Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل حان الوقت لإلغاء مساءلة الرؤساء الأميركيين في الكونغرس؟

الإجراءات الأربعة السابقة فشلت لكنها أحدثت تأثيرات سياسية زلزالية

آلية العزل التي لم يُفَعّلها الكونغرس سوى أربع مرات باءت بالفشل اثنتان منها مع ترمب (أ ب)

بعد تبرئة الرئيس دونالد ترمب للمرة الثانية في محاكمة مجلس الشيوخ ومن قبله الرئيس بيل كلينتون العام 1998، وكذلك الرئيس أندرو جونسون العام 1868عقب الحرب الأهلية، بدا واضحاً أنّ كل محاولات مساءلة الرؤساء في الكونغرس تمهيداً لعزلهم باءت بالفشل الذريع، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الوقت حان لإلغاء هذه الآلية واستبدالها بأخرى تضمن محاسبة القادة مثلما فعلت بريطانيا التي اقتبس منها الأميركيون مبدأ وفكرة مساءلة قادتهم وعزلهم؟ 

اقتباس محاكمة المسؤولين

نشأ أسلوب محاكمة الوزراء وكبار المسؤولين وإقالتهم كوسيلة للعقاب والتأديب في إنجلترا خلال العصور الوسطى، وهو ما جعل واضعو الدستور في الولايات المتحدة يقتبسون هذه الفكرة ويطبقونها على الرؤساء والقضاة والقادة الفيدراليين الآخرين، وهي الأداة التي ظلت مستخدمة منذ إقرار الدستور الأميركي 1787 وحتى محاكمة الرئيس السابق ترمب الذي كان الوحيد بين الرؤساء الأميركيين الذي يتعرض لمساءلة العزل مرتين على الرغم من أن محاكمته الثانية التي انتهت بتبرئته السبت الماضي، 13 فبراير (شباط)، أثارت أسئلة من الجمهوريين حول دستورية المحاكمة والغرض العام من إجراءات العزل ضد شخص لم يعد يشغل منصباً فيدرالياً.

ورد الديمقراطيون بأن واضعي الصياغة الدستورية توقعوا أن تكون المساءلة بغرض العزل للمسؤولين الحاليين، وبهدف معاقبة أي مسؤول سابق بعد خروجه من المنصب، لأن رفض محاكمة ترمب بعد انتهاء ولايته قد يفتح الباب أمام انتهاكات رئاسية للسلطة في المستقبل وبخاصة خلال الأيام والأسابيع التي تسبق مباشرة انتهاء ولاية أي رئيس.

وقد ساهمت قضية عزل كانت مثارة بقوة في بريطانيا، أثناء صوغ الدستور الأميركي في مدينة فيلادلفيا، في تحفيز الأميركيين على المضي قدماً في اقتباس مبدأ المساءلة، واستخدامه على نسق مماثل في هيكل الحكم الناشئ في الولايات المتحدة مع اختلاف رئيس، وهو أن الإدانة في بريطانيا كانت تؤدي إلى الغرامة والسجن بل تصل إلى الإعدام أحياناً، في حين أنها في الولايات المتحدة لا تمتد عقوبتها إلى أبعد من العزل والتنحية من المنصب، ولهذا سعى الديمقراطيون إلى التصويت على قرار يمنع ترمب من تولي أي منصب فيدرالي بعد إدانته في مجلس الشيوخ التي لم تنجح.

محاكمات العزل في بريطانيا

نشأت إجراءات عزل المسؤولين الحكوميين بعد محاكمتهم برلمانياً في إنجلترا خلال القرن الـ 14، عندما أصبحت وسيلة لبدء الإجراءات الجنائية، وبدأت الحالات الأولى العام 1376 التي ارتبطت بمحاكمة مسؤولين في حكومة الملك إدوارد الثالث، لكن الأمر تطور إلى النقطة التي أصبح فيها العزل طريقة للمحاكمة وليس مجرد وسيلة لبدء الإجراءات الجنائية.

غير أنه بعد منتصف القرن الـ 15، توقفت إجراءات العزل أو المحاكمة حتى القرن الـ 17، عندما أعيد إحياؤها كوسيلة يمكن للبرلمان من خلالها التخلص من الوزراء غير المحبوبين، والذين عادة ما يحميهم الملك، واستخدم البرلمان الإنجليزي إجراءات محاكمة المسؤولين مرات عدة ضدّ شخصيات مفضلة لدى الملك تشارلز الأول، ذهبت إلى حد إصدار أحكام بالإعدام ضد ثلاثة منهم العام 1649 بعد إدانتهم بالخيانة العظمى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بداية النهاية

تضاءل استخدام المساءلة تدريجاً خلال القرن الـ 18، بعدما ثبت أنها أداة سياسية فظة للغاية تُستخدم أساساً للهجوم على وزراء الملك، كما شكلت محاكمة لوران هاستينغز حاكم الهند البريطانية السابق بتهمة الفساد وسوء الإدارة، والتي أطلقها مجلس العموم، لتصبح أشهر محاكمة مسؤول وأطولها في تاريخ بريطانيا (1786 - 1795)، بداية النهاية لها إذ كانت دليلاً واضحاً على أن الإجراءات والثغرات يمكن أن تكون سبباً في البراءة التي نالها المتهم في النهاية أمام مجلس اللوردات.

بعد نحو عقدين، أدى قبول مبدأ أن يكون وزراء الحكومة مسؤولين أمام البرلمان وليس أمام الملك، إلى الاقتناع بأن مساءلة العزل غير ضرورية، ولهذا لم تستخدم بعد محاكمة أخيرة غير ناجحة للورد ميلفيل وهنري دونداس العام 1806، ما أكد نهائياً أن هذه الإجراءات، حتى عندما يرتكب المسؤول الحكومي الجريمة أو سوء التصرف المتهم به، كانت سلاحاً فظاً ومرهقاً، فقد كان مجلس العموم على استعداد لإطلاق المحاكمة، لكن مجلس اللوردات الذي لم يكن ولا يزال هيئة غير منتخبة، كان أقل استجابة واهتماماً بالرأي العام، ويرفض غالباً أن يكون أداة للتحقق من تصرفات الوزراء وغيرهم من السياسيين، وبالتالي لم تعد صالحة للاستخدام.

التأثر الأميركي

لكن الضجة التي صاحبت محاكمة هاستينغر في بريطانيا، وتزامنها مع توقيت كتابة الدستور الأميركي العام 1787 كان لها عظيم الأثر في الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، حيث سافر جون آدامز الذي أصبح رئيساً بعد ذلك، إلى لندن في ذلك الوقت، وكتب رسالة إلى زميله جون جاي أحد أبرز من صاغوا الدستور الأميركي، توقع فيها براءة هاستينغز على الرغم من استحقاقه الإدانة، ومع ذلك، أيّد آدامز وجاي دستور الولايات المتحدة الجديد، الذي تضمن محاكمات العزل، على الرغم من أن طريقة المساءلة التي استخدمت في بريطانيا كانت على وشك الاختفاء.

على الرغم من مرور أكثر من قرنين على اعتماد آلية مساءلة العزل في الولايات المتحدة، تبرز مقارنات عديدة بين نظامَي الحكم البريطاني والأميركي، فقد تزامن تراجع إجراءات العزل في بريطانيا مع ظهور عملية أخرى أكثر فاعلية يمكن من خلالها محاسبة كبار المسؤولين، إذ يجيب رؤساء الوزراء البريطانيون عن أسئلة أعضاء البرلمان كل أسبوع، ويمكن إجبار القادة على الاستقالة إذا فقدوا دعم الأغلبية البسيطة في مجلس النواب لأي سبب من الأسباب، بما في ذلك طريقة التصويت بحجب الثقة، والتي استخدمت آخر مرة حينما خسرت حكومة الأقلية العمالية بقيادة رئيس الوزراء جيمس كالاهان تصويتاً يحجب الثقة 1979، واضطر معها كالاهان إلى الدعوة إلى انتخابات برلمان جديد، كي يقرر الشعب ما إذا كانت الحكومة الحالية ستبقى أم ترحل، ومهّدت هزيمة كالاهان وحزب العمال الطريق أمام حكومة مارغريت ثاتشر المحافظة التي كانت المرأة الأولى التي تتولى رئاسة الوزراء في بريطانيا.

أميركا وبريطانيا

هكذا ساهمت طريقة الحكم البريطانية في إتاحة وسيلة فورية للتحرك من قبل الذين يعارضون الحكومة في البرلمان لأي سبب من الأسباب، بما في ذلك التعامل مع أي مزاعم عن ارتكاب مخالفات رسمية، لكن في الولايات المتحدة، تم تصميم إجراءات العزل كوسيلة لإقصاء المسؤولين الفيدراليين الفاسدين، وقد استخدمت في نطاق ضيق ضدّ عدد من القضاة والمسؤولين خلال العقود الماضية، لكن هذه الوظيفة أصبحت في الغالب خامدة داخل الكونغرس، بعدما حلّ محلها قانون النزاهة العامة الفيدرالي الذي تفرضه وزارة العدل، وتعلن من خلاله إجراءات شهرية بحق مسؤولين فيدراليين.

أما بالنسبة للرؤساء، فنادراً ما يتم استخدام آلية العزل في الولايات المتحدة والتي لم يُفَعّلها الكونغرس سوى أربع مرات طوال التاريخ الأميركي، باءت كلها بالفشل، بدءاً من الرئيس أندرو جونسون العام 1868، والرئيس بيل كلينتون العام 1998، ومرتين مع الرئيس دونالد ترمب عامي 2019 و2021، بينما لم تستكمل إجراءات عزل ريتشارد نيكسون العام 1974 بسبب مسارعته إلى تقديم استقالته خشية العزل من منصبه.

ندرة مساءلة الرؤساء

يرجع السبب في ندرة مساءلة الرؤساء إلى حد كبير إلى أن عملية مساءلة العزل مرهقة للجميع، ويمكن أن تشغل الكونغرس فترة طويلة من الزمن حيث تملأ التحقيقات آلاف الصفحات من الشهادات والوثائق، وينطوي الأمر في النهاية على ضغوط سياسية متضاربة ومزعجة، وبخاصة عندما يجري التصويت في مجلس الشيوخ على أساس الولاء والاصطفاف الحزبي مثلما حدث في محاكمة كلينتون وترمب الأولى.

ويبدو أن الآباء المؤسسين الذين صاغوا الدستور في الولايات المتحدة استمدوا فكرة مجلس الشيوخ من فهم القرن الـ 18 لكيفية عمل مثيله في روما القديمة حيث كان يُعنى بالمشورة والموافقة، وكانوا يتوقعون أن يعمل مجلس الشيوخ الأميركي الجديد بمعزل عن السياسة العادية وفوقها، أي من خلال موضوعية محكمة قانونياً، وهو ما لا يبدو أمراً واقعياً منذ وقت طويل جداً حينما يتعلق الأمر بمساءلة الرؤساء ومحاكمتهم، إذ أصبحت عملية الإقالة في الكونغرس سياسة.

هل من تغيير؟

على الرغم من مطالبة البعض بإدخال تعديلات تعدّل آلية محاسبة الرؤساء، إلا أن أخرى متكررة سابقة في الكونغرس الأميركي لم تنجح في تعديلها، ويرجع ذلك في جزء منه إلى اعتبار العزل جزءاً لا يتجزأ من نظام الضوابط والتوازنات في سلطات الحكم الأميركي الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، فضلاً عن توافر آليات أخرى تضمّنها الدستور وأضيفت إليه مثل التعديل 25 الذي يسمح في حال عجز الرئيس عن أداء مهامه أن يحل نائبه محله بعد أن يتقدم مع نصف أعضاء الحكومة بطلب يقرّه الكونغرس، والتعديل 14 الذي يتيح للكونغرس إقالة المتمردين على الولايات المتحدة، وكلاهما طالب كثيرون من الباحثين والسياسيين بتفعيلهما ضد ترمب بدلاً من محاكمته بالطريقة التقليدية التي لم تنجح من قبل أبداً.

المساءلة لم تمت

في المقابل، يرى آخرون أن عملية مساءلة العزل لم تمت على الرغم من عدم إدانة أي رئيس أو عزله من منصبه، على اعتبار أنها تُخلف تأثيراً قوياً بطرق مختلفة عن تلك التي تصورها واضعو الدستور، فقد كان لكل محاولات العزل السابقة عواقب سياسية زلزالية، فبينما لم تتم إقالة أندرو جونسون 1868، لكن لم تتم إعادة ترشيحه، وفشل في الحصول على الولاية الثانية التي أرادها، كما لم يتم إقصاء ريتشارد نيكسون 1974 لكنه استقال وسط فضيحة ووترغيت المدوية، ولم تنجح إدانة بيل كلينتون 1998، ومع ذلك، اكتسبت إدارته شعبية أكثر واستقال نيوت جينجريتش رئيس مجلس النواب الذي كان خصمه الرئيسي، كما نجا دونالد ترمب من الإدانة 2020، لكنه خسر الرئاسة، وفقد حزبه السيطرة على مجلس الشيوخ.

لهذا أصبحت إجراءات العزل في العصر الحديث، تستَمد قوتها من قدرتها على إرسال إشارة قوية إلى الجمهور حول خطورة بعض القضايا وضرورة التعامل معها من منطلق كونها حالة طوارئ حقيقية، وتتيح إجراءات الإقالة في مجلس النواب فرض قضية ما على جدول أعمال مجلس الشيوخ الذي يتحرك بشكل أبطأ، ويضطر إلى تغيير جدول أعماله، ويُجبر أعضاؤه على اتخاذ موقف عام بطريقة أو أخرى، إما الإدانة أو التبرئة.

بصرف النظر عن السوابق الفاشلة في إدانة الرؤساء، إلا أن مساءلات العزل تظل سلاحاً قوياً مؤثراً في يد غرفتَي التشريع في الكونغرس الأميركي.

المزيد من تقارير