Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مراكز تجارية تغلق أبوابها في لبنان والمتبقية مهددة بالإفلاس

الرفوف فارغة في الدكاكين وسط عجز التجار عن مجاراة ارتفاع سعر الدولار

ينعكس مشهد إقفال المؤسسات التجارية اللبنانية أبوابها على رؤية المواطنين لمستقبلهم غير المستقر اقتصادياً، حيث تتلاشى الآمال بوقف الانهيار المتسارع.

خلال الأيام القليلة الماضية، حصل ما كان متوقعاً، مراكز تجارية أوصدت أبوابها معللة ذلك بعبارة "مقفل بسبب غلاء الدولار" تتصدر الواجهات.
وفي جولة ميدانية على المؤسسات، يمكن ملاحظة هم مشترك لدى أصحابها، ألا وهو "الاستمرارية"، إضافة إلى تأمين التوريد المستمر للبضائع إلى الزبائن، كما يتضح عدم استقرار الأسعار بسبب سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية.

إغلاق المؤسسات يتزايد

منذ أيام أقفلت مؤسسة لبنانية خمسة مراكز تجارية تمتلكها، وتمتد على الأراضي اللبنانية من الشمال في عكار وطرابلس إلى صيدا الجنوب. وقال مالك تلك المؤسسات صلاح الحلبي، إن "هناك صعوبة في الاستمرار بالعمل لأن الخسائر تتزايد، ومدخرات التجار تبددت خلال العام ونصف العام الماضيين". وشرح الحلبي الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ القرار بإقفال مؤسساته، فقال إنه "بعد المراهنة على تشكيل حكومة إصلاحية تنتشل الوضع من الحضيض وتنهي الانهيار، اتضح عدم وجود إرادة لذلك، وأن آفاق الحل مقفلة في لبنان، كما أن المصارف وضعت يدها على مدخرات اللبنانيين والتجار، وعرقلت عملية الاستيراد والتصدير إلى الخارج".

وأضاف، "لذلك بدأت كرة الثلج تكبر، وفي بداية الأزمة أغلقت المؤسسات المستأجرة في مناطق النبطية وصور وبرج البراجنة، واحتفظت بالمؤسسات المملوكة لي شخصياً".

وقال إن استمراره في تشغيل هذه المؤسسات انعكس سلباً على قدراته المادية، جازماً أنه خسر أكثر من مليون دولار من مدخراته النقدية.
وتحدث الحلبي عن حال من اليأس تعتري المواطن والتاجر اللبناني، فهو ورث هذه التجارة عن أهله، وحاول تطويرها من خلال سفراته إلى الصين ودول أخرى في شرق آسيا، ففي السابق كان "يتمنى أن يكون النهار 25 ساعة" في تعبير عن تشوقه للعمل والكد والجهد، ولكن حالياً يجد أن كل مخططاته تتهاوى.

ويحمّل الحلبي "جمعيات التجار والتبعية السياسية مسؤولية ما وصل إليه البلد، لأن التجار لم يمارسوا دورهم في الضغط على الساسة، وإنما تحولوا إلى أتباع لهم"، مشيراً أنه عاتب على رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، "لأنه لم يتخذ الخطوات الإنقاذية اللازمة، ولم يعجل بتشكيل الحكومة، وهو أمر راهن عليه التجار، مع انخفاض الدولار إلى 5 آلاف ليرة كما وعدونا، وطلبوا منا الحفاظ على مدخراتنا بالعملة الوطنية لأن ليرتنا بألف خير".
حالياً، يحضر الحلبي جوازات السفر له ولعائلته المؤلفة من ستة أبناء، ويخطط للهجرة إلى تركيا، وأن يبدأ تجارة جديدة، "لأن مشهداً قاتماً ينتظر لبنان في المستقبل".

وتساءل الحلبي، "كيف سيتمكن الفقراء من الاستمرار؟"، مضيفاً أن "حوالى 250 موظفاً فقدوا الاستقرار الوظيفي"، ملمحاً إلى إمكان تصفية أعماله في حال عدم عودة الاستقرار السياسي والاقتصادي إلى لبنان.
ودعا الحلبي إلى "الالتفات إلى الطبقات الشعبية، لأنها لن تتمكن من تأمين معيشتها على أبواب شهر رمضان المبارك، وتقديم مساعدات عاجلة للمحتاجين".

الإفلاس قدر محتوم

لا يتوقف العبء الاقتصادي على المراكز التجارية الكبرى، ويبدو المشهد أكثر تعبيراً في دكاكين الأحياء الشعبية حيث يعيش الفقراء، إذ فرغت الرفوف بسبب عدم تمكن التجار من شراء بضائع جديدة، بدل تلك التي سبق أن باعوها.
وشكا صاحب المؤسسة التجارية عبدالمنعم كمون في شارع لطيفة الزاهرية في طرابلس شمال لبنان، من ارتفاع مستمر في أسعار السلع بسبب ارتفاع كلفة المواد الأولية، ويعطي مثالاً بأن "قارورة المنظفات التي كان ثمنها 3 آلاف ليرة تضاعف سعرها إلى 18 ألف ليرة".
وتحدث كمون عن ثلاث مشكلات واجهت التجار في لبنان، "الأولى هي أزمة كورونا وما تبعها من إقفالات متلاحقة، ومن ثم انفجار مرفأ بيروت وخسارة البضائع المستوردة والمخزنة داخل مستوعباته، ووقف حركة الاستيراد، كما أن هناك مشكلة عدم توفر خطوط توريد مستمرة".
وتطرق كمون إلى تأقلم الناس مع الوضع، فالزبون يأتي ومستعد نفسياً لارتفاع الأسعار، فهم يأتون ويدركون أن سعر الدولار ارتفع. وتوقع إقفال مزيد من المحال بسبب الأزمة المتصاعدة، وقدّم توقعاً صادماً بأن "المحال إما ستقفل أو تفلس أو تُسرق"، لافتاً إلى أنه وصل إلى قناعة بأن يبيع البضائع الموجودة لديه فقط ليأكل، وأنه في أكثر الأحيان يبيع البضائع بسعر الكلفة لتأمين السلع الأساسية، ولا يرى أفقاً للحل، لأننا "وصلنا إلى النهائي في مباراة الانهيار".

رفوف الدكاكين فارغة

وتستمر الجولة ومعها مزيد من الانطباعات الحية عن الانهيار، ففي منطقة الدباغة في قلب المدينة القديمة بطرابلس محال مقفلة، وأخرى يأتي أصحابها للجلوس أمامها والاستفادة من أشعة الشمس والطقس الربيعي. في محل محمد الدبوسي الذي يعود تاريخ افتتاحه إلى 65 سنة مضت، يبادر صاحبه إلى القول للزبائن إنه متوقف عن البيع بسبب الظروف القائمة، ولأن الأسعار فاقت طاقة المواطن والبائع. وقال الحاج محمد الدبوسي إن "المحل كان يمتلئ عن بكرة أبيه، ولم يكن هناك مكان ليتحرك داخل المتجر، أما الآن فلم يعد بإمكانه ملء الرفوف لأن التجار يسعرون السلع بالدولار، وأصبحت أسعارها مرتفعة جداً مقارنة بأهالي الأحياء الشعبية". وأكد الدبوسي أن الحركة التجارية شبه متوقفة لأن الناس لم تعد تشتري، وهي تعتمد بصورة أساسية على الحصص الغذائية التي تقدمها بعض الجهات الإغاثية والمؤسسات الخيرية.
لذلك انتقل من مرحلة التخزين إلى الشراء بالشوال (الكيس الكبير) والعلبة الواحدة، لأن السوق لا تساعد في توسيع الأعمال، كما أن ارتفاع الأسعار من المصدر يجعلها بعيدة من متناول الناس، فعبوة المشروب الغازي أصبح سعرها 7500 ليرة لبنانية، أي ما يوازي خمسة دولارات على سعر الصرف الرسمي، وقنينة العصير بـ 3 آلاف، لذلك فإن الطفل أو الشاب الصغير لن يتحمل ثمنها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


المقايضة في الأحياء الفقيرة

وبالانتقال إلى الأحياء الشعبية الفقيرة، ففي حي ضهر المغر يمكن معاينة ظاهرة "المقايضة"، إذ تدخل إحدى السيدات إلى أحد المحال لتستبدل كيس البرغل بكيس أرز مدعوم، وتردد أم ذكي مديرة المحال أن الناس توقفت عن شراء البضائع. وقالت، "قنينة زيت القلي الصغيرة بـ 25 ألف ليرة، كيف يمكن للفقير شراؤها؟"، ناهيك عن أسعار الحبوب التي تحلق باستمرار.
في المقابل، يسخر التجار من الحديث عن سلع مدعومة، ويؤكدون أنها لا تصل إلى دكانين الأحياء الشعبية، وإنما يتم تخزينها في مستودعات التجار الكبار والمحتكرين الذين استفادوا من الدعم.
وبالانتقال إلى باب التبانة، تحدث مصطفى وهو صاحب أحد الدكاكين عن دفاتر الدَين التي امتلأت، "ففي كل شهر وعند حلول موعد الاستحقاق يتأجل الدفع إلى الشهر الذي يليه".

ولفت إلى أن "أصحاب الدكاكين في الأحياء الشعبية ينتمون إلى البيئة الفقيرة، لذلك فهم يشعرون ببعضهم بعضاً"، ومن هذا المنطلق يتم تأجيل الديون، لا بل ويتم فتح الدفاتر أمام ديون إضافية.
في المحصلة، أخطار حقيقية تهدد القطاع التجاري في لبنان، والمراكز التجارية التي تقفل حالياً ستتزايد لاحقاً وبخطوات متسارعة وفق "قانون تأثير الدومينو"، والخوف هو من الوصول إلى أزمة حقيقية لتوريد السلع الغذائية الأساسية على غرار أزمة الحليب والوقود والدواء، وليس أدلّ على ذلك من صورة طابور الناس أمام التعاونيات، حيث يتجمعون منذ ساعات الصباح الأولى، على أمل الحصول على بعض السلع المدعومة، إذ تحولت قارورة الزيت إلى حلم لدى كثيرين في دولة وصفت تاريخياً بـ "إهراءات روما".