Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أحيدوس" فن الأطلس العريق يتجدد في مدن المغرب

أغاني ورقصات تعتمد مبدأ الأداء الجماعي امتداداً لأسلوب الحياة الأمازيغية

ثمة فلسفة تقوم عليها "أحيدوس" وهي حضور النساء في الفرق الفنية (غيتي)

يكاد يكون فن "أحيدوس" أعرق أشكال الفرجة الموسيقية والغنائية في المغرب، لسببين أولهما امتداد الحضور الأمازيغي في التاريخ المغربي لـ33 قرناً، وثانيهما هو ارتباط هذا الفن بالحياة اليومية للأمازيغيين الذين سكنوا بغالبيتهم في جبال الأطلس، حيث الحياة البرية بكامل نضارتها، والأعالي التي تمنح الصدى لمواويلهم وأهازيجهم. كان هذا الفن، ولا يزال بالطبع، بمثابة المتنفس العائلي للناس بعد تعب الأشغال البيتية والفلاحية، والمرافق الدائم لاحتفالاتهم الدينية والاجتماعية على السواء، من أعراس وأعياد ومواسم فلاحية.

تقوم أغاني أورقصات "أحيدوس" على مبدأ الأداء الجماعي، امتداداً لأسلوب الحياة الأمازيغية نفسها. فأشكال الاحتفال شبيهة بطرق الزراعة والعبادة، تقام بالأساس بشكل جماعي. ويمكن الوقوف عند ظاهرة "تويزة" في الحياة الفلاحية والاجتماعية عند الأمازيغ، إذ يجتمع أهل القرية لحراثة أرض أحدهم، ثم ينتقلون جميعاً لحراثة أرض شخص آخر، وهكذا إلى أن يكونوا قد قاموا بالعملية ذاتها على كل الأراضي بشكل جماعي. ولا يتوقف هذا العمل التضافري على الفلاحة فحسب، بل يمتد إلى بناء المساجد والمنازل والإعداد للمناسبات وتقديم العون للمحتاجين.

هذه الروح التضامنية تتجلّى أيضاً في عملية تشابك أيدي أعضاء الفرقة وهم يؤدون رقصاتهم الدائرية أو التقابلية. وفي هذا المشهد، دلالة على أن الأداء الجيد يحتاج إلى التآزر. ويبدو للمتفرج كما لو أن الأمازيغيين وهم يتشابكون بالأيدي كأنما يتقاسمون تلك الطاقة التي تدفعهم جميعاً إلى الرفع من مستوى الأداء سعياً نحو فرجة أكثر. 

ثمة فلسفة أخرى تقوم عليها "أحيدوس" وهي حضور النساء في الفرق الفنية بالقدر ذاته تقريباً الذي يحضر فيه الرجال، فالمرأة في الحياة الأمازيغية لا توجد خلف الرجل، بل معه، وأحياناً تكون في الواجهة. لذلك نراها تقف في الصف ذاته مع الرجل على خشبة العرض أو في الساحات العامة التي تُعرض فيها ألوان الفولكلور. ترتدي النساء قفاطين موحدة، غالباً ما تطغى عليها ألوان البهجة والفرح، تلك الألوان المستمدة من الحقول: الأخضر، الأحمر، الأصفر والأبيض. أما الرجال، فيرتودن في الغالب الجلابيب البيضاء مع عمامات من اللون ذاته. ينتعل مؤدي "أحيدوس" بلغة صفراء أو بيضاء ويتوسّم خنجراً من الفضة.

مايسترو أحيدوس

وإذا كان لفرقة "أحيدوس" عنصرٌ يتقدمها، فمهمته ليست الغناء بالأساس، بل ضبط الإيقاع وتنظيم الرقصات. إن وظيفته شبيهة بوظيفة المايسترو. بل إن الرئيس الأميركي الأسبق رولاند ريغن أطلق على موحى أشيبان لقب "المايسترو" حينما شاهده يقود فرقة "أحيدوس" في ديزني وورلد بالولايات المتحدة، واقترح عليه الإقامة فيها مدى الحياة، لكن الرجل فضّل العودة إلى جبال الأطلس، قريباً من منابعه الفنية الأولى. ويعتبر موحى أشيبان أشهر قائد لفرق "أحيدوس" في تاريخ المغرب، عاش 113 سنة، قضى معظمها على المنصات وفي الساحات العامة داخل المغرب وخارجه، علامةً ورمزاً للفن الأمازيغي. واشتهر بطريقته الفريدة في تحريك يديه وهو يتابع إيقاعات الرقصات ويغيّر من مستواها. وقد كان أعضاء الفرقة التي يقودها يطلقون عليه لقب "النسر" في تلميح لحركة جناحي النسر الشبيهة بحركة يديه أثناء الأداء، وفي تماهٍ مع شكله وهو يرتدي البرنس ذا الجناحين المفتوحين. تجّول موحى أشيبان في بلدان العالم بفرقته المعروفة، وحظي بالكثير من التقدير. وإذا كان رولاند ريغان قد عرض عليه الإقامة الدائمة في أميركا، فإن ملكة بريطانيا قد قلّدته وسام الفنان العالمي عام 1981.

غير أن اللقب الذي يطلق على "مايسترو أحيدوس" لدى الأمازيغ مستمد من العربية "الرايس/ الرئيس". كما يطلق عليه أيضاً اسم "أعلّام"، يعطي إشارة البداية والنهاية، ويوجّه تغيرات الإيقاع.

احتفاء بالحياة وبالموت أيضاً

وترتكز موسيقى "أحيدوس" إيقاعياً على"تالونت"/ الدفّ، المصنوع في الغالب من جلد الماعز، ويسمّى عند عموم المغاربة "البندير". ومنذ قرون، حافظ الأمازيغيون في هذا اللون الغنائي بالضبط على الدفّ كوسيلة وحيدة، رافضين إدخال الآلات الحديثة إلى "أحيدوس". فليست الموسيقى هي المحتوى الوحيد الذي يقدّمونه للجمهور، بل الرقص المبهج أيضاً والكلمات التي تحتفي بالحياة وتنشر رسائل المحبة والإقبال على فعل الخير. وتسمّى قصائد "أحيدوس"، "إزلان". وهي نصوص شعرية تتنوع مواضيعها باختلاف المناسبة. واللافت أن هذه القصائد يتم التغني بها أيضاً حتى في بعض المناسبات الحزينة، خصوصاً حين تفقد القبيلة أحد شبابها سواء كان ذكراً أو أنثى، إذ تنشد هذه القصائد، لكن من دون إيقاع انسجاماً مع حالة الحزن التي تسود في لحظات العزاء أو تشييع الجنازة.

تعتمد "أحيدوس" على الأكتاف والأقدام في الرقص، في تجنب تام لكل أداء إغرائي. ويتولّى الذكور الضرب على الدفوف، بينما تكتفي النساء بالغناء والرقص. تنطلق الأغنية بنداءات ترتكز على حروف المدّ، من دون إيقاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كانت رقصات أو أغاني "أحيدوس" تؤدى اليوم في المناسبات الاجتماعية والدينية، فإنها بدأت أول الأمر في مجال آخر. فهذه الفرق الغنائية كانت في ما مضى تحيي سهرات الاحتفال بالنصر، حين يتعلق الأمر بحروب بين القبائل، وتقدّم قصائد حافلة بالفخر والاعتزاز بالانتماء وتمجيد فضائل القبيلة وخصال فرسانها. كما تقدّم بالمقابل رقصات استعراضية ذات طابع حماسي.

اليوم يحضر فن "أحيدوس" ممثلاً للفلكلور المغربي في الكثير من مهرجانات العالم، باعتباره أحد فنون الشعوب الأولى. إنه تعبير عن تاريخ طويل من الفن العريق الذي لم تؤثر فيه التحولات التي طرأت على الكثير من الفنون الأخرى.

المزيد من ثقافة