Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ربات البيوت" في السعودية يسيطرن على قطاع "المطاعم السحابية"

يعد القطاع الرقمي لخدمات تقديم الأغذية أحد أكثر القطاعات نموا على مستوى العالم وتسيطر عليه شركات كبرى

انتقلت المطاعم في السعودية لتمتطي السحب، مما أدى إلى ظهور ما يسمى "المطاعم السحابية" التي تعتمد على معادلة سهلة ترمي إلى رفع الأرباح وخفض الخطورة في ذات الوقت.

ويعرف هذا النوع من المطاعم بالعديد من الأسماء الأخرى مثل "مطاعم الستلايت، أو المطاعم الشبحية، أو المطاعم المظلمة، أو المطاعم الافتراضية، أو الكلاود كيتشن"، وهي تمتلك أساساً واضحاً يقوم على إيجاد مطابخ كبيرة ومتعددة لتعمل على مدار الساعة وبموظفين مؤهلين، وتقوم المطاعم المختلفة بمشاركة هذه المساحة.

تعتمد المطاعم السحابية على مبدأ الاقتصاد بالمشاركة، الذي شمل مشاركة ركوب السيارات والدراجات وتأجير المعدات والأدوات الشخصية، إلى أن بدأ في الدخول لعالم الطبخ والتغذية.

الصين تقود الثورة

ظهرت المطاعم السحابية أول مرة في الصين، بنموذجها الأول مع شركة "باندا سليكتد" في 2016، لتفتح نحو 40 موقعاً خاصاً بها، يشمل الواحد منها عادة نحو 20 مطعماً مستقلاً، قبل أن تنتشر الثقافة لتصبح واحدة من أكبر ثلاث شركات صينية في ذات القطاع.

وعلى صعيد الأرباح، حققت طلبات توصيل الطعام في الصين نحو 70 مليار دولار في عام 2019 فقط، واستطاعت "باندا سيليكتيد" أن تجمع أكثر من 50 مليون دولار من عدة مستثمرين آمنوا بالمجال.

ومنها انطلقت عدد من الدول لتشارك في السباق، ففي أوروبا بدأ التجار في الاستحواذ على أماكن لم يكن أصحابها يعتقدون أنها قد تدر عليهم دخلاً جيداً، فاستأجرت شركة "ديلفرو" المتخصصة في توصيل الطلبات، مرآب سيارات مهجور في لندن، وأنشأت آخر في مستودع بباريس.

صندوق الاستثمارات العامة يدخل السباق

أبدت السعودية اهتماماً بالغاً في السوق الناشئ جزئياً لتضخ نحو 400 مليون دولار أميركي في شركة "كلاود كيتشن" وفقًا لـ"وول ستريت جورنال"، وتعد الشركة التي بدأت مسيرتها في يناير (كانون الثاني) لعام 2019 حديثة عهد بالمجال، إلا أنها بدأت في التوسع لتشمل أميركا والصين والهند وبريطانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومؤسس "كلاود كيتشن" هو ترافيس كالانيك، الذي أسس وشغل منصب الرئيس التنفيذي لـ"أوبر" منذ 2009، قبل أن يستقيل في 2017 ويبيع كامل أسهمه لاحقاً في ديسمبر (كانون الأول) 2019، أي قبل شهر واحد فقط من اتجاهه بشكل مركز على المجال الواعد.

يعتمد كالانيك على فكرة القرب من الناس قدر المستطاع، فيصب كل تركيزه على استئجار وشراء وحدات عقارية ومساحات عمل قريبة من المناطق المكتظة بالسكان.

ملاك المطاعم السحابية "رب ضارة نافعة"

الجائحة التي حرفت جوانب الحياة عن مساراتها الطبيعية، طالت مخالبها قطاع المطاعم في السعودية كما هو الحال في العالم، لتخسر المطاعم نحو 80 في المئة من دخلها خلال الأزمة، بحسب شركة "فودكس" لنظام نقاط البيع وإدارة المطاعم.

ومع استمرار الضربات والتقلبات التي يشهدها القطاع، سرعان ما تكيفت بعض الشركات والمطاعم لتستقبل الموجة الثانية من كورونا بصدر رحب هذه المرة، لتؤكد "فودكس" أن المطاعم الافتراضية التي اعتمدت بدورها على تطبيقات التوصيل تحقق نحو 90 في المئة من الإيرادات رغم الجائحة.

وكما يقال دائماً "رب ضارة نافعة"، يؤكد المستثمر في قطاع المطاعم في السعودية، مشعل المبيض، أن خبرته الممتدة طوال خمس عشرة سنة دفعته إلى دخول مجال المطاعم السحابية بغرض "توفير الرواتب والإيجارات، فبدلاً من توظيف أكثر من شيف رئيس في مطاعمي المختلفة توجهنا إلى افتتاح مطبخ رئيس سحابي يخدم بقية المطاعم"، ليبدأ السوق السعودي في فتح صفحة جديدة في تاريخ المطاعم السحابية.

ونظراً للمرونة الكبيرة التي تقدمها المطابخ السحابية للمستخدمين، وتمكينهم من الاشتراك في موقع واحد لخدمة أكثر من مطعم أو علامة تجارية، يؤكد المبيض "توجهنا إلى افتتاح مشروع رسمي للمطابخ السحابية بعد أن تأكدنا من الربحية المالية للمشروع، وهو ما دفعنا إلى افتتاح المطاعم السحابية لتخدم نحو 35 علامة تجارية".

وفي السعودية يبدو المشهد مختلفاً، إذ يمكن تعريف المطاعم السحابية بتجربة الأسر المنتجة والمطاعم المنزلية عبر الإنترنت، إذ تؤكد مؤسسة مشروع "دولمة أمي" والشيف الرئيس فيه، مريم الصوينع "لم يكن لدي تصور واضح في بداية المشروع تحديداً في عام 2013، عن التوسع الحالي، ولكني دخلت المجال بشكل كبير بعد التقاعد".

وارتفعت عائدات المطاعم السحابية في السعودية والإمارات من 2018 وحتى 2019 نحو 160 في المئة من قيمتها السابقة، لتبلغ أكثر من 65 مليون دولار حتى يونيو (حزيران) 2020، وفقاً لبيانات "ريدسير كونسلتنغ".

وأما عن كورونا وتداعياتها على السوق، أوضحت الصوينع "موسم الحجر، وعلى الرغم من صعوبته كان له سبب واضح في توسيع عملنا"، ويؤكد موقع "ستاتيستا" المتخصص في البيانات أن سوق توصيل الطعام عبر الإنترنت كانت تبلغ نحو 3 مليارات دولار في 2019 عالمياً، ملياران منها يمثلهما السوق السعودي والإماراتي على حدٍ سواء.

هذا المشهد قلب الموازين في القطاع النامي على مستوى العالم، فـ"المطاعم السحابية" التي تسيطر عليها شركات كبرى في أميركا وآسيا، يبدو أنها أمام مشهد مختلف هنا في الخليج، إذ تسيطر ربات المنازل والأسر التي تعد أصنافها من مطبخها المنزلي وتعرضها للبيع على منصة "إنستغرام" على هذا القطاع، وهم الذين دخلوا إليه وبدأوا في ممارسته قبل أن يصبح له تصنيف في قطاع تجارة الأغذية ليسيطروا على المشهد تحت مسمى "الأسر المنتجة".

"معروف" منصة حكومية لتعزيز الثقة 

على الرغم من النمو المتسارع للمطاعم السحابية وتطبيقات التوصيل حول العالم، فإن الشكوك لا تزال موجودة تجاه الثقافة التجارية نحو المجال في السعودية، إذ تعتبر العائلات في البلاد مسيطرة على المجال بقوة الانتشار والإقبال من الزبائن.

وإلى فترة قريبة، لم يكن يشترط على التجار أي إجراءات حكومية لضمان التعاملات بين المستفيد والتجار، مما أدى إلى ظهور العديد من المشاكل المالية وضياع الحقوق إضافة إلى عدم وجود ضمانات صحية على مقدمي الأغذية والمواد التجميلية. وهو ما دفع وزارة التجارة في السعودية إلى تنظيم القطاع عبر إطلاق منصة "معروف" التي وجدت تفاعلاً كبيراً من أكثر من 46 ألف شخص أقبل على توثيق حسابه التجاري عبر الإنترنت، منهم نحو 10 آلاف أسرة منتجة.

وعلى الرغم من أن الخدمة تهدف إلى توثيق الأنشطة التجارية عبر الإنترنت، وخضوع المسجلين فيها إلى جميع اللوائح والأنظمة التجارية، فإنها لا تمتلك أي آليات واضحة لضمان المواد الغذائية المقدمة عبر التجار الموثوقين لديها، والتي يبلغ عددها نحو 14 ألف مطعم إلكتروني.

العيب والحاجة... عقبتا الأسر المنتجة 

تعج وسائل التواصل الاجتماعي بحسابات الأسر المنتجة المتخصصة في الطعام، إلا أن البدايات كانت في الخفاء خوفاً من العيب والعار، وتؤكد مالكة المخبز المنزلي، بدور الجدعاني "الثقة المتدنية في العمل قد تؤدي إلى إخفاء هوية صاحب المشروع، والتوهم بالحسد من الأقارب والأصدقاء سبب آخر، وجميعها أوهام يعلق عليها فشل المشروع"، كما أن الخوف من نظرة الحاجة المادية سيطرت على الأسر في وقت ما.

ولا تعتبر الأسر المنتجة حديثة العهد في السوق السعودي، إذ عرفت وشهدت حملات دعم شعبية متعددة منذ زمن، إلا أن الأغلبية لا تمتلك خبرة تجارية كافية، إذ تؤكد الجدعاني "أهمية بناء خطة تسويقية جيدة ليست بالضرورة مرتفعة السعر"، إذ يعتمد القطاع بشكل كبير على دعم المشاهير غير المنظم.

وفي سياق متصل، بدأت الأسر المنتجة أو المطاعم المنزلية في اكتشاف فجوة واضحة في جودة الطعام، مما أدى إلى عزوف كثيرين عن الشراء منها، وابتعاد الآخرين عن اللحاق باسمها، وهو ما يؤكده مسؤول العلامة التجارية لـ"دولمة أمي"، عمر الدايل "لا نفضل أن يطلق علينا اسم أسر منتجة نظراً لتدني مستوى الخدمة والالتزام لديهم"، موضحاً أنه يعتبر "دولمة أمي" مطعماً منزلياً وليس أسرة منتجة.

ونظراً إلى أن الرائحة والطعم لا يصلان للعميل إلا بعد الطلب، يصب المنتجون تركيزهم على حسابات التواصل الاجتماعي والمواقع التجارية لهم، ويشرح الدايل "نحاول دائماً في دولمة العناية في الصور وبث روح المنزل عبر إيضاح يد أمي وقت الطبخ، وتقاليد منزلنا في الأعياد وغيرها احتراماً لذائقة العميل، وتقريباً لصورة المنتج المستقبلية في المطعم".

النزوح إلى المطاعم التقليدية

وعلى الرغم من الأرباح المرتفعة التي تؤكدها بدور نظراً لارتفاع الطلب على المنتجات الغذائية المختلفة، فإن العديد من الأسر المنتجة أو المطاعم العائلية ترمي إلى افتتاح فروع واقعية، وهو ما بدأت بدور الجدعاني في السعي في اتجاهه عبر افتتاح أول مخبز لها، فالمطاعم السحابية أو المنزلية ما هي إلا الخطوة الأولى في نظر الأسر المنتجة.

وتؤكد أرقام "ريدسير كونسلتنغ"، أن نحو 80 في المئة من عملاء المطاعم يفضلون منصات التوصيل بسبب الراحة وتنوع الطعام، ويشير المبيض إلى أن التركيز على المنتج الواحد سيرفع جودته لينافس في المطاعم السحابية ومنصات التوصيل. 

وفي سياق متصل، لا تستطيع المطاعم التقليدية سوى تنفيذ نحو 15 إلى 20 طلب توصيل في الساعة، وهي ذات المدة التي تؤهل المطاعم السحابية من تنفيذ نحو 60 طلباً من موظف واحد فقط، وفقاً لبيتر شاتزبرغ مؤسس "سويتهارت كيتشن" للمطاعم السحابية.

 إلا أن السوق السعودي يبدو مصمماً على النزوح من المطاعم السحابية إلى التقليدية، ومن جانبه يؤكد الدايل "نخطط إلى الانتقال لمطعم تقليدي بذات الروح العائلية الحالية، وعلى الرغم من أننا نتخذ من المنزل مقراً إلا أننا لا نخطط لنكون مطعماً سحابياً".

وعلى الرغم من المستقبل الذي يبدو مشرقاً للمطاعم السحابية في المنطقة بشكل عام والسعودية بشكل خاص، فإن المبيض يؤكد أن الثقافة العامة لمقدمي الطعام في البلاد لا تعتبر كبيرة، وهو ما أدى إلى نقص المعلومة التي يمتلكونها حول المجال.

ويبدو أن ضعف التواصل بين الأسر المنتجة وملاك المطاعم والمستثمرين في المطاعم السحابية قد يسبب خللاً بسبب ارتفاع أسعار شركات التوصيل، مما قد ينعكس سلباً على الهدف الأساسي للمطاعم السحابية.