Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لوحات شوقي شمعون تحتفي بفضاء اللون المطلق

سماوات مفتوحة مرصعة بالنجوم والعلامات وعلى الأرض خيالات لبشر في هيئات ضئيلة

الفضاء اللوني في لوحة الرسام شوقي شمعون (الخدمة الإعلامية للمعرض)

في لوحات الفنان اللبناني شوقي شمعون تتحرك عناصر سابحة في فضاءات مجردة من اللون. على سطح اللوحة ثمة أشكال هندسية ونقاط ملونة ودوائر تتشكل في هيئة حلزونية، وخطوط وعلامات كثيرة ومتكررة. تجتمع هذه العناصر أو تتنافر وفق نسق محدد أو ربما تتناثر من دون انتظام. في هذه الأعمال تستوي رقعة اللون أو تتفكك إلى أجزاء متناهية الصغر، لكنها تظل محتفظة بحضورها المجرد والمختزل للطبيعة. يتقاطع هذا المنحى اللوني المائل نحو التجريد مع رغبة تشخيصية مُلحة تُجسدها هيئة الحشود البشرية التي تتجمع في أسفل اللوحة. ورغم ضآلة الحيز الذي تحتله هذه الظلال البشرية من مساحة اللوحة، فإنها دائماً ما تمثل نقطة البدء في جولتك البصرية عبر تفاصيل العمل، ومن دونها ربما تتغير خريطة الشكل بالكامل، لأنك حينها ستضطر إلى البحث عن انطلاقة جديدة حين تشرع في تتبع هذه الأشكال والعناصر الملونة. هذه الأشكال التي تتردد في تكرار ثابت ومتناغم على سطح العمل. يتكرر مشهد هذه الحشود في أعمال شوقي شمعون على نحو لافت حتى يمكن اعتبار حضورها مرادفاً بصرياً لأعماله.

يستضيف غاليري مارك هاشم في بيروت حتى الأول من يونيو (حزيران) نماذج من هذه التجربة التصويرية المميزة للرسام اللبناني شوقي شمعون تحت عنوان "سماوات مزهرة". يضم المعرض مجموعة متنوعة من الأعمال التصويرية الأحدث للفنان اللبناني. في هذه الأعمال يتجسد أمامنا هذا المزيج اللافت بين التجريد اللوني والحضور المميز للعنصر البشري. وبينما يعكس الأول براح الصحراء والأراضي المتسعة، يجسد الآخر مشاعر الانتظار التي تلخصها هيئة الأشخاص في أسفل اللوحة. هنا سماوات مفتوحة مرصعة بالنجوم والأهلة والعلامات الملونة تسبح في فضاء لا نهاية له من اللون، بينما تتحرك في الأسفل خيالات لبشر في هيئة ضئيلة مقارنة باتساع المساحة.

قصائد ملونة

نحن هنا أمام فنان من نوعية خاصة يكتب بالصور ويؤلف قصائد ملونة مفعمة بالمعاني والدلالات والأشكال. هو ابن البقاع الذي تفتحت عيناه على المشاهد المفتوحة والممتدة نحو الأفق. أخذ شوقي شمعون من الطبيعة حضورها الطاغي، كما استلهم من تجاربه ومعاناته الخاصة مشاعر الترقب والانتظار والتأمل التي تغلف أعماله دائماً. هذه الحشود البشرية الحاضرة في أعماله رغم ضآلتها وانحسارها في ركن قصيّ من اللوحة، فإنها تحول دون استغراقه كاملاً في التجريد اللوني. وهو يصف هذا الحضور البشري في لوحاته بأنه انعكاس لحال الانتظار، وهو سلوك إيجابي يعكس مشاعر السعادة والترقب كما يقول، أما الفراغ فهو يشي بتأملاته للطبيعة والأرض.

فقد شقيقه في سنوات الحرب الأهلية فتوقف عن الرسم بضع سنين منتظراً عودته. لم يعد الأخ، غاب كغيره من ضحايا الصراع، وظل هو ينتظر. بعد أن عاد شوقي شمعون إلى رسوماته من جديد كان فعل الانتظار ملحاً وهاجساً يتردد أمامه ويذكره بسنوات الحرب ومشاعر الفقد، لكنه ما لبس أن تحول إلى فعل عام ومشترك لكثيرين غيره. من هنا كان الانتظار حاضراً في أعمال شوقي شمعون، لا بهدف الحفاظ على هذه المشاعر، بل كوسيلة للدفاع عن الذات، وتمسكاً بأمل يتجدد باستمرار، أمل تتشكل ملامحه عبر أفق مُزين بألوان قوس قزح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تهيئنا الدعوة المصاحبة للعرض للدخول إلى عالم  شوقي شمعون، هذا العالم الذي يمنح مشاهديه فرصة جديدة للتنفس بحرية والتنفيس عن المشاعر، بعد نكبات متوالية ألمت بلبنان، من انتفاضة أكتوبر إلى انفجار الميناء وتفشي الوباء. يمنح شمعون متابعيه من خلال أعماله فرصة للابتعاد عن الكارثة والهروب من العنف الموجه إلى جسد المدينة.

تخرج شوقي شمعون في المعهد العالي للفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وتبنى في بداياته الأسلوب الواقعي في رسم البورتريه والطبيعة الصامتة، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته العليا هناك، حيث حصل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة سيراكيوز في نيويورك. وهو اليوم أحد الوجوه البارزة في الفن اللبناني المعاصر. أقام شمعون خلال مسيرته الفنية أكثر من أربعين معرضاً فردياً كما شارك بأعماله في العشرات من المعارض الجماعية المحلية والدولية، وعمل في تدريس الفن في عدد من الجامعات اللبنانية والأميركية، وصدر له عن دار الساقي في بيروت عام 2013 كتاب "فن وحياة شوقي شمعون".

المزيد من ثقافة