Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حماة النيل" وسد النهضة... بروفة ما قبل التصعيد أم ورقة ضغط للتوصل إلى حل؟

يجري التدريب بمشاركة كافة التخصصات في جيشي مصر والسودان للتأكد من الجاهزية العسكرية

جانب من القوات المصرية المشاركة في تدريبات "حماة النيل" لدى وصولهم الأراضي السودانية (صفحة المتحدث باسم الجيش المصري)

في وقت تتواصل فيه التدريبات العسكرية المصرية السودانية المشتركة، تحت اسم "حماة النيل" منذ الأربعاء الماضي، وحتى 31 مايو (أيار) الحالي، يترقب المتابعون تطورات تعقُّد أزمة سد النهضة بين دولتَي المصب (مصر والسودان) وإثيوبيا، لا سيما مع تطابق وجهتي نظر القاهرة والخرطوم بشأن حجم المخاطر التي تحدق بأمنهما المائي، جراء مضي أديس أبابا في إجراءاتها "الأحادية" المتعلقة بالسد، حتى من دون التوصل لاتفاق بين الدول الثلاث.

وتثير التدريبات العسكرية الحالية بين مصر والسودان، التي تشارك فيها كل تشكيلات القوات المسلحة في البلدين، الاهتمام على الصعيدين الأفريقي والدولي، إذ تأتي بعد أقل من شهرين من نظيرتها السابقة، أجراها البلدان تحت مسمى "نسور النيل 2" في أبريل (نيسان) الماضي، وثالثة كانت في أواخر العام الماضي تحت مسمى "نسور النيل1". وتتزامن جميعها مع وصول مسارات التفاوض السياسية والدبلوماسية بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا إلى طريق مسدود، مع إصرار الأخيرة على الملء الثاني للسد في موعده المرجح مع موسم الفيضان الجديد يوليو (تموز) المقبل، الأمر الذي ترفضه القاهرة والخرطوم باعتباره "تهديداً مباشراً لأمنهما القومي"، فيما تحاول كل من الكونغو "الرئيسة الحالية للاتحاد الأفريقي" والولايات المتحددة حلحلة الأزمة.

وفيما اعتبر مصدر عسكري مصري تحدث لـ"اندبندنت عربية"، أن التدريبات الحالية تهدف بالأساس إلى "الاستعداد لمواجهة أي مخاطر استراتيجية تحدق بأمن البلدين القومي، والتعرف إلى جاهزية التشكيلات المختلفة للقوات المسلحة في البلدين"، دون الإشارة إلى أنها قد تكون موجهة لأزمة بعينها، أخبرتنا مصادر دبلوماسية، أن "نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً واتصالات واسعة تجري خلف المشهد في الوقت الراهن، بحثاً عن إمكانية تدارك انفجار الأوضاع المتأزمة أصلاً في منطقة القرن الأفريقي".

مواجهة "التهديدات المحتملة"

وفق البيانات الرسمية الصادرة من الخرطوم والقاهرة بشأن التدريبات العسكرية المشتركة الجديدة، يسعى الطرفان لتأكيد "تبادل الخبرات وتوحيد أساليب العمل للتصدى للتهديدات المتوقعة والمحتملة للبلدين"، استكمالاً لتدريبات سابقة أجراها البلدان في الآونة الأخيرة تحت مسمى "نسور النيل 1 و2" في نوفمبر(تشرين الثاني) 2020، وأبريل  2021.

وذكر الجيش السوداني، في بيانه بشأن تدريبات "حماة النيل"، أن "التدريب العسكري المشترك (حماة النيل) مع مصر، الذي يجري في الفترة من 26 وحتى 31 مايو الحالي، تشارك فيه عناصر من كافة التخصصات في الجيشين، بجانب أرتال من القوات البرية والمركبات التي وصلت بحراً". وأوضح أن مناورة "حماة النيل" تأتي كامتداد للتعاون التدريبي المشترك بين البلدين التي تهدف جميعها إلى تبادل الخبرات العسكرية وتعزيز التعاون وتوحيد أساليب العمل للتصدي للتهديدات المتوقعة للبلدين".

وبشكل شبه متطابق، جاء في بيان المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية، العميد تامر الرفاعي، أن التدريب المشترك (حماة النيل) يهدف لـ"تأكيد مستوى الجاهزية والاستعداد للقوات المشتركة وزيادة الخبرات التدريبية  للقوات المسلحة  لكلا البلدين"، مؤكداً "أن التدريب يهدف إلى تبادل الخبرات وتعزيز سبل التعاون العسكري بين البلدين".

وفي وقت لاحق، ذكر المتحدث العسكري ذاته، أمس الخميس، "أن التدريب الذي يشارك فيه عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية لكلا الجانبين، تضمن عقد مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية لتوحيد المفاهيم القتالية، وتبادل الخبرات التدريبية وتنفيذ طلعات مشتركة على الأهداف المختلفة"، مضيفاً "أن عناصر القوات الخاصة من الصاعقة والمظلات المشتركة فى التدريب قامت بتنفيذ عدد من الرمايات النمطية وغيرها، عكست مستوى التقارب في أساليب التدريب القتالي والدقة في التعامل مع الأهداف من أوضاع الرمي المختلفة، وتنفيذ قوات المظلات لعدد من التدريبات الخاصة بالقفز الحر" .

وبحسب الرفاعي، فقد "ظهر خلال التدريب مدى ما تتمتع به العناصر المشاركة من قدرة واحترافية عالية في تنفيذ المهام، بما يعكس مدى ما تمتلكه القوات المسلحة لكلا الجانبين من استعداد قتالي وقدرة على العمل المشترك لدعم جهود الأمن والاستقرار في المنطقة".

من جانبه، قال مصدر عسكري مصري، في حديث مقتضب لـ"اندبندنت عربية"، "إن التدريب الحالي بين البلدين هو الأول من نوعه الذي تشارك فيه كافة التخصصات في القوات المسلحة للبلدين للتأكد من الجاهزية القتالية للقوات"، مضيفاً "أن للتدريب الحالي ما بعده في ما يتعلق بمواجهة التحديات المشتركة التي تواجه الأمن القومي للبلدين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب المصدر العسكري ذاته، يختلف التدريب الحالي عن نسور النيل "1 و2"، في عدد القوات المشاركة وتنوع تخصاصتها (برية وبحرية وجوية) والاستعدادت المسبقة للترتيب له، موضحاً "أنها ليست معنية بشيء أو موجهة لأحد بعينه، لكنها تؤكد رسالة أن البلدين جاهزان لأي احتمالات" على حد وصفه.

وكان المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، قال في وقت سابق إن "بلاده تتابع التطورات في السودان والتدريبات العسكرية مع مصر"، موضحاً، وفق ما نقلت عنه وكالة "فانا" الإثيوبية، أنه "من حق الدولتين (مصر والسودان) إجراء تدريبات عسكرية، لدينا قوات مسلحة قوية وقادرة على حفظ أمن وسيادة إثيوبيا على مدار الساعة وردع أي عدوان خارجي يعمل على زعزعة البلاد".

حراك دبلوماسي مكثف

في غضون ذلك، ومع استمرار تجمد المسارات السياسية والتفاوضية حول سد النهضة بين الدول الثلاث، قالت مصادر دبلوماسية مصرية لنا، إن "الأيام الأخيرة شهدت حراكاً دبلوماسياً واسعاً ونشاطاً مكثفاً لكل من القاهرة والخرطوم، هدفت لإقناع الدول الحليفة الصديقة بخطورة الإجراءات الإثيوبية على أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي". وذكر أحد المصادر، "بات هناك تفهم دولي بشأن المخاوف المصرية والسودانية من تداعيات سد النهضة على أمنهما القومي"، معرباً عن اعتقاده بتكثيف بعض الأطراف الدولية، لا سيما الولايات المتحدة، لدورها لـ"منع انفجار الأوضاع"، خصوصاً مع اقتراب موعد الملء الثاني للسد المقرر، وفق الحكومة الإثيوبية في يوليو، وأغسطس (آب) المقبلين.

وأمس الخميس، قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بزيارة هي الأولى من نوعها لرئيس مصري، دولة جيبوتي (الجارة الشرقية لإثيوبيا)، وحذر خلال مؤتمر صحافي مع مضيفه الرئيس إسماعيل عمر جيله، من "سياسة فرض الأمر الواقع في أزمة سد النهضة، من خلال إجراءات أحادية لا تراعي مصالح وحقوق دولتي المصب، السودان ومصر". موضحاً أنه استعرض مع رئيس جيبوتي، إسماعيل عمر جيلة، المستجدات الخاصة بالأزمة، وهو الملف الذي يمس المصالح الحيوية للمنطقة برمتها، وأكد حتمية التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول ملء وتشغيل سد النهضة في أقرب فرصة ممكنة، وبما يحقق مصالح الجميع، ويعزز من أواصر التعاون والتكامل بين بلدان وشعوب المنطقة.

في الأثناء، وفيما ذكرت تقارير أميركية، عزم الرئيس الأميركي جو بايدن، إيفاد مبعوثه الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان مجدداً إلى المنطقة الأسبوع المقبل، بهدف التشاور مع قادة إثيوبيا والسودان ومصر، والقيام بجهود دبلوماسية للمساعدة في حل النزاعات في المنطقة، وتقديم تقرير إلى البيت الأبيض حول خطوات حل هذا النزاع. بدأت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، اليوم الجمعة، جولة أفريقية تشمل نيجيريا وغانا والسنغال والنيجر، تهدف لكسب التأييد لموقف بلادها بشأن سد النهضة.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية، إن المهدي تترأس وفداً دبلوماسياً وقانونياً وفنياً في هذه الجولة التي تأتي في "إطار حرص الخرطوم على تكثيف التواصل مع القادة الأفارقة في الأولوية المتقدمة التي تشغل السودان، وتقديم موقفه الذي ينطلق من مرجعيات قانونية، ويدعم الجهود الحالية للاتحاد الأفريقي في مفاوضات سد النهضة بين الأطراف الثلاثة".

 

وقبل أيام حذر وزير الخارجية المصري سامح شكري من تنفيذ إثيوبيا للملء الثاني لسد النهضة، معتبراً أنه يخالف تعهداتها في اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين البلدان الثلاثة في مارس (آذار) 2015. وقال شكري في تصريحات تلفزيونية، "إذا ما أقدمت إثيوبيا على الملء الثاني لسد النهضة دون اتفاق شامل، يعدّ هذا الأمر مخالفة لتعهداتها وفقاً لاتفاق المبادئ، وتكون إثيوبيا قد دخلت في مرحلة الخروج عن القانون الدولي، وتعدّ دولة خارجة عن إطار القانون والتصرف المسؤول"، مؤكداً أن بلاده لن تتهاون في الدفاع عن حصتها المائية، وأنه تم تأكيد ذلك في تصريحات سابقة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وبحسب شكري، فإن مضي إثيوبيا في "إرادة منفردة" سيؤدي إلى التشاحن ويزعزع الأمن والاستقرار في أفريقيا. مشيراً إلى أن كل أجهزة الدولة المصرية تعمل على تقييم الوضع بشكل لحظي، للتعرف على النتائج التي قد تتولد جراء اتخاذ إثيوبيا خطوات مقبلة.

وجاءت تصريحات شكري رداً على وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين، الذي أكد قبل أيام أن ملء السد سيتم "كما هو مقرر وموافق عليه" من قبل الدول الثلاث، متهماً مصر والسودان "بمحاولة ممارسة ضغوط غير ضرورية على إثيوبيا بوسائل مختلفة، بما في ذلك تدويل وتسييس القضايا الفنية التي لن تؤدي إلا إلى تقويض الثقة".

احتمالات الخيار العسكري تتسع

وفق خبراء عسكريين وسياسيين تحدثوا لنا، فإن التدريب العسكري المشترك بين القوات العسكرية المصرية والسودانية في الوقت الراهن، يحمل رسائل لا لبس فيها على المستويات الإقليمية والدولية بأن البلدين "لن يتهاونا في الحفاظ على مصالحهما المائية تحت أي اعتبار".

وقال رئيس جهاز الاستطلاع السابق في الجيش المصري، والمستشار في أكاديمية ناصر العسكرية، اللواء نصر سالم، إن التدريبات المشتركة بين البلدين تحمل أهدافاً بعينها، بينها "هدف تدريبي متعلق برفع كفاءة القوات المسلحة وزيادة قدرتها لتحقيق أهدافها لحماية الأمن القومي والمصالح الحيوية، وآخر عملياتي متعلق بالتأكد من الجاهزية في حالة مواجهة عدو مشترك، من خلال تحقيق التنسيق والتفاهم الكامل بين البلدين".

وذكر سالم، "في التدريب الحالي يحاول الطرفان إطلاع بعضهما بعضاً على أحدث التطورات لدى كل منهما وتبادل الخبرات بشكل واسع في مسرح عمليات على الأرض، لرفع الكفاءة القتالية وثقل المهارات وتوحيد المفاهيم العسكرية".

وتابع، "هناك أكثر من رسالة يمكن استخلاصها من تدريب حماة النيل، أبرزها تأكيد المصالح الاستراتيجية المشتركة بين البلدين، وتحقيق نظرية الردع الاستراتيجي التي يمكن من خلالها تجنب الخيارات العسكرية في الحفاظ على الأمن القومي لكل من مصر والسودان".

من جانبه، يرى هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، أنه "في ظل إصرار إثيوبيا على استكمال عملية الملء الثاني لسد النهضة ووصول جهود التسوية السياسية والدبلوماسية للأزمة لطريق مسدود، يمكن استنتاج الرسائل المصرية السودانية من تحركاتها العسكرية، لا سيما مع تأكيد القاهرة أن المساس بحصتها المائية (مقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب) خط أحمر، واعتبار الخرطوم خطوات أديس أبابا الأحادية تهديداً لأمنها القومي". وبحسب رسلان، "يبدو من طبيعة التدريبات العسكرية الحالية أنها رسالة إنذار لإثيوبيا للتأكيد على عدم تهاون البلدين في حقوقهما المائية". 

وتطالب مصر بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم قبل الملء الثاني لخزان سد النهضة، خوفاً من أن يؤثر ذلك في حصتها من المياه، فيما تصر إثيوبيا على إنجاز المرحلة الثانية لتعبئة سد النهضة خلال موسم الأمطار في يوليو وأغسطس المقبلين، حتى لو لم تتوصل لاتفاق، وتقول إنها لا تستهدف الإضرار بمصالح السودان ومصر، وإن الهدف من السد هو توليد الكهرباء لأغراض التنمية.

وتتمسك مصر والسودان بالتوصل أولاً إلى اتفاق ثلاثي يحفظ منشآتهما المائية، ويضمن استمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه نهر النيل (55.5 مليار متر مكعب و18.5 مليار متر مكعب على التوالي).

وفي مارس (آذار) الماضي قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إن "مياه النيل خط أحمر، وأي مساس بها سيكون له رد فعل يهدد استقرار المنطقة بالكامل"، وشدد في تصريحات لاحقة في 5 مايو  الحالي، خلال لقائه المبعوث الأميركي إلى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان، على أن قضية سد النهضة الإثيوبي وجودية بالنسبة إلى مصر، التي لن تقبل الإضرار بمصالحها المائية أو المساس بمقدرات شعبها، ودعا إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم وتجنيب المنطقة مزيداً من التوتر وعدم الاستقرار.

المزيد من تقارير