يبدو أن ارتفاع أسعار النفط في وقت سابق أنعش آمال "أوبك" وسائر المنتجين في إمكانية تخفيف تخفيض الإنتاج. لكن، مصادر في القطاع تقول إن موجة جديدة من الإغلاقات في أنحاء العالم قد تعصف بتلك الخطط. وقال محللون ومتخصصون إن "أوبك+" لن تتخلى عن حذرها أو التأني في زيادات منضبطة في الإنتاج، إلى حين تعافي الطلب بشكل كامل والانتهاء من التطعيمات وثبوت فاعليتها في السيطرة على الجائحة، وبالتالي عودة الأنشطة الاقتصادية بالكامل.
تخفيف قيود الإنتاج
وعلى الرغم من ملامح تراجع مخزونات النفط المعروض، فقد يكون من الصعب على دول نفطية تخفيف قبضتها على خفض الإنتاج، خصوصاً وأن التعافي المنتظر خلال العام الحالي قد يكون وشيكاً.
وبحسب ما نقلت وكالة "بلومبيرغ"، فان النمو العالمي في الطلب على النفط سيكون على أساس سنوي في 2021 قد بلغ 5.5 مليون برميل يومياً، أي بالقرب من المستويات التي توقعتها وكالة الطاقة الدولية عندما بدأت نشر توقعات مفصلة للعام الحالي في يوليو (تموز) 2020.
وكانت نظرة وكالة الطاقة الدولية أقرب إلى التشاؤم، إذ توقعت نمواً أقل بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً.
وألمح تقرير الوكالة إلى أنه "مما لا يثير الدهشة أن الطلب من المتوقع أن يُظهر نمواً قوياً على أساس سنوي في الربع الثاني، ولكن على الرغم من زيادة الطلب بنحو 12 مليون برميل يومياً، سيظل التعافي يعادل نحو ثلاثة أرباع الطلب المفقود في الفترة نفسها من العام الماضي".
وفي توقعات الوكالات المتخصصة في شؤون النفط، فإنه في حال ظل الإنتاج عند مستوى أبريل (نيسان) بنحو 24.8 مليون برميل يومياً، فإن المخزونات ستتراجع بمعدل يراوح ما بين 2.5 مليون و3.2 مليون برميل يومياً في الربع الثالث، ثم تزداد وتيرة الهبوط إلى ما بين 2.75 مليون و4.6 مليون برميل يومياً في الربع الرابع نتيجة تسارع الطلب.
وسيعطي هذا "أوبك" بعض المساحة لتخفيف قيود الإنتاج خلال الشهور المقبلة، ولكن ربما ليس بالقدر الذي ترغب فيه مع كبح أعضائها حالياً ما يعادل 7.7 مليون برميل يومياً من الإنتاج المحتمل.
وفي التقرير الأحدث لوكالة الطاقة الدولية، جاء أنه من المستبعد أن ترتفع أسعار النفط ارتفاعاً حاداً ومستمراً على الرغم من توقع أن تدعم اللقاحات الطلب في وقت لاحق من العام، إذ لا يزال العالم متخماً بالنفط. وأضاف التقرير أن "الصعود الكبير للنفط ليقترب من 70 دولاراً للبرميل أثار حديثاً عن دورة فائقة جديدة ونقص للمعروض يلوح في الأفق، وبياناتنا وتحليلنا يشير إلى غير ذلك".
استمرار الخفوض
وتوقع المتخصص بالشؤون النفطية، أحمد حسن كرم، استمرار تحالف "أوبك+" خلال الفترة الراهنة في الحفاظ على خفوض الإنتاج لضمان بقاء أسعار النفط عند المستويات المطلوبة والمريحة للمنتجين والمستهلكين.
وقال كرم إن الأسواق النفطية حالياً تبدو شبه مستقرة مع تداول أسعار البرميل بين 65 و70 دولاراً، إذ بات هذا الاستقرار نتيجة لارتفاع تدريجي بمعدلات الطلب على النفط في العالم في تحسن الآمال مع زيادة معدلات متلقي لقاح فايروس كورونا، وانفتاح الأسواق العالمية بشكل عام مجدداً وإن بوتيرة بطيئة.
وأشار إلى الدعم الكبير الذي قدمته خفوض السعودية التي تحجب قرابة 90 مليون برميل إضافية عن الأسواق خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل المقبل، وذلك بخلاف خفوضها المتفق عليها مع تحالف "أوبك+".
وأكد كرم ضرورة إزالة أية توترات بين الأعضاء، وعدم تدخل الأمور السياسية بينهم كي لا يتم خفض أسعار النفط بشكل عكسي.
وأفاد بأن الأسواق أصبحت أكثر استجابة للمؤثرات الإيجابية الداعمة لبقاء الأسعار مرتفعة، سواء المؤشرات الصحية للجائحة أو الاقتصادية.
وضع اقتصادي لا يستوعب
وقال رئيس قسم أبحاث ودراسة الأسواق في شركة "أوربكس"، أحمد نجم، إن أسعار النفط ما زالت تثبت أن الوضع الحالي للاقتصاد لا يستوعب كميات المعروض من النفط في المستويات الحالية، على الرغم من جهود "أوبك" وحلفائها في محاولات دعم أسعار النفط من طريق الخفض عامة أو من جانب السعودية التي تخلت بشكل طوعي عن مليون برميل من حصتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع نجم، "ما زال السؤال الأهم هو كيف ستعود هذه الكمية إلى الأسواق؟ هل ستعود دفعة واحدة أم أننا سنشهد عودة تدريجية؟".
وأضاف، "ما حدث للنفط من تراجع اعتقد أنه جيد كي لا نشهد انهياراً في الأسعار، فكلما كانت الأسعار أعلى من 60 دولاراً كلما استجمع منتجو النفط الصخري قواهم من جديد وعادوا أسرع من المتوقع إلى الأسواق، مما قد يتسبب في تخمة معروض ربما تكون أعنف من الهبوط الذي حدث عام 2014، حينما هبطت الأسعار من مستوى 110 إلى 26 دولاراً للبرميل.
وأشار إلى بدء تعافي منتجين كثر وعودتهم إلى الساحة النفطية، بعد تبعات أزمة "كوفيد-19" في العام الماضي، مما أدى إلى انهيار في أسعار النفط، ولكن سرعان ما شهدنا انتعاشة جديدة بعد الانخفاض الملحوظ في المخزونات النفطية التي دفعت النفط إلى الانهيار خلال العام 2020.
حال من الارتياح
وأورد نجم بأن مجموعة "أوبك+" ربما تشعر بحال من الارتياح نسبياً نتيجة لسياسة الرئيس الأميركي جو بايدن حيال الانبعاثات الكربونية، وتوجيه الاقتصاد في هذه المرحلة إلى ما عرف بالاقتصاد الأخضر، وهو بالفعل بدأ عمليات تضييق الخناق على تلك الشركات، سواء كنا نتفق أنها إجراءات شكلية أو خطوات ستؤدي إلى ضرر فعلي في إنتاج النفط الصخري.
وذكر أن بايدن حظر تأجير الأراضي والمسطحات المائية لمدة ستة أشهر لتلك الشركات، ولكن تلك الصناعة الضخمة التي توفر عدداً هائلاً من فرص العمل كانت تقارير أشارت إلى أن صناعة النفط الصخري توفر حوالى 10.5 ملايين فرصة عمل في الوقت الذي تعاني فيه الولايات المتحدة من معدل بطالة مرتفع، يسعى جاهداً كل من الاحتياطي الفيدرالي والكونغرس إلى عودتهم من جديد إلى أعمالهم، فربما يكون الوضع في غاية الصعوبة إذا استمر بايدن في سياسته تجاه تلك الشركات.
عودة الطلب
في غضون ذلك، بدأت شركات أميركية عاملة في مجال الطاقة أخيراً باستغلال الصعود السابق لأسعار النفط نتيجة التفاؤل في شأن عودة الطلب، وأضافت أكبر عدد من الحفارات لاستخراج النفط منذ يناير (كانون الثاني) 2021.
وقالت شركة "بيكر هيوز" لخدمات الطاقة، الجمعة، في تقريرها الذي يحظى بمتابعة وثيقة، إن عدد حفارات النفط والغاز، وهو مؤشر أولي للإنتاج مستقبلاً، ارتفع بمقدار تسع حفارات إلى 411 في الأسبوع الماضي، وهو الأعلى منذ أبريل 2020. وزاد عدد الحفارات على مدى الأشهر السبعة الماضية نحو 70 في المئة من مستواه المتدني في أغسطس (آب) عند 244 حفاراً.
"باركليز" يرفع توقعاته للأسعار
من جانبه، رفع البنك الاستثماري البريطاني "باركليز" توقعاته لأسعار النفط خلال عامين في الوقت الذي أبقى فيه أعضاء "أوبك+" مستويات الإنتاج من دون تعديل حتى أبريل.
وتوقع البنك أن يبلغ سعر خام "نايمكس 62 دولاراً خلال العام الحالي، ثم 68 دولاراً في 2022، في حين يرى أن "برنت" سيبلغ 66 دولاراً و71 دولاراً على الترتيب خلال العامين الحالي والمقبل.
وحذر البنك من زيادة إمدادات "أوبك+" بسبب حال عدم اليقين المتعلقة بتعافي الطلب العالمي على الوقود، فيما سيكتفي بالتخلي جزئياً عن الخفوض الطوعية للسعودية البالغة مليون برميل يومياً.
ارتفاع نسبة التزام دول "أوبك+"
ونقلت وكالة "رويترز" أن نسبة التزام "أوبك+" بخفض الإنتاج ارتفعت إلى 113 في المئة في فبراير (شباط) الماضي، بأعلى من مستويات يناير السابق له والبالغة 103 في المئة.
وأفادت الوكالة بأن نسبة امتثال أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" بلغت 124 في المئة في فبراير الماضي، بما يشمل الخفض الطوعي الإضافي من السعودية. أما الدول غير الأعضاء فبلغت نسبة امتثالها 94 في المئة.