إيران والنفط وترمب... أسئلة وأجوبة

طهران أتقنت تصدير نفطها في الأسواق السوداء على مدى عقود ماضية، وأتقنت اللعب على حبال مختلفة


توازن أسواق النفط العالمية يتطلب عدم زيادة دول الخليج لإنتاجها حاليا والاستمرار في تخفيض الإنتاج وفقا لاتفاق "أوبك+" (رويترز)

لماذا فرض ترمب العقوبات النفطية على إيران؟

عارض الرئيس دونالد ترمب عندما كان مرشحاً للرئاسة الاتفاق الذي وقّعه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والدول الأوروبية مع إيران، حيث اعتبر أن إيران هي الرابحة في الموضوع، وتعهّد أن يلغي الاتفاق، بهدف إجبار إيران على القيام بأمور معينة أو تحقيق اتفاق أفضل. ومع إلغاء الاتفاق عادت العقوبات القديمة التي تتضمن عقوبات على الشركات والدول التي تشتري النفط الإيراني. 

ومع اقتراب موعد العقوبات في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، طالب ترمب الدول المنتجة للنفط بزيادة إنتاجها لتعويض انخفاض صادرات النفط الإيراني، كما توقع الكثيرون وقتها ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل. وفعلا قامت بعض الدول بزيادة إنتاجها، ليس بالضرورة تلبيةً لمطالب ترمب، ولكن لتفادي وصول أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل كما توقع عدد من المحللين وكبار بيوت الخبرة، حيث أن هذه الأسعار مضرة بنمو الطلب العالمي على النفط، والذي يعني انخفاضا كبيرا في الأسعار في الفترة التي تليها.

إلا أن ترمب فاجأ السوق بإعطاء استثناءات لثماني دول لمدة ستة شهور، فانخفضت أسعار النفط في الربع الأخير من العام الماضي بشكل كبير، الأمر الذي جعل أوبك+ (دول منظمة أوبك مع روسيا ودول أخرى ليست أعضاء في أوبك) تخفّض الإنتاج منذ بداية العام الحالي.  ونجحت هذه الجهود في رفع الأسعار مرة أخرى. 

وكما فاجأ ترمب الأسواق في المرة الأولى بإعطاء استثناءات، فاجأ الأسواق بأنه لن يعطي أي استثناءات عندما تنتهي مدتها يوم الخميس المقبل، وهذا على عكس ما كان يتوقعه المحللون. وعلى إثر ذلك ارتفعت أسعار النفط، ولكنها ما لبثت أن انخفضت وعادت إلى مستوى ما قبل الإعلان عن عدم إعطاء استثناءات بعد أن ادّعى ترمب أنه حصل على تعهد من بعض دول الخليج بزيادة الإنتاج لتعويض انخفاض الإنتاج الإيراني.

باختصار، يحاول ترمب الظهور بأنه يحاول الحصول على اتفاق أفضل من الاتفاق الذي توصل إليه أوباما مع إيران، إلا أن الأمور تطورت في الشهور الأخيرة لدرجة أنه لا يُعرف بالضبط ماذا يريد ترمب من إيران!

ما أثر إلغاء الاستثناءات في أسواق النفط؟

أثر بسيط، إن وجد! لا شكّ أن العقوبات القديمة والحالية أثرت في صادرات النفط الإيرانية، وحرمت الحكومة الايرانية من عوائد مالية ضخمة، سواء لعدم بيع النفط، أو لبيع النفط ولكن لعدم التمكن من تحويل العائدات لصالح إيران. إلا أن الانخفاض في الصادرات والإنتاج أقل بكثير من المعلن.

ونتج عن إلغاء الاتفاق النووي انخفاض صادرات النفط الإيرانية، إلا أن وجود الاستثناءات من عدمها لن يؤثر في صادرات النفط الإيرانية لأن إيران ستصدر الكمية نفسها تقريبا على كل الحالات. هذا يعني أن قرار ترمب الأخير بإلغاء الاستثناءات لن يؤثر في إيران كثيرا، حيث أن إيران أتقنت عمليات تصدير نفطها في الأسواق السوداء على مدى العقود الماضية، وأتقنت اللعب على حبال مختلفة.  طبعا مشكلة الحكومة الإيرانية في هذه الحالة أنها تحصل على أسعار أقل كي تتمكن من تسويق نفطها وإرضاء كل الوسطاء المسوّقين لنفطها.

وهناك ثلاثة أسباب لتوقع عدم انخفاض صادرات النفط الإيرانية بعد إلغاء الاستثناءات الأميركية، حيث ستبدأ العقوبات فعلياً يوم الخميس:

 1- النص القانوني للقرار الأميركي

الملفت للنظر تكرار تعبيرين قانونيين في القرار، الأول يتعلق بـ "المعرفة" والثاني بـ"الصدفة" أو "حالات نادرة"

فالقانون ينطبق على من "يعرف" أنه يشتري نفطا إيرانياً مع سابق الإصرار والتصميم. أما إذا كان المشتري "لا يعرف" أنه يشتري نفطاً إيرانيا فلا تنطبق عليه العقوبات!

وإذا قامت شركة بشراء شحنة نفط إيرانية في حالة نادرة أو كل فترة، فإن العقوبات لا تنطبق عليها أيضا.

هذا يعني أن هناك ثغرات قانونية سيتم استغلالها لشراء النفط الإيراني، بخاصة أنه يُباع بأقل من سعر السوق.

2- خبرة إيران الطويلة في تلافي العقوبات

بعد تأميم النفط في إيران ووصول محمد مصدق إلى السلطة وهروب شاه إيران في عام 1951، فرضت البحرية البريطانية حصارا خانقا على إيران نتج عنه وقف تصدير النفط تماما، وساءت الأوضاع، ونسقت المخابرات الأميركية انقلابا شهيرا أطاح مصدّق وحكومته وأعاد الشاه إلى منصبه. إلا أن هذه التجرية علّمت جميع الأطراف، جماعة مصدّق وجماعة الشاه والملالي، بالاضافة إلى حكومات دول المنطقة، درسا قاسيا ومهما: تصدير النفط يتطلب أسطولا وطنيا من ناقلات النفط! لذلك بنت إيران أسطولا ضخما من حاملات النفط، والذي تستخدمه اليوم في نقل نفطها.

واستخدمت إيران أسطولها في أثناء العقوبات لنقل النفط أو لتخزينه، ولعل من أشهر ما تقوم به هو تحويل أسطولها إلى "سفن أشباح" بعد إطفاء أجهزة "الرادار" والتتبع فيها، بحيث لا يُتعرف وجهتها ومكانها.

وساعدت الصين أخيرا إيران بتركيب أجهزة "رادار"، مهمتها التشويش، بحيث تظهر أن الناقلة في الفلبين مثلا، وهي في أحد الموانئ الصينية حقيقة.

كما تنقل إيران في كثير من الأحيان النفط من سفنها إلى سفن أخرى بجنسيات مختلفة في عرض البحر، بعد استخراج جنسية أخرى للنفط.

كما يتم أحيانا نقل النفط إلى أماكن أشبه بمناطق التجارة الحرة، بحيث يُمزج النفط مع أنواع أخرى من النفط من دول أخرى، بحيث تضيع هوية النفط الإيراني تماما، ثم بيعه في الأسواق العالمية.

ولجأت إيران تاريخيا، وهو ما تفعله الآن أيضا، إلى استخراج شهادة منشأ مزورة للنفط الإيراني، حيث يتم إرساله إلى دول مجاورة ثم تصديره على أنه نفط من دول أخرى.

كما أن هناك طرقا أخرى تقوم فيها إيران بتصدير نفطها لا مجال لذكرها الآن.

والملاحظ خلال العقوبات في عهد أوباما أن الإنتاج لم ينخفض بنفس نسبة انخفاض الصادرات للأسباب المذكورة أعلاه، ولسبب خفي عن الكثيرين، وهو قيام إيران باستخدام النفط في توليد الكهرباء وتصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة. بعبارة أخرى، صدّرت إيران النفط على شكل كهرباء!

 3- موقف الصين وروسيا وبعض الدول الأخرى من العقوبات الأميركية

من الواضح أن الصين وروسيا ستتجاهلان العقوبات الأميركية، وستشتريان النفط الإيراني، ليس بالضرورة للاستخدام المحلي ولكن لإعادة بيعه أيضا وتحقيق أرباح من فارق الأسعار. وهو ما يتم عمله  أيضا مع فنزويلا حاليا. 

خلاصة القول أن النفط الإيراني سيصل إلى الأسواق، وبالتالي فإن العقوبات في النهاية قد لا تسهم في رفع الأسعار كما يأمل البعض. وقد يحصل العكس، حيث تؤدي العقوبات إلى تخفيض الأسعار نتيجة قيام إيران (والآن فنزويلا) بتقديم تخفيضات سعرية كبيرة لبيع نفطها.

هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟

هددت بعض قيادات الحرس الثوري بالانتقام من فرض العقوبات وقيام دول الخليج بتعويض الانخفاض في صادرات النفط الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز.

وهنا لا بد من ذكر نقطتين هامتين. الأولى أنه ليس في صالح إيران إطلاقا إغلاق المضيق، والثانية أنها لا تستطيع إغلاق المضيق!

إيران لا ترغب في إغلاق المضيق لأن هذا يعني وقف كل الإيرادات المالية من تصدير نفطها، سواء المباشر لدول مثل الصين، أو في السوق السوداء لدول مختلفة. كما أن إغلاق المضيق سيؤذي أصدقاء إيران كثيرا، مما يجعلهم ينقلبون عليها. كما أنها ستخسر مواساة ومؤازرة عدد كبير من الدول الأفريقية التي ستعاني معاناة شديدة من نقص إمدادات النفط والارتفاع الكبير في أسعاره.

وتدرك إيران أن عبثها بالمضيق سيجعلها تخسر ورقة المضيق إلى الأبد إذا قامت دول الخليج والعراق ببناء أنابيب يتم فيها تجاوز المضيق تماما. كما تدرك أنها لا تستطيع أن تؤذي الولايات المتحدة وأوروبا بسبب المخزون الاستراتيجي الهائل، والذي يكفي هذه الدول لشهور عديدة.

ولعل الأهم من هذا كله هو أن إغلاق المضيق سيجعل العالم يصدّق ما تقوله الولايات المتحدة ودول الخليج عن النظام الإيراني، وهو أمر لن يرضى به ملالي طهران.

والواقع أن إيران لا تستطيع إغلاق المضيق نتيجة اتساعه، ولأن أغلب المضيق يتبع دولة أخرى، هي سلطنة عمان. كما أن المضيق محميّ من عدة دول أجنبية، والأسطول الأميركي الخامس موجود في الخليج.

إلا أنه يمكن لعناصر إيرانية عرقلة الملاحة في الخليج بشكل عام والمضيق بشكل خاص عن طريق مهاجمة بعض السفن أو زرع بغض الألغام البحرية.  إلا أن هذه التصرفات سيكون لها ثمن غال جدا على كل الحالات.

لقد تعلمت الحكومة الإيرانية عبر السنين أن حياتها مرتبطة باستمرار الملاحة في المضيق، لذلك لا يتوقع أن يكون هناك أي توقف أو عرقلة لحركة النفط في المنطقة.

هل تستطيع دول الخليج وغيرها التعويض؟

تستطيع دول الخليج تعويض أي انخفاض حقيقي في صادرات النفط الإيرانية بسهولة، ولكن لا تستطيع تعويض كل الانخفاض في المكثفات (إن حصل هذا الانخفاض). وهنا لا بد من ذكر أن دول الخليج عوضت أغلب النفط الإيراني عندما توقف في بداية الخمسينيات، وعوضت توقفه وانخفاضه في أثناء وبعد الثورة الإيرانية في 1979، وعوضته في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وعوضته في فترات العقوبات المختلفة. إذاً موضوع التعويض ليس الهم الذي يشغل هذه الدول.

المشكلة أن توازن أسواق النفط العالمية يتطلب عدم زيادة دول الخليج لإنتاجها حاليا والاستمرار في تخفيض الإنتاج وفقا لاتفاق "أوبك+"، هذا يعني أن رغبة دول الخليج في التعويض ضعيفة.

كما أن هناك مشكلة أخرى، وهي أن دول الخليج ودول "أوبك" الأخرى ليس لديها طاقة إنتاجية فائضة في "المكثفات" والتي تستوردها عدة دول آسيوية من إيران.

والمكثفات هي سوائل تستخرج من آبار الغاز ولا تدخل في الحصص الإنتاجية لـ"أوبك". وفي الوقت الذي تستطيع الولايات المتحدة تعويض بعض هذه المكثفات، ومن حقل "ايغل فورد" تحديدا، إلا أنها لا تستطيع تعويض المكثفات الإيرانية بالكامل بسبب اختلاف النوعية.

الخلاصة

خلاصة الأمر أن قرار ترمب وقف الاستثناءات لن يؤثر كثيرا في أسواق النفط العالمية لأن إيران ستصدر نفطها على كل الحالات، ولأنه يتوقع عدم قيام دول "أوبك" الأخرى بزيادة الإنتاج تحسبا لأي انخفاض.

المزيد من آراء