Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهرجان قابس السينمائي التونسي حدث بلا بهرجة 

أفلام غربية وعربية تحدت صعود إصابات كورونا وعرضت أون لاين

من حفلة افتتاح مهرجان قابس السينمائي (الخدمة الإعلامية للمهرجان)

لعنة كورونا لا تزال تلاحق النشاطات الثقافية والمهرجانات السينمائية. فبعدما كانت الأمور مستقرة إلى حد ما، بل كل المؤشرات توحي بأن الوباء في طريقه إلى أن يتحول إلى ذكرى من الماضي، قرر منظمو مهرجان "قابس سينما فن" المنعقد في مدينة قابس جنوب شرق تونس، تقديم تظاهرة حضورية، مراهنين على عودة الحياة الثقافية في تونس. إلا أن المهرجان (القسم الثاني من يونيو "حزيران")، اضطر إلى تعليق العروض في الفضاءات المغلقة، بعدما تبين وجود حالات إيجابية بين الضيوف. وعلى الرغم من أن نسبة المصابين قليلة، فقد قررت الإدارة الاكتفاء بالنشاطات التي تجري افتراضياً. هذا كله على الرغم من أنه كانت اتُّخذت كل التدابير الوقائية اللازمة من خلال تنفيذ دقيق للبروتوكول الصحي بالتنسيق مع الإدارة الجهوية للصحة وإجراء تحاليل بصفة دورية ومنتظمة للضيوف ولفريق العمل. 

في نهاية العام الماضي، كانت تونس أصرت على تنظيم مهرجانها السنوي الأشهر، "أيام قرطاج السينمائية"، بعدما تم تأجيله من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول) لكسب المزيد من الوقت. كانت الدورة تكريمية لم تحمل أفلاماً جديدة. لكن، كانت تونس حينها في وضع وبائي أفضل، قبل أن تشهد قبل أيام ما اعتبره أحد المنظمين الذي تواصلتُ معه "موجة رابعة كانت منتظرة منذ زمن بعيد" وتكسّرت على شواطئ تونس، فتفاقم الوضع الصحي فيها فجأة، لتشهد ارتفاعاً كبيراً في عدد الإصابات، مما أدى إلى اكتظاظ وحدات العناية الفائقة بالمرضى. وزارة الصحة التونسية أعلنت، السبت الماضي، تسجيل 4664 إصابة جديدة ووفاة 90 شخصاً في يوم واحد، وهذه أعلى حصيلة إصابات يومية تم تسجيلها في تونس منذ بداية انتشار الوباء.

نشاطات افتراضية

بعد تفشي الوباء داخل المهرجان نفسه، استمرت النشاطات لكن افتراضياً، وواصلت لجان التحكيم مشاهدة الأفلام المتبقية، وكان للجمهور موعد مع درس سينمائي أداره المخرج كريم بن خليفة. ولسخرية القدر كان الدرس عن "الواقع الافتراضي"! على عكس الأزمة التي وقع فيها المهرجان في أيامه الأخيرة، فكانت أيامه الأولى بعيداً من هاجس الوباء. لكن ماذا عن المهرجان نفسه الذي اختتم للتو دورته الثالثة؟ وما الجديد الذي يضيفه على مشهد المهرجانات العربية؟ "قابس سينما فن" حدث فني ثقافي محض، ينبذ البهرجة والاستعراض، ويجمع بين السينما وفنّ الفيديو والواقع الافتراضي. هناك أقسام مختلفة، وبرامج متنوعة بديلة تحاول أن تصنع فرقاً مع برمجات التظاهرات الأخرى في المنطقة. المهرجان يعرف نفسه على النحو الآتي: "فضاء للالتقاء وتبادل الأفكار والنقاش حول الأعمال السينمائية والمواضيع التي تنشأ عنها". 

تواجه مدينة قابس منذ عقود مشاكل بيئية مرتبطة بصناعة تحويل الفوسفات. الأمر الذي فتح عيون المنظمين على قضية مهمة أهملتها كثيراً المهرجانات العربية الأخرى: البيئة. هذه مسألة معني بها كل إنسان يطمح في توريث أولاده مكاناً يصلح فيه العيش. وعليه، حتى حدث سينمائي مثل "كان" ارتأى أخيراً، ربما تحت الضغط، أن يقتطع مبلغاً معيناً من المال للمساهمة في دعم قضية البيئة، يسهم فيه المشاركون في المهرجان. المسألة البيئية في قلب اهتمامات مهرجان قابس الذي يسعى بالتعاون مع الجمعيات الثقافية والبيئية في المدينة إلى خلق منصّة تشاركية جديدة لإعادة التفكير في المدينة وتحدياتها من خلال الفن.

من خلال قسم "سينما الأرض" الذي يحمل عنواناً مباشراً، يحاول المهرجان أن يعكس ارتباطه بمحيطه ورغبة منظميه في الانخراط في مسار النقد والتغيير من خلال السينما. هذا هو القسم الذي اجتمعت تحته أفلام ذات بُعد بيئي وتعكس واقعاً مأساوياً تعيشه الأرض، وتعاني منه خصوصاً مدينة قابس التي أقيم فيها ومن أجلها المهرجان. هذا العام، الأفلام التي عُرضت في هذا القسم كانت من تونس والمغرب وألمانيا وإسبانيا وإيران والبرازيل وفرنسا والجزائر، وهي تدور على جملة من القضايا التي تشغل الإنسان وتهدد مستقبله على الأرض. من أزمة الماء في تونس والعلاقة المعقّدة بين البحر والساحل في إسبانيا وصولاً إلى اندثار الثروة السمكية في بحار إيران، وغيرها من الأزمات البيئية الكبرى التي تلقي بظلالها على نمط عيش المجتمعات واقتصاد البلدان. حرص القائمون على هذا القسم على التوجه صوب برمجة كونية تظهر ما هو مشترك بيئياً بين جميع بلدان العالم. 

حركية جديدة

رباب المباركي (المشرفة على اختيار الأفلام لهذا القسم) تعاملت مع مجموعة من مكونات المجتمع المدني بهدف خلق حركية ناجعة حول هذه القضية. في هذه النقطة تحديداً، تجاوزت تجربة المهرجان حدود العروض السينمائية التقليدية لتحقق تأثيراً فورياً على المنطقة من خلال تحسيس كل المعنيين بالأزمة البيئية في قابس، وبالتالي ضرورة أن يتخلوا عن العديد من الممارسات في مقدمتها تلويث البحر والواحات. كنموذج للتظاهرة الثقافية التي تحاول ردم الهوة بين القول والفعل، قام منظمو "قابس سينما فن" في هذا الإطار بحملة نظافة في واحة شنني، التي احتضنت بدورها مخيماً يجمع بين رواد المهرجان والعديد من الفاعلين في مجال التخييم في العالم العربي، وتم خلاله عرض مجموعة أفلام عن قضايا بيئية مختلفة، وهذه حركة رمزية تتمثّل في تذكير الناس بأهمية العناية بالأماكن التي يعيشون فيها. مبادرة كهذه تذكّرنا بعرض الأفلام في السجون الذي كان مهرجان قرطاج كرسه منذ بضعة أعوام، إيماناً منه بأنه يحق للمساجين ما يحق لمَن هم خارج القضبان، وهذا أمر أساسي في تطوير عقلية المجتمع. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مهرجان قابس لا يكتفي بعروض الأفلام بل يقيم معارض أيضاً. ومعرض "أخبار من اللا مكان" لانتصار بلعيد وموريتز هاغيدرون الذي أُقيم خلال الدورة المنتهية ينبع من سؤال: ما الذي سيبقى من هذه الحضارة للأجيال القادمة؟ سؤال مرتبط بباقي اهتمامات المهرجان، وغير منفصل عنه. فالخوف من المستقبل الذي يلوح في الأفق عندما نتحدث في مسائل بيئية يحضر هنا في المعرض، حين يلتقي بلعيد وهاغيدرون في تصورهما المشترك للفن وللعالم، فيأخذان المتفرّج في رحلة إلى "المستقبل" يقدّمان من خلالها إلى الآخر الذي لا نعرفه، جزءاً من بقايانا كحضارة وُجدت يوماً ما على سطح الأرض وستضمحل حتماً تاركة للزمن شأن النشوء والارتقاء. هكذا بتشاؤم شديد يبلغ حد العبثية، يصف الملف الصحافي تجربتهما في "أخبار من اللا مكان" الذي وُلد نتيجة الاشتغال على وسائط فنية مختلفة، بين الصور الفوتوغرافية والفيديو والأدوات التي جمعتها بلعيد من الشواطئ التونسية، وتسهم كلها في تجسيد ذاكرة الأمكنة والناس. 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما