السيدة الحرة... أهم حاكمة في تاريخ المغرب

لم يهتم بها المؤرخون خصوصاً العرب منهم

صورة تخيلية للسيدة الحرة بريشة ليونور سولانز (عن مواقع التواصل الاجتماعي)

تعتبر السيدة الحرة (1542-1485) واحدة من أهم الزعيمات اللواتي عرفهنّ المغرب عبر تاريخه. عُرفت بالعلم الغزير والذكاء الحاد والحنكة السياسية قبل وأثناء حكمها مدينة تطوان. وعلى الرغم من ذلك، لم يهتم بها المؤرخون خصوصاً العرب منهم

تقول تقول الباحثة المغربية المتخصصة في السرد الإسباني دنيا الإدريسي" إنه لَصَمْتٌ مجحفٌ ذاك الذي خصّها به سواء المؤرخون العرب أو الأجانب، ففي المصادر العربية لا نكاد نجد أخباراً عن هذه الملكة التي حكمت خلال 30 سنة من 1510 وحتى 1542 وهي السنة التي تمت فيها إقالتُها".

النشأة

وُلدت السيدة الحرة بمدينة شفشاون شمال المغرب في العام 1493، نشأت بتلك المدينة وتلقت فيها تعليمها على يد أكبر العلماء وفقهاء الدين. سهّل ذكاؤها الحاد حصولها على ثقافة غزيرة ساعدتها على كسب دراية بفنون إدارة الدولة ومواجهة الخصوم والأعداء، ما ساعدها في دخول مجال السياسة الذي كان حكراً على الرجال، على الرغم من التحفظات الفكرية والاجتماعية والثقافية على تولي المرأة للحكم التي عرفتها المجتمعات العربية عموماً.

تقول دنيا الإدريسي:" كانت السيدة الحرة، سليلة أسرة من الأندلسيين البارزين هم بنو رشيد، والذين شأنهم شأن آخرين اضطروا إلى الهروب إلى شمال إفريقيا أمام زحف الملوك الكاثوليكيين، السيدة الحرة هي بنت االسلطان المجاهد علي بن راشد الذي تحول إلى أمير مستقل عن سلالة الوطَّاسيِّينَ في فاس، مؤسساً دُويلة بمدينة شفشاون، أما أمها فهي لالة زهرة فرناندث تلك المورسكية المعتنقة للإسلام والمتحدرة من منطقة ِخِيرْ دِي لَا فْرُونْتِيرَا (قَادِشَ). تربت السيدة الحرة على أيدي خيرة حكماء ومفكري مدينة تطوان".

ويُورِد عبد الرحيم جبور في كتاب "أسرة بني راشد بشمال المغرب": "تروي لنا الأخبار سواء البرتغالية أو الإسبانية أن هذه السيدة النبيلة كانت تملك ذكاءً نادراً، وأخلاقاً سامية هيّآها لتأخذ بيدها السلطة، بسبب التعليم الذي تلقته من أشهر العلماء ورجال الدين في عصرها".

الاسم

تتضارب الروايات التاريخية حول تسمية "السيدة الحرة"، وغالبيتها ترى أن مصطلح السيدة الحرة هو فقط لقب في حين يرى بعض المؤرخين أن الحرة اسمها الحقيقي.

ونشرت مجلة "دعوة الحق" المهتمة بالتاريخ والدين في دراسة لها حول السيدة الحرة: "ادعى بعض المؤرخين الأجانب أن اسمها عائشة ولذلك فهم يجعلون لفظ الحرة لقباً كان يطلق عليها تشبيهاً لها بأنثى الطائر الحر الذي هو الباز، نظراً لما يتمتع به من مزايا عدة عن سائر الطيور".

ويقول الأستاذ محمد داود في كتابه "تاريخ تطوان" إنها لقبت بالحرة تمييزاً لها، لأن الناس في ذلك العصر كانوا يكثرون من التسرّي بالجواري. ويرى الأستاذ والباحث عبد الوهاب بن منصور أن "اسمها الحقيقي هو الحرة لا عائشة ويؤكد أن الحرة ليست لقباً ولا صفة لها بل هو اسمها الشخصي، وقد اعتمد في ذلك على ما ورد مثبتاً في عقد زواجها من السلطان أحمد الوطاسي".

الزواج والحكم

 تزوجت السيدة الحرة بمحمد المنظري حاكم مدينة تطوان في حياة والدها علي ابن راشد في العام 1510 وهي في سن الثامنة عشرة، واعتبرت بعض المصادر التاريخية أن الهدف من هذا الزواج، الذي دام تسع سنوات، تقوية التحالف بين إمارة شفشاون وقيادة تطوان من أجل تمكين جبهة الدفاع ضد البرتغاليين المحتلين بعض مناطق شمال المغرب.

ويقول عضو أكاديمية المملكة المغربية عبد العزيز بنعبدالله: "المنظري (جد محمد المنظري) من أشرف على بناء تطوان وكان من بين الغرناطيين المهاجرين إلى المنطقة أسرٌ من الأرستقراطية الأندلسية، فأصبحت تطوان في طليعة حواضر المغرب التي احتضنت تراث الأندلس وامتازت قبل غيرها ببطولة نادرة في خوض غمار معركة عارمة ضد الإسبان، وظلت مدينة شفشاون معقل الجهاد تتجمع في حصونها أجهزة النضال الذي أقضّ مضاجع الإسبان".

كان زوجها يستشيرها في أمور الحكم ويُنيبها عنه خلال غيابه وهو ما زاد من درايتها بدهاليز السياسة وطريقة التعامل مع الناس، إلى أن توفى ومن ثم أصبحت مدينة تطوان خاضعة لسلطة شقيقها الأمير إبراهيم بن علي بن راشد حاكم شفشاون، وحين أصبح وزيراً للسلطان أحمد الوطاسي عيّن اخته حاكمة على مدينة تطوان.

لم يعارض سكان مدينة تطوان أن تُولّى امرأة عليهم لِما عرفوه عنها من حكمة وحسن التدبير وحنكة سياسية، كما سيّرت السيدة الحرة أمور المدينة كما تُسيّر المدن الكبرى، اهتمت بالجانب العسكري فأمّنت المدينة من التهديد الإيبيري الدائم، وشكلت جيشاً من أجل الجهاد البحري.

زواجها بالسلطان الوطاسي

تزوجت السيدة الحرة بالسلطان أحمد الوطاسي في العام 1541م بمدينة تطوان بدل مدينة فاس عاصمة حكمه، ما اعتبر خروجاً عن العادات السلطانية، ويُرجع بعض المؤرخين ذلك لقوة شخصيتها.

تركها خليفة له على مدينة تطوان وعاد إلى عاصمته لتدبير أمور دولته، وهو الأمر الواضح أن خلفية الزواج كانت سياسية، لتقوية الدولة الوطاسية شمالاً خصوصاً بعد قيام الدولة السعدية بالجنوب والتي كانت تهدف إلى بسط سيطرتها على كامل تراب المغرب.

توثّق بعض الروايات التاريخية أن هذا الزواج قد أثار حقد الحكام الأوروبيين، إذ غضب ملك إسبانيا فيلب الثاني، لأن ذلك الزواج من شأنه تقوية العلاقة بين مجاهدي تطوان وشفشاون وبين السلطان فيتحدون ضده.

أميرة الجهاد البحري

لم تستسغ السيدة الحرة طرد الحكام الإسبان المسلمين من الأندلس، وأرادت الثأر منهم عبر تشكيل جيش للجهاد البحري كان مرابطاً بمنطقة مرتيل القريبة من تطوان، وتحالفت مع أمير البحار العثماني خير الدين بربروسا الذي ذاع صيته في بلاد المغرب لما ألحقه من هزائم ثقيلة بالقوى الأوروبية وعلى رأسها إسبانيا، فاتفقت معه على تقاسم مناطق الجهاد، حيث أشرفت هي على غرب المتوسط من جهة المغرب، فيما قاد هو العمليات في شرقه من جهة الجزائر، وأدت قيادتها المتميزة للجهاد البحري إلى تسميتها بـ "أميرة الجهاد البحري".

قيام الدولة السعدية

أسّست الدولة السعدية بداية القرن السادس عشر في جنوب المغرب، وأدى ذلك إلى أعمال جهادية ضد البرتغاليين المحتلين بعض مناطق الجنوب وإلى تزايد شعبيتها بالمغرب، في حين اعتمد نهج الوطاسيين السياسي منذ قيام حكمهم على مهادنة العدو تارة، ومقاومته من حين إلى آخر، ولم تكن هذه السياسة ترضي غالبية المغاربة وانتقدها زعماء الجهاد العلماء، فأصبح من المغاربة من يوالي السعديين ومن يوالي الوطاسيين. خاض الوطاسيون والسعديون معارك عدة أدت الى إضعاف نفوذ الدولة الوطاسية وبالتالي إضعاف نفوذ السيدة الحرة في تطوان.              

الأُفول

مع تراجع نفوذ الدولة الوطاسية، وعداوة حاكم سبتة المحتلة بسبب دعم حاكمة تطوان للجهاد البحري الأمر الذي أدى إلى توقف التبادل التجاري بين المدينتين في العام 1542، وبالتالي تدهور الوضع الاقتصادي لمدينة تطوان، ومع معارضة كبار الرجال من عائلة المنظري وغيرهم تولّي السيدة الحرة حكم تطوان معتبرين أنهم أولى به، سهّل كل ذلك المؤامرة لقلب حكمها.

وقد جاء في المصادر البرتغالية "أنه في يوم عشري شهر أكتوبر في العام 1542 غادر السيد محمد الحسن المنظري(ابن القائد محمد المنظري) مدينة فاس هارباً من السلطان أحمد الوطاسي وتوجه نحو مدينة تطوان مركز حكم السيدة الحرة، فوصلها على رأس جماعة من الفرسان ومعه عائلته، وبعد يومين من وصوله إليها أعلن نفسه حاكماً على هذه المدينة مستقلاً عن سلطان فاس، ثم أخرج السيدة الحرة من هذه المدينة واستولى على جميع ممتلكاتها فيها".

وترى مجلة "دعوة الحق" في دراستها "أن هذا الانقلاب لم يتم للمنظري إلا بمساعدة المتآمرين معه على حكم السيدة الحرة من سكان تطوان نفسها ولا يبعد أن يكون ذلك كله بتدبير عال من خصوم دولة الوطاسيين، وبذلك وقع القضاء النهائي على حكم السيدة الحرة في مدينة تطوان ونواحيها".

يذكر أن السيدة الحرة عاشت بعد تنحيتها عن الحكم في مدينة شفشاون مسقط رأسها في رعاية أخيها الأمير محمد، إلى أن توفيت ودفنت برياض الزاوية الريسونية بالمدينة ذاتها، ولا يزال قبرها معروفاً وحاملاً اسمها حتى اليوم.

 

المزيد من سياسة