Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوزي ذبيان يروي خبايا شارع الحمراء البيروتي

مشاهدات وانطباعات وسرد يعتمد السخرية ولغة الحياة اليومية

لقطة من شارع الحمراء في بيروت (موقع وزارة الثقافة اللبنانية)

"بيروت من تحت" (منشورات الجمل) هي الرواية السادسة للكاتب اللبناني فوزي ذبيان. تبدو الرواية منذ صفحاتها الأولى مختلفة عن روايات الآخرين في الشكل والمضمون.

 في الشكل، يكمن الاختلاف في اللغة الروائية المتموضعة في منزلة وسطى بين منزلتي الفصحى والمحكية. فذبيان يستخدم لغة الحياة اليومية، الحية، بعيداً من التقعر اللغوي والتأنق الفصحوي و"الماكياج" البلاغي، من جهة، وبعيداً من الابتذال اليومي والكلام الاستهلاكي والتسطيح المحكي، من جهة ثانية. ويتحرك في هامش واسع من الحرية اللغوية، سواء على مستوى المفردات أو التراكيب، فيعادل بين اللغة والحياة.

على المستوى الأول، يستخدم المفردات الفصيحة المأنوسة الاستعمال، ويتجنب تلك النائمة في بطون المعاجم، ويرصع نصه بكثير من المفردات المحكية (زتّ، زهق، زيزقة، طبش، عجقة، لحمسة، أتلخبط، وطّيت، فعط، تنقوص، زعل، وغيرها)، ويمارس حقه في الاشتقاق (تكلونت، بسبست، غوغلت، أروبص، وغيرها)، ويلجأ إلى النحت حين تدعو الحاجة (السيافة، الثقاحة وغيرها). ولا يتورع عن استخدام كلمات نابية في معرض التعبير عن الغضب والتنفيس عن الاحتقان، ولا يفوته تطعيم نصه بكثير من المفردات الأجنبية من لغات مختلفة جرياً على عادة المثقفين المتعالمين، لا سيما أن شخوص روايته ينتمون بمعظمهم إلى هذه الشريحة الاجتماعية.

على المستوى الثاني، يستخدم ذبيان تراكيب بسيطة، قصيرة أو متوسطة. ويوشح نصه بعبارات محكية في السرد، ناهيك بتلك المستخدمة في الحوار (من مرّة لمرّة، يغير الشنكاش، يبلع ريقه، زلطت الفنجان، بلّشت العجقة، نمت على وجهي طب، مرّت عالسكّيت، وغيرها). ويتوخى الطريف من التشابيه التي لا تخطر على البال (دحشت نفسي كجرذ خجول أضاع فردة حذائه اليسرى بين الحشود). ولا يتورع عن استخدام الشتائم والتعابير النابية. ولا تفوته الاستعانة بجمل وعبارات مستلة من أغنية أو قصيدة أو نشيد. وقد يلجأ إلى تغيير مواقع المفردات في التركيب المقتبس تقديماً وتأخيراً لأغراض تواصلية. ولا ينسى أن يورد تراكيب أجنبية، من هذه اللغة أو تلك. وهكذا، نكون إزاء "كوكتيل" لغوي متنوع، على مستويي المفردات والتراكيب، وغني عن التعبير ما يمكن أن ينجم من هذه "المخلوطة" اللغوية، من حيوية وغرابة وطرافة وجرأة وسخرية ودهشة، تمنح الشكل جدّته واختلافه.

القمة والقاع

في المضمون، يكمن الاختلاف في الشريحة الاجتماعية التي تتناولها الرواية، ما لا يشي به عنوان الرواية. فـالانطباع الذي يثيره عنوان "بيروت من تحت" يحيل إلى القاع الاجتماعي، غير أن التوغل في المتن سرعان ما يبدد هذا الانطباع، ويتكشف عن أن الشريحة التي تتناولها الرواية هي شريحة المثقفين المفترض أنها "فوق"، وهي فرضية تدحضها السلوكيات المنسوبة إلى هؤلاء في الرواية لتجعلهم ينتمون إلى "التحت"، وتطيح بالفوارق بين القمة والقاع. وإذا سلوكيات القاع تجد لها ما يبررها في الخلفيات الاجتماعية التي يتحدر منها أهله، فإن انزلاق "أهل القمة" من المثقفين إلى درك القاع لا يبرره سوى رداءة الزمن، وانقلاب سلم القيم وتغير الأحوال، ما يجعل بيروت من فوق هي نفسها بيروت من تحت.

 

يفكك فوزي ذبيان في روايته أنماط العلاقة بين المثقفين، على اختلاف حقولهم المعرفية. ويميط الأقنعة عن وجوه أفراد هذه الشريحة الاجتماعية لتظهر على حقيقتها. وهو يفعل ذلك، من خلال رصد حركة بطل الرواية وراويها، الروائي المشهور علي، وطبيعة الحياة التي يعيش، والأماكن التي يرتاد، والعلاقات التي ينخرط فيها، والشخوص الذين يتفاعل معهم بشكل أو بآخر. وبهذا المعنى، الرواية هي مجموعة مشاهدات الراوي وانطباعاته وأنشطته وسلوكياته في شارع الحمرا، بالتعالق مع الآخرين، أدباء وشعراء وفنانين وأساتذة جامعيين وناشطين ثقافيين، ممن يسمون أنفسهم بـ"المثقفين".

بشر عاديون

يتمخض عن هذا الرصد مجموعة من الوقائع اليومية تشي بأنماط العلاقة، وتجلو حقيقة الوجوه، وتبرز ما يتوارى تحت قشرة الثقافة الرقيقة، ليتبين، في نهاية المطاف، أن أفراد هذه الشريحة ليسوا أنصاف آلهة، ولا قديسين، بل بشر عاديون، لهم نقاط ضعفهم ونزواتهم وسقطاتهم وأخطاؤهم وخطاياهم، وهم لا يختلفون في شيء عن أهل القاع، إن لم يكونوا أكثر منهم تخبطاً في وحوله. على أن ذبيان، في تفكيكه وإماطته وتعريته، لا يمارس الانتقائية في عمله، فيتناول جميع المهن الثقافية دون استثناء، من الكتابة، إلى تنظيم الأنشطة وإدارتها وتقديم البرامج الحوارية وإقامة حفلات التكريم. ويرصد مختلف الأنشطة الثقافية من الأمسية الشعرية إلى الندوة السياسية وحفلات التوقيع والتكريم . وينتقد رواد المقاهي ومتسكعي الشوارع ومقتعدي الأرصفة ونزلاء الفنادق ومدمني المطاعم ومتقاعدي الأحزاب وتجار النضال ومنتحلي الصفة. وهو يفعل ذلك كله من خلال راويه البطل، الذي يمنحه دقة الملاحظة وسلاطة اللسان وبراعة الوصف ومرارة السخرية. فلا تتمالك نفسك من الضحك في مواقف كثيرة. على أن هذا الراوي الذي يوزع مهاراته على الجميع ولايترك أحداً من شرّه، يسخر من نفسه ومن الآخرين. ويصرح بنقائصه ونقائصهم.  ويؤثر الشعراء بقدر خاص من هذا "الشر"، وكأني به يصفّي حساباً قديماً معهم، أو يطالب بثأر مزمن، أو لعله يعوض عن نقص معين إزاءهم.

السخرية سلاحاً

في "بيروت من تحت"، يتخذ الكاتب من السخرية سلاحاً يشهره في وجه المظاهر الطافية على سطح الحياة الثقافية، فيرصدها في مقاهي شارع الحمرا ومطاعمه ومنابره وشوارعه وأرصفته. ويقتفي أثر المثقفين في جلساتهم وحواراتهم وأنشطتهم وحركاتهم وسكناتهم. ويفكك علاقاتهم في ما بينهم، ويخلص إلى ما تتردى فيه من تحاسد وتباغض وتكاذب وازدواجية ونفاق وتلون واغتياب ووصولية واقتناص فرص وسواها من الموبقات. وهو ما تشي به الوقائع الروائية المختلفة. ويصدّر عن منظور روائي سلبي إلى هذه الشريحة الاجتماعية لا يخلو من التعميم، وفي التعميم ظلم.

يشكل الراوي السلك الذي ينتظم أحداث الرواية، سواء من خلال مشاركته فيها أو شهادته عليها. ويمثل نموذج مثقف المدينة الذي يقوم بانتقاده والسخرية منه، في ارتياده الحانات والمقاهي والمطاعم. في تسكعه في الشوارع. في انخراطه في سجالات مجانية. في إفراطه في الشراب حتى يتعتعه السكر، على حد تعبير أبي نواس. في اغتياب الآخرين والسخرية منهم والتشكيك في قدراتهم. في ممارسة خصوصيته، وفي خلوده إلى عزلته القسرية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحف بهذا السلك/ النموذج، أسلاك أخرى، تطول أو تقصر بحسب مقتضى الحال الروائية، ولعل السلك الآخر الذي يليه في الطول، ويُطل برأسه بين فينة وأخرى، هو سلك يمامة، فتاة الليل القادمة من البادية السورية، التي تكسر حدة عزلته، وتؤنس لياليه، وتبدو غريبة على المدينة وأجوائها. يعيشان الغربة والاغتراب إلى حد بكاء أحدهما على صدر الآخر، حتى إذا ما اختفت يمامة، ذات يوم، وتم العثور على جثتها مخنوقة ومغتصبة على شاطئ الرملة البيضاء، تشكل هذه الواقعة القاسية، معطوفة على واقعة تفجير مقهى الكوستا، سبباً في محاولة الراوي الانتحار في نهاية الرواية. يلي هذا السلك في الطول، سلك رئيس المجلس الثقافي العلماني، صديق الراوي، الذي يستغل موقعه وعلاقاته لأهداف مادية، ويمثل الفساد الثقافي. ولا يتورع عن مساعدة الراوي، عن تحويل ناطور البناية أبي الياس إلى شاعر لتأمين التوازن الطائفي لأمسية شعرية، حتى إذا ما أرادت وسائل الإعلام إجراء مقابلات مع الشاعر المنتحل الصفة، وكاد أمرهما يُفتَضَح، يقومان بنعيه إلى المثقفين باعتباره شهيد الحرب السورية، ويقوم بعض المثقفين بالتنويه بموهبته الشعرية. إنه التكاذب الثقافي بامتياز. وثمة أسلاك أخرى قصيرة يمثل كل منها عطباً معيناً من أعطاب المدينة لا يتسع المقام لذكرها.

وبعد، بمعزل عن المنظور الثقافي المعمِّم الظالم في "بيروت من تحت"، يمكن القول إنها رواية مختلفة، بـ"مخلوطتها" اللغوية، وسخريتها المرة، ونقدها الجارح، ومواقفها الطريفة، وتشبيهاتها المبتكرة، ما يجعل قراءتها محفوفة بالمتعة والتسلية. ويدفع إلى الاستنتاج أن بيروت من فوق هي نفسها بيروت من تحت.      

المزيد من ثقافة