Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"وادي الدوم" رواية تحتفي بصحراء مصر وحكايات أهلها

علاء فرغلي يبحث عن "زرزورة" ليبني مدينة فاضلة

لوحة للرسام محمد خياطة (صفحة الرسام على فيسبوك)

في عام 1930 قام الجيولوجي والمستكشف الإنجليزي رالف باينولد بتأسيس نادي "زرزورة". وأتيحت العضوية بالنادي لكل من أسهم من المستكشفين في البحث عن واحة في صحراء مصر الغربية تحمل الاسم نفسه، تداول أخبارها سكان البادية، والمؤرخون، وبعض الجيولوجيين والكشافة الأوروبيين، لكن الواحة التي تغنى بكنوزها وجمالها أهل الصحراء لم تتجاوز حكاياتهم الشعبية. وعلى الرغم من أن الرحالة والمستكشفين لم يتيقنوا من حقيقة وجودها فإنهم أيضاً لم يشككوا بها. وهكذا، ظلت "زرزورة" في منطقة وسطى بين الحقيقة والخيال، ومن هذه المنطقة انطلق الكاتب علاء فرغلي، متخذاً من تلك الواحة المفقودة فكرة رئيسة نهضت عليها روايته "وادي الدوم" (دار العين – القاهرة).

على لسان الراوي العليم قرر الكاتب أن يتدفق السرد، لتبدأ الأحداث في تسعينيات القرن الماضي، بهجمة إرهابية على وادي الدوم، لا يكشف عن أسبابها أو المتورطين فيها، ثم يرتد في رحلة عكسية عبر الزمن إلى ما قبل مئة عام من هذا الحادث. ويمنح السرد بداية جديدة عبر خيط يتلقفه الشاهين "أحد الشخوص المحورية في النص"، لينطلق في مغامرة البحث عن "زرزورة"، الجنة المفقودة التي تداعب أحلام أهل الصحراء. يشارك الشاهين بعثة استكشافية إنجليزية في بحثها. وأثناء البحث يعثر على "زرزورته" الخاصة، التي يخفيها عن عيون المستكشفين، ليعود إليها عليها وادي الدوم.

التلاعب بالزمن

هكذا يتلاعب الكاتب بالزمن، فينطلق من حادث الهجوم الإرهابي على وادي الدوم، معتمداً تقنية الاسترجاع، ليعود إلى بداية اكتشاف الواحة وإعمارها، ثم يعود مرة بعد مرة لحادث الهجوم الإرهابي ليذكر بزمن السرد. وعند استرجاعه للماضي يمرر مفارقات زمنية أخرى. فيخبر خلال اللحظة الماضية عما سيعقبها، في ما يعد مستقبلاً بالنسبة لتلك اللحظة. وقد أحكم الكاتب هذا النسق غير المنتظم من الزمن، كدلالة رمزية تعبر عن الوعي بالتاريخ والعلاقات الإنسانية المركبة، التي تعيد إنتاج الماضي، وتجعل اليوم أشبه بالبارحة!

نثر الكاتب خيوطه عبر مجموعة من الشخوص. ومرر عبر كل شخصية حكاية، ليشكل بناءه من مجموعة من الحكايات المتفرقة، التي التأمت جميعها في وحدة مجتمع الواحة، لتشكل إطاراً رئيساً للسرد، استعاد فرغلي عبره مجموعة من الأحداث التاريخية الكبيرة والثابتة، التي عاشتها الواحة خلال القرن الماضي، وتأثرت بها مثل الحربين العالميتين. ووثق الغارات التي تعرضت لها، والتي تنوعت بين هجمات للسنوسيين والتشادوة والبرابرة والإنجليز والطليان؛ إذ كانت الصحراء الغربية ساحة نزال مفتوحة لمعارك لم تكن مصر طرفاً فيها، كما كانت واحاتها مطمعاً وقبلة للعديد من الغزاة.

خصوصية المكان

منح الكاتب قيمة خاصة للمكان، لم تبرز في عنوان الرواية "وادي الدوم" فحسب، وإنما بدت في اعتنائه بالتقاط صورة واسعة ومعبرة عن طبيعة الواحة وحياة الصحراء، وعلاقة المكان وظروفه القاسية بطبيعة وثقافة وعادات الشخوص، ليقدم عبر هذه العلاقة طيفاً آخر من أطياف الحياة المصرية، التي تتسم بالتنوع الشديد. فتحوي في طياتها أطيافاً وثقافات متعددة تتنوع بين ريف وحضر، شمال وجنوب، وادي خصب وصحراء قاحلة. وقد قدم الكاتب عبر واحته أنموذجاً مصغراً من المجتمع المصري من حيث تنوع الأصول وامتزاجها، وذوبانها في نسيج واحد. فسكان الواحة وافدون من ثقافات متباعدة، بعضهم من السنوسيين الليبيين، وبعضهم من صعيد مصر، بعضهم ذوو أصول تركية، وآخرون ذوو أصول أوروبية، وبعضهم من الأمازيغ، لكنهم جميعاً انصهروا في نسيج مجتمع واحد، انصاعوا لقوانينه وأعرافه ومبادئه.

كما استخدم الكاتب استهلالات تراثية في بداية كل فصل. لا ليدعم روح الأصالة في نسيجه الروائي فحسب، وإنما ليبرز بصورة أخرى - ضمناً - الفضاء المكاني للسرد، لما لهذا الموروث الشعبي من صلات وثيقة بالبادية، وأيضاً بالجنوب المصري الذي يتشارك والصحراء؛ الكثير من السمات الثقافية.

الاستباقات السردية

كان للحيل الاستباقية حضور بارز داخل النص. فقد حاول الكاتب من خلالها أن يكسب سرده مذاق الدهشة، وأن يجعل قارئه في حالة دائمة من الترقب وانتظار تفسير أحداث أشير إليها وأرجئت تفصيلاتها. فالحادث الإرهابي الذي تعرضت له الواحة واستهل به الكاتب خط الأحداث، ظل غامضاً حتى مرحلة بعيدة من السرد. كذلك وردت استباقات بالإشارة إلى غموض لجوء "آل طنبور"؛ أصحاب الأصل التركي والحياة الميسورة إلى الصحراء. وأرجئ الكشف عن هذا السر. وأيضاً سرب الكاتب شكوك بعض أهل الواحة حول "المدين"، وما إذا كان ثمرةً محرمة لعشق "شرف الدين" لـ"صبرنا"، أم أنه ابن زوجها "رحومة دليل النبي". ولم يكشف عن الحقيقة إلا مع نهاية أحداث الراوية. وظلت شخصية "الملك جورج" تثير الحيرة، حتى أفصح الكاتب بعد شوط كبير من الأحداث عن هويته، وكشف عن كونه "حمار المأمون" وعن سر تسميته، وقد أدت هذه الحيل السردية دورها. وصبغت النص بصبغة من المتعة والتشويق.

الخطاب المعرفي

سلك الكاتب في بنائه شعابا متعددة من السرد. فجمع بين الواقعي والتاريخي. وتتبع الأجيال المتعاقبة التي تناسلت داخل الواحة، ما يجعل من الجائز وصف نصه برواية أجيال، استطاع من خلالها أن يلتقط صورة صادقة لثقافة الأطراف، تلك التي لا تزال مبهمة وغامضة على من يقطنون المركز. ونقل عبر هذه الصورة، أساليب حياة أهل الصحراء، عاداتهم، أفكارهم، طباعهم، طعامهم وطرق تداويهم واستشفائهم.

وقد حمل خطابه السردي حمولات معرفية كثيفة، أضاءت تاريخ منطقة كانت الدرع التي تحمي الوطن، وتصد عنه المطامع والهجمات لقرون عديدة. واستقى من الحقائق التاريخية أحداثاً ذات صبغة درامية، دعمت قوة الحبكة، وعززت حالة التماهي بين الحقيقي والمتخيل، لا سيما في إشارته للضابط محمد صالح حرب "حكمدار محافظة مرسى مطروح"، الذي رفض تسليم بعض الرموز من شيوخ القبائل للقوات البريطانية، المرابطة في الصحراء، بل وأعلن انضمامه للقبائل في حربهم على تلك القوات، بعد أن تزوج أحد ضباطها "رويل" من فتاة بدوية من دون رغبة أبيها، الذي مات حزناً وكمداً لخزيه بين أبناء قبيلته، تلك التي تمردت ابنته على أعرافها. وعلى أثر هذه المعارك قتل القائد الإنجليزي "إسناو" على يد البدو، وغيره من جنود الإنجليز. وقد استعان الكاتب بهذه الأحداث الحقيقية وبالأسماء الحقيقية أيضاً لهؤلاء الشخوص، وأجاد توظيفها داخل النسيج. واستخدم مفردات الواحة ليزيد من واقعية السرد، وإن حرص على تطعيم النص ببعض السخرية، التي وازن حضورها حضور بعض مفردات اللهجة البدوية، وخفف من وطأتها، وأضفى على النسيج مزيداً من الجاذبية والإمتاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان حضور الميثولوجيا في البناء الروائي مرات عديدة؛ نتيجة تتسق مع مقدمات انتهجها الكاتب، لنقل صورة بانورامية عن الواحة، وثقافة البادية. فالبدو يميلون عادة لاستدعاء الميثولوجيا عند تفسير الظواهر. وعلى الرغم من أنه وضع العلم والمنطق في مقابلها، ممثلاً - في بعض الأحيان - في العقل الغربي، عبر تفسيرات الخواجة "أرنولد"، فإنه ترك لها الغلبة مرات، ما أضفى مسحة من الواقعية السحرية، تخللت مساحات محدودة من النسيج، فأكسبته مزيداً من الجاذبية.

المدينة شبه الفاضلة

مع تتابع السرد، وتوالي الأحداث، يتجلى أن واحة الكاتب التي أطلق عليها وادي الدوم، كانت تجسد فلسفته في المدينة الفاضلة، التي حاول الشاهين "الشخصية المحورية" أن يبنيها ويعمرها، بالحكمة لا بالعنف، والحنكة لا التصادم. وغرس فيها ثمار الحب والسلام والإخاء. فلا حمل سلاحاً ولا سمح لساكني واحته بحمل السلاح، وإنما تجاوز كل نائبات الدهر التي حلت على دومته؛ بذكائه وفطنته، غير أن الخلفيات والثقافات المتباينة التي انحدر منها سكان الواحة، سمحت ببعض الشطط عن المنهج الذي وضعه مؤسسها. فبرز الحقد الذي أضمرته "جلا" لـ"صبرنا". والمكيدة التي حاكتها واحدة من النسوة لـ"سومة" لتفسد زيجتها. وطمع "جابر الوكيل" وأبناؤه في الهبات التي ترد مقام الشيخ "مهود". ونزق "شروفة" و"بكر الفريج"، لكن كل تلك النقائص لم تنل من تعايش سكان الواحة في مناخ من الود والوئام. وكانوا في كل مرة يواجهون فيها التشدد؛ ينبذونه، ويجنحون إلى الاعتدال والتسامح. وينتصرون لقبول الآخر، سواء في تعايشهم مع بعضهم البعض على الرغم من اختلافاتهم، أو في علاقتهم الوطيدة مع راهبي الدير.

المزيد من ثقافة