الإخوان ومنابرهم الإعلامية. وتمت الاستعانة بهم في تجميع أسراب من الميليشيات ونقلهم إلى سوريا وليبيا وحتى كاراباخ. وعندما خف إيقاع الحروب أعيدت بعض هذه الميليشيات إلى بلدانها ومعها الكثير من الدولارات في جيوبها. ومن بين هذه الدول تونس أيضاً. وتم تنظيم هؤلاء الأشخاص الذين ذكرتُهم من خلال جمعيات خيرية في حي الفاتح بإسطنبول، وما زالت تلك الجمعيات ناشطة على قدم وساق.

وبهذه الطريقة تم توريط ممثلي الإخوان المسلمين في تجنيد عصابات مسلحة في الشرق الأوسط من قبل أردوغان وفريقه، وتلقى العديد من الشباب العرب الجامعيين التدريب في البلدان المذكورة أعلاه وفي مسقط رأسهم من خلال الفروع الشبابية التابعة لحزب العدالة والتنمية أو بعض ما يسمى بالجمعيات الخيرية، ولقد شاهدت هذا بنفسي في مصر، وتأكدتُ من مصادري الخاصة أنهم استخدموا الطريقة نفسها في تونس أيضاً، حتى إنني أعرف أن الرئيس رجب طيب أردوغان كان يتخذ قرارات لتصل إلى زعيم النهضة رشيد الغنوشي ليقوم بتنفيذها في تونس. وهل من المتوقع ألا تطلع الدولة التونسية والدول العربية الأخرى ما يعرفه صحافي مثلي؟ بالطبع، هي تعرف أكثر من ذلك.

وإذا كنت يا غنوشي تتصرف كممثل لأردوغان في تونس، وليس كحزب تونسي، فسيكون هناك عدد كبير من الناس غير مرتاحين لهذا الأمر. وبطبيعة الحال ستسألك الجماهير، لماذا تروج لهراءات أردوغان التي تنادي بـ"الخلافة" أو "إحياء العثمانية الجديدة"، بينما يعاني بلدك هذا الكم الهائل من المشكلات السياسية والاقتصادية؟ ولقد اندهش أنصار أردوغان وحزب العدالة والتنمية من التطورات في تونس أخيراً.

أردوغان الذي خابت طموحاته في مصر والسودان أخفق في تونس أيضاً، ولم يبق لديه سوى ليبيا فقط، بل هي الأخيرة لم تعد مضمونة له.

لقد علمتنا التجارب على مدى العقد الماضي أنه على الرغم من أن الإسلام السياسي يحاول أن يبدو لطيفاً تحت ستار الديمقراطية، إلا أنه يمتلك أجندة فكرية هي أقرب إلى التشدد، كما أنه يشكل أرضية تتيح مأوى آمناً لمن يحملون أفكاراً إرهابية عنيفة.

واستغل أردوغان هذا الوضع واستفاد منه كاملاً ولا يزال. صحيح أننا أصبحنا نسمع أخيراً من بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في إسطنبول عبارات من أمثال "خذلنا أردوغان"، وأقول إنه سيأتي وقت يتمنون فيه مجرد الوقوف عن حد الخذلان، لأن الأدهى من ذلك، أنه ورط أبناءهم في العمليات الإرهابية، وكنت أود أن أقول شيئاً عن مستقبل الإسلاميين السياسيين في تركيا، لكن بما أن المقالة ستطول، فسأحيله إلى مقالة أخرى.

المزيد من تحلیل