Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نهاية العالم كما يتصورها الأميركي دون ديليلو

"الصمت" رواية ديستوبيا تتناول هشاشة التكنولوجيات الحديثة وأخطارها

الروائي الاميركي دون ديليلو (اندبندنت عربية)

ماذا سيحدث، لو انطفأت جميع شاشاتنا فجأةً، ومعها أضواء مدننا وكل ما يعمل على الطاقة الكهربائية أو التقنيات الرقمية الجديدة، بما في ذلك أنظمة قيادة الطائرات؟ في روايته الأخيرة، "الصمت"، التي صدرت في نيويورك العام الماضي، وصدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "أكت سود" الباريسية، يتخيل الكاتب الأميركي دون ديليلو سيناريو من هذا النوع ومآله الرهيب. رواية مينيمالية (أقل من مئة صفحة)، معتمة، على شكل كابوس، تسائل بطريقة راديكالية ارتهاننا لشاشاتنا ونتائجه على لغتنا.

أحداث الرواية تدور في عام 2022، في طائرة تقل الزوجين جيم وتيسا من باريس إلى نيويورك، وفي منزل في نيويورك حيث ينتظرهما الزوجان ماكس وديان، والشاب مارتين، لمشاهدة مباراة نهائي كرة القدم الأميركية. لكن فجأةً يتعطل كل شيء، فتبدأ طائرة جيم وتيسا بالاهتزاز بطريقة ترعب مستقليها، وتجبر ربانها على الهبوط بها بشكل اضطراري. في هذه الأثناء، ينتاب ماكس غضباً شديداً لأن تلفازه الذي يتحضر لمشاهدة المباراة المذكورة عليه، يتحول إلى شاشة سوداء. هل الأمر يتعلق بعطل شامل ينبئ بنهاية العالم أو باندلاع حرب عالمية ثالثة؟

ما يمنح هذا السؤال مشروعيته هو أولاً القول المنسوب إلى ألبرت أينشتاين الذي يفتح ديليلو به نص روايته، "أجهل بأي أسلحة سيتحاربون في الحرب العالمية الثالثة، لكن أسلحة الحرب العالمية الرابعة ستكون العصي والحجارة"، ثم التلميحات المتكررة داخل النص لتلك المواجهة التكنولوجية الدائرة بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا، التي يحاول كل طرف فيها اختراق الأنظمة الإلكترونية للأطراف الأخرى من أجل التدخل بشكل خفي في شؤونها أو سرقة معلومات سرية عنها غالباً ما تتعلق بأحدث ابتكاراتها التكنولوجية. سلوك يمكن، في حال انكشافه علناً، أن يشكل سبباً كافياً لاندلاع حرب تقليدية، نووية أو بيولوجية.

دور الشاشات

لدى قراءة الرواية، لا يسعنا عدم ربط السيناريو المتخيل فيها بوباء "كوفيد" ونتائجه على مستوى المعمورة. إذ لا شك في أن هذا الوباء شكل نقطة انطلاق الكاتب في تأملاته من أجل تشييدها، نظراً إلى اندراج أحداثها ومناخها في الطارئ، من جهة، ومركزية دور الشاشات في أزمة "كوفيد"، من جهة أخرى. لكن الحقيقة أيضاً هي أن ديليلو لم ينتظر هذا الوباء ليكشف في رواياته المخاطر التي تتهدد عالمنا.

وفعلاً، منذ روايته الأولى، "أميريكانا" (1971)، وهو يتتبع مكامن خلل الديمقراطيات الغربية وعيوبها واللحظات الدرامية الحادة في تاريخها الحديث، مثل اغتيال جون كنيدي عام 1963، أو هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، مسلطاً ضوءاً كاشفاً على التقدم العلمي والتكنولوجي، وعلى الأسئلة التي يثيرها والمخاطر التي يحملها. وفي روايته الجديدة، يتابع خصوصاً التأمل الذي قاده داخل رواياته الثلاث الأخيرة، "الرجل الذي يقع" (2007)، و"النقطة أوميغا" (2010) و"صفر ك" (2016)، في موضوع انهيار حضارة لاهثة تعاني من فقدانها نقاط استدلالها. بالتالي، مع أنه ما برح يقلص حجم رواياته مع تقدمه في السن، لكنه لم يتوقف قط، منذ بداية مسيرته الكتابية، من تصوير بشرية تهرول نحو الكارثة بسبب طبيعة تطورها.

في "الصمت"، ثمة مفارقة مثيرة، وهي أن الظلمة التي تحل فجأةً على نيويورك، وربما على العالم بأسره، هي التي تنير العزلة الكبيرة التي تتخبط فيها كل واحدة من شخصياتها الخمس. وحتى العلاقات الجنسية بينها (لأن جيم وتيسا سيتمكنان، بعد هبوط طائرتهما الاضطراري، من بلوغ منزل ماكس وديان، وينعزلان فترةً في غرفة النوم) تتخذ طابع الفعل الآلي، وتفشل إذاً في تلطيف هذه العزلة. وحين تفقد العلاقات البشرية معناها والحد الأدنى من تماسكها (لأن هذا ما ينتظرنا داخل الرواية) يبين ديليلو كيف تفقد اللغة من جراء ذلك روابطها النحوية ووظيفتها التواصلية. ومن هذا المنطلق، نرى كل واحدة من شخصياته تحدث نفسها وتنطق بجمل لا رابط بينها، نتلقاها على شكل فيض من الكلمات لا يقول سوى مخاوفها. ثرثرة تذهب في جميع الاتجاهات وتتصادم داخلها الخطابات وتتواجه وتتقاطع حتى الصمت، مع مرجع وحيد لها هو نظرية النسبية لأينشتاين.

سلطة التكنولوجيا

بالتالي، أبعد من جانب الخرافة العلمية أو الديستوبية (dystopique) الذي تتحلى به، "الصمت" رواية حول اللغة، على طريقة صامويل بيكيت، تحاول الإجابة عن السؤال المزدوج الآتي، في زمن يخضع الأفراد فيه للتكنولوجيات الرقمية، وتحديداً لشاشات حاسوبهم أو تلفازهم، ولصور غالباً ما تكون مصحوبة بشكل خبيث بنص قصير، تقني أو دعائي، لا يتألف سوى من كلمات معدودة، ويستحضر في طبيعته "اللغة الجديدة" التي فضحها أورويل في رائعته الأدبية "1984" (ممّ تتكون لغتنا، وماذا نقول حين نتكلم؟ سؤال يأخذ كل معناه حين نرى ماكس، لدى انطفاء شاشة تلفازه، يتابع التحديق فيها ثم ينطلق في تلاوة التعليقات الرياضية التي ترافق عادةً مثل هذا النوع من المباريات، كما لو أنه تحول إلى آلة للحلول مكان تلفازه، وباتت المباراة تُبَث من خلاله، مباراة يعرفها عن ظهر قلب، لكنه عاجز عن حرمان نفسه منها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومثل ماكس، لا تلبث جميع الشخصيات الأخرى أن تتخذ مثل هذه الوضعية، فتأخذ الكلام الواحدة تلو الأخرى، كما لو أنها على خشبة مسرح، وتنطلق في التفوه بالكليشيهات والشعارات التي تسيرها التكنولوجيات الحديثة، ضمن انغلاق داخل مونولوغ يفصل كلاً منها كلياً عن الآخرين، على الرغم من تواجد الجميع في الغرفة نفسها. وضعية تقودنا إلى سؤال طارئ آخر، هو الآتي، ما هي العبرة التي يمكننا أن نستخلصها حين نرى أن وسيطنا الأكثر قدماً للتحاور (الكلام) بات يفضي إلى عجز شبه كلي عن التواصل، لأن القولبة التي خضعنا لها في عصر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي بلغت حداً صرنا فيه غير قادرين على القيام بأي شيء إلا من داخل فقاعتنا الاجتماعية الافتراضية؟

باختصار، "الصمت" رواية مبلبِلة تثير بشكل متعمد ضيقاً كبيراً داخلنا لدى قراءتها، نظراً إلى انعدام أي تطور في أحداثها وتنافر أصوات شخصياتها والطابع الهلسي لخطاباتها. رواية يكشف ديليلو فيها مرةً أخرى بصيرته النادرة عبر شخوصه، ودعوتنا إلى الشخوص، بتكنولوجياتنا من تلك الزاوية المعتمة التي تبدو فيها بكل هشاشتها، تكنولوجيات يمكن في أي لحظة أن تتعطل أو تمزق نفسها بنفسها، فتتركنا عراة، صامتين... أمام شاشة سوداء.

وحين تتوارى هذه الأدوات المعاصِرة لفرديتنا، ولا تعود شاشاتنا قادرة على خلب عقولنا ومنحنا وعوداً كاذبة، ماذا سنفعل؟ لا يبالغ ديليلو حين يلمح في روايته إلى احتمال أن ننزل إلى الشارع ونتقاتل بالعصي والحجارة...

المزيد من ثقافة