Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائية الأميركية كريستين سمولوود تتساءل عن الحياة الكئيبة للعقل

بطلتها دوروثي تعاني الفوضى الكونية وتعيد التفكير بالعالم وتثير سجالاً في الصحافة

الروائية الاميركية كريستين سمولوود (معهد نيويورك للعلوم الإجتماعية)

في مراجعتها النقدية لرواية "حياة العقل" للكاتبة الأميركية كريتسن سمولوود، تربط جيا تولنتينو، الناقدة الأدبية في "نيويوركر"، بين رواية الكاتبة سمولوود وموضوع أطروحتها للدكتوراه عن "الحقيقة الكئيبة" التي قدمتها في جامعة كولومبيا، وبين ما كان يردده على مسامعها محرر "نيويوركر" السابق "الأفكار تجعلك غبية"، كلازمة تحذيرية تجنبت أن تستفسر تولنتينو عما تعنيه حقا، لكنها استهلت بها مراجعتها النقدية لرواية" حياة العقل" لتعرج على دوروثي، الشخصية الروائية الأساسية التي استعانت بها سمولوود لتستأنف تساؤلاتها حول "الحقيقة الكئيبة لحياة العقل"، ولتستعرض التبادل الواسع للأفكار في القطاع الأكاديمي الخانق والإعلام، والتبادل المهيب للأفكار عبر شبكة الإنترنت، لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي لملايين البشر.

وهي تشعر بالذنب لقلة مشاركتها في النشاطات البيئية التي تتصدر كثيراً من وسائل الإعلام الرقمي. تعيش دوروثي وسط "الفوضى الكونية" للأفكار، في الوقت الذي تعيش فيه وحيدة في المساحة الخصوصية من عقلها، وتخوض بصمت مغامرة التفكير وسط تموجات الأفكار التي تتسابق مثل مياه بيضاء متماوجة، بينما هي معزولة تماماً داخل كآبة الحياة الداخلية لعقلها، وهذا من غير أن تتشارك حتى مع أقرب أصدقائها هذه الأفكار، أو حتى أخبارها الخاصة، وإن فعلت فإنها تبدأ بالحديث قليلاً ثم لا تلبث أن تلجأ للصمت، حتى عن "الإجهاض" الذي تعرضت له منذ أسبوع مضى في الحمام الوحيد للمكتبة العامة، حيث يستهويها التفكير في المراحيض "وتمارس التفكير" من غير هدى كأنما هي في حالة إجهاض دائمة.

حياة العقل

وبحس من الفكاهة تختلق سمولوود الرابط بين نوعية الأشياء التي تشغل عقل دوروثي وبين ما تفكر به من خلال "مجموعة متخيلة من الأطفال التي ستحاسبها في المستقبل عن هذا التقصير بالنشاط البيئي". و"تفكر" كيف ستشرح لهم أن ذلك التقصير متجذر في حاجتها الكثيفة لإزاحة الحدود عن نفسها التي كانت تكبلها وتشغلها وتتسرب إلى عقلها عبر الإعلام الرقمي. وتكاد سمولوود تلامس من خلال بطلتها دوروثي في رواية "حياة العقل" الحدود الرفيعة "الفاصلة" بين "العقل والجنون" من خلال محاكاة القلق الذي يكتنف حياة العقل ونشاطه بمواجهة أمور يصعب على دوروثي فهمها. وكذلك فشلها في الحصول على عمل، وفي عدم قدرتها على مواصلة البحث في رسالتها للماجستير في الأدب عن "سجن الإناث والرواية القوطية" (تلميحات عن نسوية تفكير دوروثي أيضاً)، أو انشغال تفكيرها في حقيقة تجعل نصف الثروة العالمية بأيدي ستة وعشرين شخصاً، أو الإذلال الذي يعيشه ملايين البشر (تفكر دوروثي) كي يبقوا على قيد الحياة.

وهذه أمور تصعب مجابهتها حين التفكير فيها بخوف ورعب وتشوش في دوامة متواصلة من العبث بحيوات البشر ومستقبل الكوكب، وتدفع البعض إلى حافة الجنون، وهو باعتقادي ما كان يحدث في الماضي والآن، وقد يواصل الحدوث في المستقبل ويؤدي إلى "الجنون" كحالة "ملازمة" لـ"حياة العقل"، تتبدل أسبابها وتتنوع أساليب التعامل معها عبر خطاب السلطات المهيمنة، وعلى جميع المستويات. وبما يصنف "الجنون" كجزء من حياة العقل، ويكسر تعريفه بـ"اللاعقل" بحسب ميشال فوكو، أو النظر إليه على "أنه شر مستطير"، بحسب الخطاب السلطوي السائد حين كان شأناً تتعامل معه الشرطة في العصر الكلاسيكي، بحسب فوكو، عندما كان يزج بالمجذومين و"المجانين" والمجرمين والمثليين وذوي العاهات الجسدية والحمقى داخل "الموريستانات"، التي كانت أشبه بالسجون، لإقصائهم داخل أسوارها. هذا قبل أن تتطور النظرة الطبية "للجنون"، ويصبح شأناً علمياً يتعامل معه الأطباء والمستشفيات.

في المشهد الافتتاحي للرواية الأولى الحادة لكريستين سمولوود "حياة العقل"، تجد شخصيتها الرئيسة "جوهرة الرواية - دوروثي" محبوسة في المرحاض العمومي، حيث تقضي دوروثي كثيراً من الوقت في الحمامات العامة، كما لو أنها تعاني إجهاضاً مطولاً، بل تجلس فترات طويلة كل يوم في المرحاض فقط لتفكر، في حين تعتبر الناقدة الأدبية مورين كوريجان رواية "حياة العقل" هزلية وساخرة تقترب أحياناً من الكوميديا السوداء، خصوصاً عبر تناولها تشوش الحياة الأكاديمية بما يشبه "الجحيم"، حيث الكثير من الفكاهة المتجذرة في عالم الأكاديمية الخانق، الذي يتنافس فيه الجميع ليكونوا سمكة كبيرة في بركة متقلصة ونتنة وبشكل مستدام، بينما هم في موقع "النخبة" التي ينتظر منها ريادة العقل الإنساني بالنسبة لدوروثي، فهذا أقل ما يتوقع منها، وهو ربما ما تتوقعه دوروثي من نفسها.

من خلال المهنة، تبدو دوروثي شخصية مفكرة. إنها طالبة دراسات عليا في الأدب، عالقة، كما تعترف، في "الجحيم المساعد" للأكاديمية. تدرس ما يصل إلى أربع دورات في الفصل الدراسي في إحدى مدارس النخبة في نيويورك، وفي الوقت نفسه تحاول، وتفشل، في إحراز تقدم في أطروحتها وتفكر ملياً في وضعها العالق في الحياة. ففي الخريف الماضي كان هناك ست فرص عمل في مجالها، لكن هذا الخريف لم يكن هنالك شيء. جف مناخ التوظيف، وكانت تعلم أنها لا تستطيع الاستمرار على هذا النحو. تذكرت بشكل غامض وقتاً لم تشعر فيه بالرغبة في القيام بالوظيفة التي تدربت من أجلها. الآن تعيش في خاتمة الرغبات. لم تعد تريد شيئاً.

تآكل الأحلام

هكذا تبدو أحداث "حياة العقل" تدور حول النهايات التي تقترب من نهايتها، وحول تآكل الأحلام الذي لا يرحم، والتسرب البطيء لحماسة الشباب، خاصة حين يتعلق الأمر بكونك شاباً في وقت من الزمن، فيبدو أن عديداً من الأشياء قد تتلاشى، بما في ذلك العالم الطبيعي. لا شيء يبدو واضحاً. الغموض يكتنف الأفكار والفوضى عارمة.

الإنجاز الكبير لرواية سمولوود المشدودة بحبكتها الذكية ليس فقط في حياة العقل وانشغال دوروثي بالتفكير. ففي حين أن "حياة العقل" تدور حول كل تلك الموضوعات القاتمة التي تفكر فيها دوروثي، فهي أيضاً واحدة من الروايات الأكثر ذكاءً، والأكثر هزليةً، والتي لم يبرز مثيل لها منذ وقت طويل، بحسب النقد. وباعتقادي أن رسم الخط البياني المتصاعد لشخصية دوروثي هو تجسيد لما كانت تعيشه دوروثي في خضم التفكير والتجربة الحياتية أيضاً.

كانت دوروثي نجمة صاعدة، ولكن بعد عقد من الدراسة في "معهد الدراسات العليا"، أصبحت تشعر بأنه لا معنى لها، على الرغم من أنها لا تستطيع تخيل ما تفعله أيضاً. فهي عالقة في الفشل، وهو ما يقودنا إلى تسليط الضوء على الكوميديا ​​الموسعة لهذه الرواية: المؤتمر الأكاديمي، إذ تتمثل عبقرية سمولوود، بحسب مورين كوريجان، في اتخاذ هذه الطقوس الاحترافية المتمثلة في إقامة شبكات التواصل الحماسية والعروض التقديمية الأدائية المصقولة بلغة المصطلحات، ووضعها في لاس فيغاس للنقاش. إذا كانت المهنة في الأوساط الأكاديمية، وخاصة في العلوم الإنسانية، عبارة عن تبادل لإطلاق النار، فما هو أفضل موقع لعقد مؤتمر "لمثل هذا المشهد" من ماكينات القمار في لاس فيغاس؟ تفكر دوروثي، وتحاول جاهدة، كما كانت دائماً، الحصول على تجربة ذكية، في لاس فيغاس، لكن متعة المدينة المحبة للغبطة تهزمها. في المؤتمر اللانهائي الذي شاركت فيه، تقابل دوروثي مستشار أطروحتها، وهي شخصية متلاعبة، كانت السبب في سعي دوروثي للحصول على خدمات "معالجين اثنين في وقت واحد" على سبيل الاحتياط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتعثر دوروثي أيضاً بصديقها القديم في مدرسة الدراسات العليا، والذي عندما كانا معاً، كان لديه ميل غريب للهمس بقصائد فرانك أوهارا في أذنها. قد لا تكون درجة في العلوم الإنسانية كافية للحصول على وظيفة لدوروثي، لكنها مفيدة بلا شك في ما يتعلق بالحصول على بعض النكات هنا (تتضمن إشارات إلى صمويل بيكيت، وجورج إليوت ربما...).

رواية "حياة العقل" ليست معادية للفكر. إنها لا تنتقص من سعة الاطلاع التي اكتسبتها دوروثي من خلال سنوات من العمل الجاد. وهي بالتأكيد لا تبرز الفراغ الذي تمثله لاس فيغاس كرمز للسعادة. بدلاً من ذلك، تعتقد مورين كوريجان أن الرواية تنتمي إلى نوع "التفكير النقدي الانعكاسي" لما يدور حولنا أو نعيش في خضمه، والذي لم يتوقف أبداً عند دوروثي. فهي تحلل كل شيء من مقابض الأبواب إلى ألعاب الحيوانات المحشوة، و"تفكر في إعادة صياغة هاملت" في الوقت نفسه "هي مريضة بالفكر". إذا استطاعت فقط أن تتعلم الضحك في بعض الأحيان فقد يتسع عالمها الضيق، وتبتعد قليلاً عن حافة الجنون، كما قد يراها البعض. وكذلك أن تمنح "عقلها" بعضاً من الراحة، ومساحة من الطمأنينة، بوصف الجنون جزءاً من حياة العقل لا نقيضه، إذ يستحيل التفكير "إلى نوع من تأكيد الوجود"، بحسب مقولة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت "أنا أفكر إذاً أنا موجود"، طالما كان التفكير بحسب الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت مقروناً بالضمير.

المزيد من ثقافة