Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دارفور تستعيد بصعوبة دورها الثقافي الذي سلبته الحرب الأهلية

مبادرات وطنية وأهلية لدعم المكتبات العامة ونشر الكتب في المدن والأقاليم

مدرسة في دارفور بعد الحرب السودانية (غيتي)

يمثل إقليم دارفور الواقع في غرب السودان، مكاناً للإشعاع الثقافي لا مثيل له في أقاليم البلاد الـ18، فمدنه تعج بالمكتبات العامة والمنتديات والحياة الثقافية، فضلاً عن بروز مبدعين في مجالات الأدب قدموا إسهامات مقدرة للتعريف بالإرث الدرافوري، الذي تميز بالترابط الاجتماعي والحضور الإنساني الأصيل. لكن الحال تغير بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في 2003، إذ قضت على كل شيء، فلم تعد الحال كما هي من قبل.

كل البلد دارفور

وبحسب رئيس تحالف المبدعين من أجل دارفور عبدالله آدم خاطر، فإن الثورة الشعبية السودانية التي تعرف اليوم بثورة ديسمبر، والتي اجتاحت أركان النظام السابق واقتلعته في 2019 اقتلعت معه الأحادية الثقافية تماماً. ومع نجاحها، برز الواقع الثقافي المتنوع على نحو لم يكن متاحاً من قبل. فقد انطلقت الحناجر في الهواء الطلق في ساحة الاعتصام الذي تم فضه بأساليب كارثية إنسانياً، منددة بالتسلط، مؤكدة أن "كل البلد دارفور". وقد ظلت دارفور على مدى الثلاثة عقود الماضية أرض نزاعات محلية توجت بالنزاع الداخلي المسلح بين أطراف محلية عربية من جهة، والحكومة الأحادية من جهة أخرى.

ماذا بقي لعناصر الثقافة في الماضي والحاضر من مساهمات لبناء سودان متنوع؟ يجيب خاطر: "على رغم ما حدث فإن ما يساعد في إدراك الواقع الثقافي المتنوع في دارفور، أن التاريخ حفظ لنا كيف أن هذا الإقليم الجغرافي (دارفور) احتفظ لنفسه بالوسطية في الامتداد التاريخي الذي عرف ببلاد السودان، وامتد من القرن الأفريقي شرقاً، إلى أقصى القرن الأفريقي على سواحل القرن الأطلنطي. ولعل هذا الموقع المميز لإقليم دارفور، أتاح له فرصة أن يكون قاعدة تواصل بين أجزاء القارة من الشمال الصحراء إلى الجنوب البحيرات، ومن الشرق إلى الغرب كما ورد، وقد عرفت دارفور لدى البعض أنها مكان الثدي في القارة الأفريقية".

وحدة متنوعة

ويواصل خاطر: "لعل من الآثار الإيجابية وعلى مدى أكثر من خمسة قرون، أنه تواترت الهجرات البشرية لدارفور في عوامل وظروف متنوعة منها التجارة، ومنها التواصل الديني والمذهبي بخاصة الدين الإسلامي، ومنها التواصل عبر الحروب بين الكيانات الاجتماعية السياسية، وكذلك المصاهرات الأسرية الاجتماعية. فكل ذلك أسس قاعدة من الوحدة المتنوعة استطاعت أن تحتمل قيام سلسلة من الدول بقيادات إثنية لم تنف الإثنيات الأخرى. وهكذا ظهرت سلطنتا الداجو، وكيرا. وظلت هذه السلطنات تجمع المزيد من أنماط الثقافات بتداخلات إثنية متنوعة توحدت جميعها في السياق السياسي والإداري والاقتصادي العام. ولعل أبرز الملامح المتنوعة لتلك الوحدة ظهر في المناطق والمدن الكبرى حيث الاختلاط وتشابك المصالح".

ويقول خاطر: "إن متابعة خطوط التلاقي بين المجموعات الإثنية تظهر بوضوح أكثر في مدينة الفاشر، وهي العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، وهي ظلت كذلك على رغم الضغوط العسكرية السياسية الثقافية عليها من المركز النيلي. ومنذ وقت ليس بالقصير بخاصة في عهد الأتراك الذي اجتاح دارفور لسبع سنوات، تفاعل هذا الإقليم مع الثورة المهدية لإنهاء الحكم الأجنبي وليصبح أهل دارفور جزءاً أصيلاً من سودان وادي النيل. لكنّ الانتماء للوطن الأوسع تراجع عندما خضع السودان عدا دارفور، للإدارة البريطانية لنحو ثمانية عشر عاماً، وذلك بعد إلحاقه كأقليم بالسودان عام 1917، ولكن لم تتأثر دارفور ثقافياً لاعتماد المستعمر سياسات الحكم غير المباشر، والتي لم تؤثر في الواقع الثقافي المتنوع للسودانيين بمن في ذلك أهل دارفور".

 تنوع ثقافي

ويضيف: "تأسست مدينة الفاشر في القرن الثامن عشر على يد السلطان عبد الرحمن الرشيد عندما استقر رأيه لاختيارها عاصمة له، وذلك بسبب توافر المياه. فقد توصل إلى اتفاق مع قبيلة "الأسّرة" التي كانت تسكن المنطقة، وتم التراضي على تنازل القبيلة عن الأرض لصالح الدولة بمقابل. وبذلك أصبحت المنطقة أرضاً لكل مواطني الدولة التي يطلق عليها اسم السلطنة، وصار متاحاً لكل مجموعة أن تقيم عليها عاداتها وتقاليدها، أي ثقافاتها، تحت تنظيم الدولة ولوائحها الإدارية".

ويلفت إلى أنه عندما ينظر المرء إلى مدينة الفاشر اليوم يجدها الفاشر القديمة ذاتها من حيث خصوصية السكان الثقافية، إذ توجد قبائل بجذورها الثقافية مثل الفور والتنجر والمساليت والبرتي والدادينقا ولكيما، في حين تضم قبائل  كثيرة من جذور عربية وليبية ومصرية، وأخرى من غرب أفريقيا.

ويشير خاطر، إلى أن "من السمات العامة للثقافة في دارفور، على رغم أنها متنوعة بتنوع القبائل والجهات، فإنها أيضاً متنوعة بتنوع الممارسات والآليات والأدوات، كما هي الحال في الأدوات المنزلية وأدوات الزينة واللهو وآلات الزراعة، وكافة المهن الأخرى بما في ذلك الصناعات الثقافية، فضلاً عن الآداب والفنون وبخاصة الشعر. ومن السمات المميزة للتنوع الثقافي في دارفور التي جعلت الدولة السودانية المعاصرة، بخاصة بعد الاعتراف بالتنوع الثقافي في البلاد، قيام أول مجمع ثقافي في مدينة الفاشر عام 1976، وفي ما بعد مجلس إقليمي لرعاية الآداب والفنون لتعظيم الظاهرة الثقافية المتنوعة. أما اليوم وبعد توقيع اتفاق السلام فإن دارفور قد تضطلع بدور متميز في إعلاء شأن التنوع الثقافي في البلاد وإدماج الإنتاج الثقافي في الاقتصاد القومي، وأن تكون ضمن الصادرات تأكيداً للقدرات الإنتاجية في مجال يضيف كثيراً لكل المجالات الأخرى".

إحياء المكتبات

واتساقاً مع الجهود القائمة لإثراء الساحة الثقافية في هذا الأقليم، تبنت الكاتبة والروائية السودانية استيلا قايتانو خلال زيارتها دارفور أخيراً مبادرة لإحياء المكتبات العامة في هذا الإقليم عبر حملة لجمع الكتب، ووجدت صدى واسعاً، والتف حولها عدد كبير من المثقفين والكتاب، ومؤسسات المجتمع المدني، واستطاعت خلال وقت وجيز من جمع آلاف الكتب التي تجد طريقها إلى المناطق المستهدفة في عدد من مدن دارفور.

وتقول استيلا قايتانو: "جاءت المبادرة بغرض تجميع الكتب لدعم أو إحياء المكتبات العامة في مدن دارفور التي أصابها الدمار بسبب الحرب كغيرها من المرافق والخدمات الأخرى، عن طريق التبرع الشعبي من عامة الناس الذين يمتلكون مكتبات خاصة أو شراء كتب والتبرع بها لصالح تأسيس مكتبات عامة مجانية في دارفور بشكل مبدئي. ووجدت الفكرة تجاوباً كبيراً في كل مواقع التواصل الاجتماعي، ما شجعني على الشروع في تنفيذها. وكانت بداية اتصالي باتحاد الكتاب السودانيين ومؤسسة الفال الثقافية للتعاون معي باعتبارهما مؤسستين ثقافيتين فاعلتين ولهما مقر ثابت، وكذلك لحاجتنا إلى مكان لتخزين الكتب وفرزها. ثم قمنا بتنفيذ الفكرة بدعم كامل من الشعب السوداني الذي تدافع بالكتب إلى مقرات التجميع المختلفة".

وأفادت بأن "هناك دوافع عدة قادتني لهذه المبادرة، لكن من أهمها دافع أبعاده قريبة يتمثل في إتاحة الفرصة للجميع لتلقي المعرفة. وذلك يتحقق من خلال توفير فضاءات التلقي كالمكتبات والكتب والكمبيوترات والكتب الإلكترونية. وهناك دافع آخر ذو بعد متوسط يخص بناء الإنسان وجعله في شغف دائم نحو المعرفة والتعلم المستمر ليتطور ذهنياً وروحياً، فيصبح فرداً مثمراً وناتجاً للأفكار والحلول وناقداً لكل ما يعوق تطور مجتمعه ووطنه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت الكاتبة والروائية السودانية: "أما نظرتي في المدى البعيد فمؤكد أن الكتاب يغير الأفراد، وكم من كتاب قرأناه أثر في مصائرنا ومساراتنا في الحياة، بطريقة إيجابية قد تؤدي إلى النجاة والإنقاذ، إلى جانب المتعة والاستفادة المباشرة. لذا حلمي أن يصل الجميع إلى الهدف المنشود، ونوفق بوصول جهدنا في المبادرة إلى توفير الكتب والتشجيع على قراءتها. وكذلك خلق مجتمعات قادرة على الحوار والتعايش ومستعدة للتعارف والتعاون من أجل التنمية، وذلك سيكون مدخلاً للسلام المستدام".

وتؤكد استيلا قايتانو، أن "المبادرة ستتبنى خط الاستمرارية في تأسيس المكتبات العامة المجانية في كل المناطق والمدن والقرى والمدارس وغيرها".

المزيد من ثقافة