Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات المستعجلين والمحشورين: "حلمان في سرير واحد"

قمة المبالغات هي تصور طهران أنها منتصرة وتستطيع الحفاظ على البرنامج النووي والنفوذ

لا شيء يوحي بقبول "التعايش مع إيران نووية" (رويترز)

في فيينا عام 2015 كان التوقيع، وفيها عام 2021 يبدأ الترقيع. الذين وقّعوا الاتفاق النووي واسمه الرسمي "خطة العمل الشامل"، كانوا مستعجلين: الولايات المتحدة الأميركية أرادت اتفاقاً بأي ثمن لتسهيل رهان الرئيس باراك أوباما على مغادرة الشرق الأوسط وترتيب توازن قوى بين قوة "الإخوان المسلمين" وقوة الملالي في طهران. إيران مستعجلة على رفع العقوبات الدولية. روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعجلة على وضع ضوابط للبرنامج النووي الإيراني يخرجها من كابوس حصول طهران على قنبلة نووية. والذين يبدأون الترقيع بعد خروج أميركا من الاتفاق أيام الرئيس دونالد ترمب محشورون: واشنطن غير المحشورة توحي أنها محشورة بالقول إن طهران صارت على مسافة أشهر قليلة من امتلاك ما يكفي لصنع قنبلة. إيران المحشورة بالعقوبات الأميركية القاسية التي أذت شعبها واقتصادها، تدّعي أنها ليست محشورة ولا مستعجلة. وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا محشورة بالخوف من أن تصبح جمهورية الملالي قوة نووية، وبالقلق حيال مصير الاتفاق الذي بدا كأنه خسر أساسه بعد الانسحاب الأميركي منه. فالتخلي الإيراني عن الالتزامات، جعل الاتفاق في حال موت سريري. والعجز الأوروبي عن الضغط على طهران للعودة الى الالتزامات، رافقه التراخي الروسي الصيني معها لحسابات سياسية، لا بل إن إيران نجحت في ابتزاز أوروبا واتهامها بنقض العهود.

عنوان اللعبة الآن هو "الامتثال مقابل الامتثال". لكن المصاعب والتعقيدات قبل بداية اللعبة هي مجرد "حنجلة" في رقص أصعب بكثير. فما تغيّر في حسابات إدارة الرئيس بايدن هو "المقاربة"، أما الموقف الأساسي، فإنه ثابت. كذلك الأمر في حسابات الملالي والأطراف الأخرى في الاتفاق. ومع أن المفاوضين هم أنفسهم، من "ليالي الأنس في فيينا" إلى أيام الجدل في فيينا، فإن اللعبة مختلفة. "حلمان في سرير واحد"، كما يقول المثل الفرنسي. اللغة متغيرة لدى الرئيس جو بايدن الذي كان نائب أوباما، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي كان نائباً للوزير جون كيري، ومستشار الأمن جايك سوليفان الذي كان معاوناً لبايدن، والموفد الخاص إلى إيران روبرت مالي الذي كان في مجلس الأمن القومي، ونائب وزير الخارجية ويندي شيرمان التي كانت وكيلة الخارجية، ومدير الاستخبارات المركزية وليم بيرنز الذي كان المفاوض الأساسي كنائب لوزير الخارجية. وهي مرتفعة أكثر لدى الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف ومساعد الوزير عباس عرقجي. "المقاربة" الأميركية هي "الدخول إلى الغرفة" ثم التفاوض من الداخل على اتفاق "أقوى وأكثر استدامة"، كما يقول بلينكن. و"المقاربة" الإيرانية هي الإصرار على أن تأتي الخطوة الأولى من واشنطن. لكن المواقف متناقضة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذلك أن إدارة بايدن التي لا تمانع في معادلة "خطوة خطوة"، ولا في تخفيف بعض العقوبات مقابل العودة الإيرانية الى الالتزامات، تريد الوصول إلى طريق بعيد، مع الحفاظ على سلاح العقوبات حتى الوصول إلى المطلوب: تشديد القيود على إيران في الاتفاق، والحد من برنامج الصواريخ الباليستية، كما من النفوذ الإيراني و"السلوك المزعزع للاستقرار" في المنطقة. فضلاً عن الرغبة في أن تشارك الجامعة العربية والسعودية وإسرائيل في المفاوضات. وفي المقابل، فإن طهران ترفض الخطوة- خطوة، وتصرّ على رفع العقوبات دفعة واحدة وفوراً ثم التأكد من ذلك قبل الامتثال للالتزامات التي خرقتها. ولا مجال لتخطي هذا الموقف الذي أعلنه المرشد الأعلى علي خامنئي وقال إنه لن يتغير. فضلاً عن رفض أية التزامات جديدة، إذ "لو كنّا نقبل التزامات جديدة لاتفقنا مع ترمب ولما انتظرنا وصول رئيس آخر إلى البيت الأبيض"، كما قال مستشار لروحاني. ولا بحث في البرنامج الصاروخي، كما قال خامنئي، لأن هذا "سلاح الدفاع عن الأمن القومي". ولا تغيير للسلوك والنفوذ. حتى من يقبل البحث في الملف الصاروخي، فإنه يطرح توسيع الموضوع إلى فتح ملف التسلح في الشرق الأوسط، وضمنه طبعاً ملف السلاح النووي الإسرائيلي.

ولا أحد يعرف كيف يمكن التفاهم وسط هذه المواقف الأساسية المتباعدة جداً. ولا شيء يوحي أن أميركا وروسيا والصين وأوروبا ودول الشرق الأوسط يمكن أن تتقبّل ما دعا إليه خبير استراتيجي أميركي قبل سنوات في مقال نشرته "فورين أفيرز" وهو "التعايش مع إيران نووية". والمفارقة أن جمهورية الملالي تدّعي أنها لا تريد سلاحاً نووياً لأن خامنئي أصدر فتوى بتحريمه، لكنها تتحمّل كل أنواع العقوبات والضغوط والأكلاف المالية الباهظة بسبب برنامج نووي لو كان سلمياً لما اعترض أحد. وقمة المبالغات هي تصور طهران أنها منتصرة وتستطيع الحفاظ على البرنامج النووي والنفوذ في الشرق الأوسط وممارسة الغش والخداع في تخصيب اليورانيوم حتى في ظل الاتفاق النووي، والبقاء في الدور الذي سمّته كونداليزا رايس "المصرف المركزي للإرهاب".

المزيد من تحلیل