وفاة البطريرك صفير... رأس حربة السيادة وعراب المصالحة بين اللبنانيين

رفض باستمرار زيارة دمشق ولم يرافق البابا يوحنا بولس الثاني إلى هناك

أطلق مجلس المطارنة الموارنة برئاسته ما عرف بـ "نداء الألفين" المطالب بالانسحاب السوري من لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

تُوفي البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير فجر الأحد 12 مايو (أيار) عن عمر 99، وهو شخصية دينية لعبت دوراً محورياً في تاريخ لبنان الحديث، وكان رأس حربة في مواجهة الوجود السوري الذي تحكّم بالحياة السياسية اللبنانية على مدى سنوات طويلة. البطريرك صفير، فصيح اللسان، عفويّ، وصاحب تعليقات ظريفة ومقتضبة، مدرّس اللغة العربية والفلسفة في شبابه، علامة فارقة في تاريخ الكنيسة المارونية ولبنان منذ انتخابه بطريركاً في 19 أبريل (نيسان) 1986 وحتى استقالته العام 2011. وأعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري "الحداد الوطني" يومي الأربعاء والخميس المقبلين، وأمر بتنكيس الأعلام، كما أعلن يوم الخميس، وهو يوم تشييع جثمان البطريرك، يوم عطلة رسمية.

حياة حافلة
 

جعلته سنوات حياته التي قاربت الـ 100 على تماسٍ مع حقبات مفصليّة عدة، إذ سيم كاهناً في العام 1950 وكان في الـ 30 من عمره، بعد سنوات من استقلال لبنان. أمضى 25 عاماً بطريركاً في مرحلة شهدت سلسلة نزاعات وأزمات سياسية متلاحقة، بينها السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية (1975-1990)، وصولاً إلى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وتداعيات ذلك على الساحة السياسية.

وكان صفير رأس الطائفة المارونية، الطائفة الأبرز مسيحياً في لبنان، والتي ينتمي إليها رئيس جمهورية لبنان.

الغطاء لاتفاق الطائف

ومع ذلك، منح الغطاء المسيحيّ لإبرام اتفاق الطائف في السعودية العام 1989، الذي وإن قلّص صلاحيات الرئيس، لكنه وضع حداً للحرب الأهلية التي كان آخر فصولها نزاعاً دامياً بين المسيحيين دانه البطريرك بشدة وأكد مراراً أنه أضعفهم في لبنان، وكان يدرك أنّ الاتفاق ليس مثالياً، لكنه كان مصراً على إنهاء الحرب. وأثار توجهه هذا ودعمه انتخاب الرئيس الأسبق رينيه معوض في العام 1989 مواقف ضده، مع معارضة رئيس الحكومة العسكرية حينها ميشال عون، الرئيس الحالي للبلاد، تطبيق الطائف، وتوجّه متظاهرون مسيحيون غاضبون إلى مقر البطريركية شمال بيروت، وتعرضوا له بالإهانات.
وشكّلت بكركي في عهد صفير منذ أوائل التسعينات وجهة مسؤولي وكوادر التيارات المسيحية المعارضة حينها للهيمنة السورية، بينما كانت قياداتها مشتّتة، مع سجن أحد قادتها رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، ووجود عون والرئيس الأسبق أمين الجميل في المنفى في باريس، وتعرّض مناصريها وطلابها للقمع والاعتقال في ظلّ النفوذ السوري.
واعترض صفير على قوانين الانتخاب التي اعتُمدت بإيعاز سوريّ بعد الطائف، معتبراً أنها تُلحق الغبن بالمسيحيين، فقاطعوا الانتخابات العام 1992.

نداء الألفين

في العام 2000، وفي خضم النفوذ السوري، أطلق مجلس المطارنة الموارنة برئاسته ما صار يعرف بـ "نداء الألفين"، الذي طالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان بعد حوالي 30 سنة من وجوده. ورعى حتى استقالته معارضة هذا الوجود والتي تُوّجت في العام 2005 بخروج الجيش السوري من لبنان إثر اغتيال الحريري.

وعارض بشدة في العام 2004 سعي دمشق إلى تمديد ولاية الرئيس الأسبق إميل لحود، وقال رفيق الحريري الذي كان انضمّ إلى معارضي الوجود السوري في حينه "كلام البطريرك هو بطريرك الكلام". لكن صفير عارض لاحقاً رغبة فريق "14 آذار" المناهض لسوريا إسقاط لحود في الشارع، مصرّاً على احترام مؤسسات الدولة ومقام الرئاسة.

ويقول أنطوان سعد، كاتب سيرة البطريرك صفير "معركته الأكبر كانت إنهاء الوجود السوري في لبنان، وهو أمر كنّا نظنّه مستحيلاً بسبب الانقسامات اللبنانية، لكنه عمل عليه بشكل منهجيّ وموضوعيّ ودقيقٍ وهادئ"، ويضيف "قاوم الوجود السوري والهيمنة السورية بطريقة سلمية، وعمل على أن ينسج الوحدة الوطنية القادرة على إنهائه".

رفض زيارة سوريا

رفض صفير باستمرار زيارة سوريا حيث توجد أبرشية مارونية، قائلاً إنه سيزورها عندما تقام علاقات نديّة مبنيّة على الاحترام المتبادل وسيادة البلدين، حتى أنه لم يرافق البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته لها في العام 2001. وبعد عامين من استقالته التي تعدّ سابقة، زار خلفه الكاردينال الحالي بشارة بطرس الراعي دمشق في العام 2013، ليكون أول بطريرك يذهب إلى سوريا بعد استقلال لبنان العام 1943.

انتقاد حزب الله

وبعد خروج الجيش السوري، لم يتردّد صفير في انتقاد حزب الله المدعوم من طهران ودمشق بشدة، لرفضه التخلي عن سلاحه، ووصفه في العام 2010 بأنه "حالة شاذة"، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون حصراً بين يديّ الدولة.

مصالحة الجبل

إلا أن مواقفه هذه لم تلقَ إجماعاً مسيحياً، بعدما عارضها قسم من المسيحيين المؤيدين للرئيس عون، رئيس التيار الوطني الحرّ حينها، المتحالف مع حزب الله، ودعا المعترضون إلى "عدم تدخّل البطريرك في السياسة" واتهموه بالانحياز إلى مسيحيّي قوى 14 آذار، خصومهم في السياسة. ومّد صفير جسوراً مع الطوائف الأخرى، فأجرى ما يُعرف بـ "مصالحة الجبل" مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ليطوي صفحة اقتتال دامٍ بين المسيحيين والدروز، كما استضاف قمة مسيحية إسلامية بعد سنوات من التباعد.

سيرة حياته

في كل محطات حياته، حافظ صفير المتحدّر من بلدة ريفون في كسروان (وسط)، والذي تابع دروسه اللاهوتية والفلسفية في جامعة القديس يوسف في بيروت، على بساطته وتواضعه وتقشّفه في ملبسه ومأكله ونمط حياته. وكان ضليعاً باللغتين العربية والفرنسية كما تحدّث بالإنكليزية، ويُعرف عنه شغفه برياضة المشي يومياً، كما أنه بقيَ حتى سنٍ متقدمة جداً، يمشي مرة في السنة في ما يعرف بـ "طريق القديسين" في شمال لبنان، وهو وادٍ صعبٌ ذو منحدرات وطرق متعرّجة.

وعلى صعيد الزيارات الراعوية والرسمية، قام البطريرك صفير بزيارات رسمية وراعوية إلى كلٍ من الفاتيكان وروسيا والجزائر والولايات المتّحدة الأميركيّة والكويت وقبرص وألمانيا وأفريقيا الجنوبية ومصر والأردن وأستراليا والبرازيل ونيجيريا وغانا وشاطئ العاج وتوغو وبنين والسنغال وكندا والأرجنتين والمكسيك والأورغواي وبلجيكا وسويسرا والسويد وبريطانيا وقطر وإسبانيا.

عون: البطريرك معلم بارز في ضمير الوطن

وأعربَ رئيس الجمهورية ميشال عون عن حزنه الشديد لوفاة البطريرك داعياً اللبنانيين كافة، وخصوصاً أبناء الطائفة المارونية، إلى رفع الصلاة عن روحه، تعبيراً عن تقديرهم مكانة الراحل الروحية، والإنسانية، والوطنية.

وقال عون "ستفتقد الساحة الوطنية بفقدان البطريرك الكاردينال صفير، رجلاً عقلانياً وصلباً في مواقفه الوطنية، ودفاعه عن سيادة لبنان واستقلاله وكرامة شعبه، في أعتى المراحل والظروف. ولا شك في أن اندفاعه في تحقيق مصالحة الجبل، كان من صلب إيمانه بميثاق العيش المشترك، وضرورة تصفية نفوس اللبنانيين من رواسب الماضي، وتمتين أواصر الشراكة الوطنية".

واعتبر الرئيس عون، أن البطريرك صفير سيبقى معلماً بارزاً في ضمير الوطن، وواحداً من رجالات لبنان الكبار على مرّ التاريخ، داعياً إلى استلهام عظاته الغزيرة، ومواقفه السياسية، وروحانيته، تخليداً لذكراه، وحفاظاً على مكانته في وجدان الأجيال الناشئة".

الحريري: الراحل إرث وطني

ونعى رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري البطريرك صفير، وقال "البطريرك يترك صفحة مشرقةً في تاريخ لبنان، سوف تبقى حية في ضمائر الذين عرفوه وعاصروه، وهداية للأجيال التي ستقرأ تاريخ لبنان الحديث، فالراحل الكبير جسّد بشخصه وعمله إرثاً للقيم الروحية والوطنية، في مرحلة صعبة من تاريخ لبنان ارتفع معها بالصلابة والقدوة والثبات والشجاعة إلى مرتبة الرمز الوطنيّ، الذي أسهم بكل تأكيد بتحويل مجرى الأحداث، ونقل لبنان من حال إلى حال".

وتابع "هو حضر سنوات الحروب بعد انتخابه في العام 1986، ورافق مساعي السلام والتهدئة، وانتقال لبنان إلى السلام بعد الصراعات الدامية والمدمرة".

أضاف "شاءت الأقدار أن تصنع اللقاء التاريخيّ بينه وبين والدي الرئيس رفيق الحريري، اللقاء على القضية الوطنية الواحدة في سبيل الشاغل الواحد، وهو الاستقلال والسيادة الكاملة داخلياً وخارجياً وحرية القرار. وكأنه كتب لهذين الرجلين الكبيرين، أن يلتقيا في الموعد التاريخي الفاصل، بالإيمان الوطني الواحد، والتطلّع الواحد، واليد الواحدة. وقد أدرك كلاهما أن تعاونهما المشترك هو المنطلق الصلب لإعادة لبنان إلى مكانته الطبيعية كوطن حرّ سيدٍ مستقل، يؤدي دوره الريادي في منطقته العربية والعالم".

المزيد من العالم العربي