Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تبلغ أزمة سد النهضة المواجهة عبر الفصل السابع؟

الأطراف المعنية في طريقها إلى مواجهة قانونية دولية وشيكة

أعالي بحيرة سد النهضة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

في وقت ما زالت الوساطة الإماراتية تتلمس طريقها لتحريك جمود مفاوضات سد النهضة المتعثرة، على إثر تلقيها الضوء الأخضر من حكومة السودان، وقبل أن تتبلور خطوط ملامحها بوضوح، توالت التحذيرات السودانية المصرية، من مغبة تنفيذ إثيوبيا، تهديدها المعلن بالملء الثاني للسد في يوليو (تموز) المقبل، سواء باتفاق أو من دونه.

أجواء المواجهات الدبلوماسية، بين السودان ومصر من جانب، وإثيوبيا من جانب آخر ما زالت قائمة، وبين الإصرار الإثيوبي والرفض المقابل له، أفق الحل يضيق، كلما اقترب موعد الملء الثاني للسد، وتتضاءل معه فرص وخيارات الحلول بالعودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات.

ففي الوقت الذي تكثف فيه مصر والسودان مساعيهما لحشد دعم المجتمع الدولي، لتعزيز الضغوط على أديس أبابا لوقف الملء الثاني، والوصول إلى اتفاق ملزم، جددت إثيوبيا رفضها مقترح توسيع آلية الوساطة إلى لجنة رباعية دولية، مع إصرارها على تنفيذ الملء الثاني في موعده، سواء بالتوصل إلى اتفاق أو عدمه، متجاهلة كل التحذيرات السودانية المصرية من تداعيات هذه الخطوة.

فإلى أين يتجه مسار الأزمة؟ وما هي فرص العودة مجدداً لاستئناف المفاوضات والتوصل لاتفاق؟ وهل الأزمة في طريقها إلى مواجهة قانونية دولية وشيكة، على طاولة مجلس الأمن الدولي، تحت الفصل السابع؟

مصير التفاوض وعنق الزجاجة

يرى مراقبون أكاديميون ومختصون، تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" أن استمرار التصعيد المتمثل في الموقف الإثيوبي، في مواجهة المطالب السودانية المصرية، من شأنه أن يقود إلى مزيد من التأزم.

ويرى ياسر عمر عبدالله، المختص في القانون الدولي، أن رفض إثيوبيا مقترح الرباعية الدولية، وتمسكها بتنفيذ الملء الأحادي الثاني في يوليو (تموز)، يعقّد الموقف، ويجعل الباب مفتوحاً أمام كل الخيارات بالنسبة إلى الأطراف الأخرى، مضيفاً، "هذا الوضع الجامد، قد يتطلب بالضرورة تدخل طرف جديد لمعالجته، لكن إثيوبيا ترفض ذلك، وبهذا التصلب ربما تكسب بعض الوقت على المدى القصير، لكن الأمر قد يدفع القاهرة أو الخرطوم، أو كلتيهما، إلى رفع شكوى لمجلس الأمن الدولي، كخطوة لازمة للمطالبة بإصدار قرار بإيقاف الملء، في إطار المبادئ الدولية واتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1997"، التي تؤكد على "الاستخدام المعقول والمنصف، من دون الإضرار بالأطراف الأخرى، كمبدأ وشرط أساس في استخدام المجاري المائية الدولية غير الملاحية".

المجتمع الدولي ومجلس الأمن

يتابع عبدالله، "بالنظر إلى التأكيدات السودانية المصرية بتهديد السد الإثيوبي أمنهما القومي، والتداعيات الإقليمية غير المنظورة المترتبة في ظل التصعيد الراهن، يمكن لمجلس الأمن أن يتدخل من تلقاء نفسه، وفق تقديراته ومخاوفه من أن  يسوء الوضع أكثر مما هو عليه، بما يشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، بخاصة مع التهديد الماثل للملء الثاني، وبعد أن نفذت أديس أبابا الملء الأول أحادياً، بصورة أضرت فعلياً بالسودان، وتأثرت قطاعات كبيرة في مجالات الزراعة ومياه الشرب، وأيضاً بالنظر إلى تهديدات مصرية سابقة في هذا الخصوص".

ويوضح المختص في القانون الدولي أن "خطوة السودان، ومطالبته رسمياً تشكيل لجنة رباعية دولية، تضع الأمم المتحدة المجتمع الدولي كله أمام مسؤولياته تجاه التطورات المتصاعدة في قضية سد النهضة، بعد تجربة غير مثمرة لـ 10 أعوام من التفاوض، كان آخرها قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير (شباط) الماضي، التي لم تتمخض عن قرارات قاطعة في شأن توقيع اتفاق ملزم يؤمن حقوق مصر والسودان تحت هذه المظلة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يستبعد عبدالله أن يؤدي تعنت إثيوبيا إلى إنهاء الفرص المتبقية أمام الحلول الدبلوماسية عبر الحوار والتفاوض المباشر، وفي الوقت نفسه، يضع أديس أبابا في مطب قانوني وسياسي، لأن تمسكها بما ترفضه الأطراف الأخرى، يطرح تساؤلات حول ما إذا كان ثمة ما تخفيه إثيوبيا عن العالم.

ووصف عبدالله استناد الجانب الإثيوبي في رفضه المقترح السوداني المصري على نصوص اتفاق المبادئ 2015، بضرورة توافق الدول الثلاث على الآلية، بأنه يعد تعاملاً انتقائياً، لأن الإعلان نفسه ينص بوضوح على الالتزام بالمعايير والاتفاقيات الدولية في مجال تنظيم مياه الأنهار الدولية، من حيث عدم الإضرار بالأطراف الأخرى، ولفت إلى أن بإمكان اللجنة الرباعية المقترحة أن تساعد في دفع المفاوضات إلى حل مقبول، من خلال تكليف لجنة دولية فنية محايدة بوضع مقترحات لقواعد الملء والتشغيل، تعرض على كل الأطراف للموافقة، لكن مخاوف الجانب الإثيوبي غير واضحة حتى الآن.

وقف التفاوض والمواجهة المباشرة

في المقابل، يرى أحمد المفتي، المفاوض الأسبق المختص في شؤون المياه والاتفاقيات الدولية، أن الحل الأمثل في الوقت الراهن، بالنسبة إلى السودان ومصر في مواجهة ما وصفه بالتعنت الإثيوبي، هو توثيق ونشر الانتهاكات الإثيوبية المتكررة لالتزاماتها، بموجب إعلان المبادئ، وبخاصة المبدأ (5) حول التعاون في الملء الأول وإدارة السد، فضلاً عن المبدأ (8) المتعلق بأمان السد، وتعميم تلك الانتهاكات للجهات الدولية والإقليمية كافة، وتوضيح أنهما قد وفتا بكل التزاماتهما، بموجب ذلك الإعلان.

ويرى المفتي أن على السودان ومصر، عدم الدخول في أي مفاوضات، ما لم تلتزم إثيوبيا مقدماً، بوقف أنشطتها في سد النهضة، إلى حين التوصل إلى اتفاق ملزم، من خلال مفاوضات تجرى بإشراف الأمم المتحدة، ويضيف، "في حال عدم التزام أديس أبابا ذلك، على كل من السودان ومصر، سحب التوقيع على إعلان المبادئ، وإعلان السد منشأة غير شرعية، ومطالبة دول العالم، والجهات والبنوك والشركات والأفراد وغيرهم بعدم التعامل معه، وتحميلهم مسؤولية أي مخاطر يسببها ذلك التعامل".

دعوة للمواجهة

وينصح المتخصص في اتفاقيات المياه الدولية برفع الأمر إلى مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، وفق طلب محدد، بإيقاف أي نشاط إثيوبي في سد النهضة، سواء كان في مجال التشييد، أو الملء، أو التشغيل إلى حين التوصل لاتفاق ملزم بإشراف الأمم المتحدة، مضيفا، "على السودان أن يطالب بالأراضي التي يقام عليها السد، لأنها منحت لإثيوبيا، بموجب المادة 3 من اتفاقية الحدود لسنة 1902، شرط ألا تقوم بتشييد أي منشاة مائية على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا، أو نهر السوباط، إلا بموافقة حكومة السودان"، مبيناً أن إثيوبيا قد أخلت بذلك الشرط، على الرغم من وفاء السودان بالشروط التي ألزمته بها المادة 4 من تلك الاتفاقية، وأعاد إقليم "قمبيلا" لإثيوبيا في العام 1955، بوصفها اتفاقية موثقة لدى الأمم المتحدة.

تحذيرات متتالية

وكان وزير الري والموارد المائية السوداني البروفسور ياسر عباس، قد حذر من أن خطوة الملء الأحادية، تهدد حياة أكثر من 20 مليون سوداني على ضفاف النيل الأزرق، إلى جانب خزان الروصيرص وكل المنشآت على النيل، وقال، "هذا الأمر غير مقبول إطلاقاً للسودان، ويجب ألا يكون سد النهضة مهدداً لأمن الإقليم، إنما محل للتعاون وتبادل المنافع، ﻭحسن الجوار"، مستغرباً موقف أديس أبابا في رفض مقترح اللجنة الرباعية الدولية، غير المستند على حجج مقنعة، بخاصة أن مفاوضات السد ظلت تراوح مكانها بسبب منهجية التفاوض.

كما أطلق وزير الري المصري محمد عبد العاطي، تحذيراً آخر، شدد فيه على رفض القاهرة الإجراءات الأحادية التي تتخذها إثيوبيا، مشيراً في تصريحات صحافية إلى أن تأثير السد على مياه نهر النيل يعد أحد التحديات الكبرى التي تواجه مصر حالياً.

ووصف المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد حافظ الإصرار الإثيوبي، بأنه يكشف مجدداً عن نية أديس أبابا في فرض الأمر الواقع بإجراءات أحادية تهدد مصالح الشعبين المصري والسوداني وتؤثر على الأمن والاستقرار في المنطقة، وأكد حافظ أهمية الانخراط النشط للمجتمع الدولي في مفاوضات تقودها جمهورية الكونغو الديمقراطية، من خلال الرباعية الدولية، لضمان فاعلية العملية التفاوضية ودفع الدول الثلاث ومعاونتها على التوصل لاتفاق خلال الأشهر المقبلة.

وتقدم السودان بمقترح دعمته القاهرة حول تطوير آلية التفاوض التي يرعاها الاتحاد الأفريقي من خلال تشكيل رباعية دولية تقودها وتسيرها جمهورية الكونغو الديمقراطية بصفتها الرئيسة الحالية للاتحاد الأفريقي، وتشمل كلاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتوسط في المفاوضات.

وأرسل رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، خطابات رسمية إلى الجهات الأربع، عبر فيها عن قلق بلاده العميق من الإعلان الإثيوبي حول الملء الثاني للسد، من دون انتظار التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، ما ستكون له أضرار بالغة على السودان وأمنه القومي.

واقترح السودان، تغيير النهج المُتبع في المفاوضات، الذي لم يثمر عن اتفاق بين الأطراف خلال فترة التفاوض الماضية، والتأسيس لمنهج يقوم على وجود الشركاء الدوليين الرئيسين للاستفادة من تجربة جولات التفاوض السابقة.

فرصة أخرى للوساطة الأفريقية

 لكن إثيوبيا أعلنت رفضها مراراً الوساطة الرباعية وتمسكها بالأفريقية من دون غيرها، داعية إلى احترامها ومنحها الفرصة للنجاح، وأكد وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين، لمبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى إثيوبيا السيناتور كريس كونز، تمسك بلاده بالرعاية الأفريقية للمفاوضات.

ولا تزال إثيوبيا ترى أن الاتحاد الأفريقي وجمهورية الكونغو الديمقراطية قادران تماماً على التوصل إلى حلول مربحة للجميع، وبحسب الناطق باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، فإن وفد جمهورية الكونغو الذي زار أديس أبابا أخيراً، لم يطرح أي مبادرة حول عملية التفاوض المرتقبة بشأن الوساطة، لكنه نقل فقط وجهة النظر السودانية والمصرية.

وكانت إثيوبيا بدأت مرحلة ملء خزان السد العام السابق، من دون أن يسبق ذلك اتفاق على إجراءات الملء والتشغيل بين الأطراف الثلاثة، واستمرت المفاوضات حول السد بين الدول الثلاث لفترة دامت أكثر من 10 سنوات منذ أن بدأت أديس أبابا العمل في السد العام 2011.