Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سامر أبو هواش يقف على "أطلال" العالم والذات

قصيدة طويلة تسترجع ظلال الذكرى وتحتفي بشعرية الغياب

الشاعر سامر أبو هواش (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - فيسبوك الشاعر)

تحتفي قصيدة الشاعر سامر أبو هواش بمقولة "الأطلال" احتفاء نادراً ما عرفه الشعر العربي الحديث، مانحة هذه المفردة الشائكة معاني وأبعاداً تتخطى دلالتها التاريخية الراسخة في الوجدان والذاكرة.

ولم تكن مجاهرة القصيدة الطويلة بعنوانها "أطلال" (منشورات المتوسط 2021) سوى مواجهة لما تضمر هذه المفردة من تحد، هو في عمقه تحد أنطولوجي وشعري. فالتراث الشعري العربي يحفل بما لا يحصى من القصائد والمطالع الطللية، حتى غدت هذه الموضوعة (التيمة) إحدى ركائز "الشعرية" العربية القديمة، وضرباً شعرياً مستقلاً بذاته.

فالطلل كان علامة من علامات حياة الترحال في العهود الغابرة، ومحط ذكرى وجدانية، فردية وجماعية، ومنطلقاً لرثاء الحال بين ماض رحل وغد مقبل. لكن هذه الطللية التي درجت، لم يوفرها بضعة شعراء عابثين و"عبثيين" قاموا بهجائها والتهكم من شعرائها، وفي مقدمهم أبو نواس الذي قال بيته الشهير: "قل لمن يبكي على رسم درس/ واقفاً ما همّ لو جلس".

لا يسع قارئ قصيدة "أطلال" للشاعر سامر أبو هواش أن يتذكر مسألة الطللية التي لم يخل منها أيضاً بعض شعر عصر النهضة، لكنه سرعان ما يكتشف أنه هنا أمام قصيدة حديثة جداً، في رؤيتها الطللية إلى العالم وإلى الماضي وربما الحاضر، وفي لغتها وأسلوبيتها وبنيتها القائمة على ثنائية التداعي والتنامي. وقد جعل الشاعر عنوان المقطع الأول من قصيدته "موسيقى الأنقاض"، منحرفاً بالمقولة الطللية عن معناها المعجمي والتراثي الرائج عموماً.

فالأطلال تعني لديه في ما تعني: الأنقاض والذكريات والمدينة والبيت والنافذة، أي المكان برمته، وكذلك الزمن الذي هو الماضي المنفتح على الحاضر، ثم الذات والأنا والآخر والأب والجدة بما تحمل هذه المفردات من طابع تراجيدي، أليف وحميم.

وكان لا بد من أن ترد عبارة "ألبوم الصور" في الجزء الأول من القصيدة، فاللعبة الشعرية تبدو قريبة جداً من التأليف الصوري، في مداه الانطباعي والتعبيري، وفي حركته الزمنية، استعادة وانقطاعاً. وهذا ما يؤكد هوية القصيدة التي تطغى عليها شعرية الذكرى، بصفتها الضوء الذي ينير "طريق" الشاعر في غمرة ظلام الداخل أو الذات، وفي وسط الخراب الكبير الذي هو العالم.

وعندما يتم الكلام عن التأليف الصوري، تحضر المشهدية التي تتراوح هنا بين الواقعية الشعرية والتخييل أو الحلمية، حتى لتغدو مشهدية نابعة من مدى العين مجبولاً بمدى المخيلة واللاوعي. "لم يأت الصباح/ ولم أكن هنا"، يقول الشاعر، مؤكداً صفة الغياب المزدوج للعالم والذات. فالأرض كما يضيف، "منهوبة بأشباح ذكريات"، والأسى "كرسي مهجور".

وثمة "ظلال تعبر خلسة/ بين جدارين/ أو بين حياتين معارتين". لا بد إذاً من أن تتعانق الأشياء الملموسة بالأحوال النفسية أو الداخلية، انطلاقاً من شعور بالفراغ والغياب أو الأسى، داخل شريط من الصور. هكذا مثلاً يتوجع الشوق الخشب القديم كما يقول الشاعر، أو ينهش ذئب أبدي "ما تبقى من هذا الجدار"، أو "يبصق القلب دماً من شدة النباح".

ألبوم صور

يشعر القارئ بأنه يقرأ قصيدة أشبه بألبوم صور، لكنها صور غير موضبة أو محصورة في كادر، بمقدار ما تنبثق أمام عينيّ القارئ وفي مخيلته، خالقة جواً من البهجة البصرية هي في عمقها أسيانة وحزينة ومكسورة.

ألبوم صور، ولكن شعري، شديد الشعرية، منه تطل وجوه وأطياف وربما أشباح، وكذلك معالم أمكنة، أليفة أو مهجورة، بناسها وأحوالها. ألبوم من صور بعضها يمحو بعضها تماماً كما "حلم يمحوه حلم/ يمحوهما حلم أخر"، كما يقول الشاعر.

لكن فعل المحو هذا ليس سوى تدوين في الذاكرة، ذاكرة الغياب. ولا بد أن يطل من هذا الألبوم أول ما يطل، طيف ولد يقول الشاعر عنه إنه يشبهه ويناديه "يا صاحبي". الولد الذي غالباً ما يصبح عبر مر الزمن "والد الرجل" كما عبّر الشاعر البريطاني وردزورث في قصيدته البديعة "قوس قزح".

وهذا ما يعبر عنه أبو هواش عندما يقول: "الآن لا نعرف/ من الولد/ في صوت الرجل/ في سعال الرجل/ في نومه الطويل". وفي رؤية معاكسة تقلب المعادلة الزمنية والوجودية، يقول: الآن لا نعرف/ من الرجل في نظرات الولد/ في تأتأة الولد/ وفي خطوه المتلعثم".

ولعل صيغة المجهول (لا نعرف) تخلط فعلاً بين وجه الولد ووجه الرجل فيصبحان وجهاً واحداً في المرآة - الذكرى التي "تولد كل ليل". هذا الولد لا يني أن يصبح طفلاً، وهو الطفل الذي "في السابعة/ ينظر فجأة/ بعينين واضحتين/ يراني على بعد أربعين عاماً/ ويحزن".

إنها تراجيديا الطفولة عندما يعيشها الطفل وقد أصبح رجلاً، الطفل الذي لم يكبر داخل الرجل، الطفل المتوقد دوماً في دخيلة الرجل كشعلة لا تنطفئ. وهذا ما عبر عنه ستيفان زفايغ في روايته القصيرة "رسالة إلى غريبة" عندما قال: "كل طفولتي ظلت مشتعلة بشدة في ذاكرتي". بل هي الطفولة التي تواجه سنوات النضج كما يقرأها الشاعر نوفاليس وفق ثنائية "الزهرة – الثمرة" في نصه "المسودة العامة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يستدعي استرجاع الطفولة في القصيدة، صورة الأب والأم والجدة والعائلة والمدينة، وهي هنا مدينة صيدا في جنوب لبنان، التي عاش فيها الشاعر طفولته ومراهقته. لكنه استرجاع شعري بامتياز، من خلال ما يشي به معنى الغياب الذي بات يضيق به "الكوب المغبر المنسي/ منذ أربعين عاماً أو أكثر/ على حافة النافذة".

هوذا الأب في مساء بعيد يصفه الشاعر بـ"الخفيف الفراشات"، يشاهد نشرة الأخبار مرتدياً بيجامته النظيفة المقلمة، (بحسب موضة تلك الأيام)، بينما الابن البكر مستلق على الكنبة، والأم التي هي أكثر من أم، "تطهو المساء بنعاس شمعة" وتوزعه، كما لو كان حساء، "بالتساوي على الجميع".

هذا المشهد يتكرر في القصيدة ولكن مع غياب الأب، الأب الذي لم يأت بعدما وضعت الأم المفرش الفاخر على الطاولة وملأت الكؤوس "بما تبقى من حنين". الأب بات يقف في العتمة أمام الباب مثل طيف، "ومن عينيه فقط/ تنهمر على المفاتيح/ كل الظلال". أما المدينة، "مدينة الجدران الناطقة"، فهي المدرسة وبيت الجدة والساحة بناسها الجالسين "على مداخل بيوت ودكاكين"، صامتين ورافعي الرؤوس.

وكما يحضر في إطار هذه المشهدية، الباب والنافذة والغرفة والطريق والزاروب والساحة، تحضر الجدران أيضاً، جدران مدينة وماض لا تلبث أن تكتسب معاني مضافة، ذاتية وجماعية، إنسانية وسياسية، وتمسي هاجساً شعرياً ووجودياً ووجدانياً.

الجدار هو الجدار سواء كان في مدينة الطفولة أم في فلسطين البعيدة، جغرافياً أو نفسياً ومعنوياً. فالجدار يمكن أن يكون فسحة تظهر عليها "بقعة غامضة"، "تسطع حد العماء ثم تختفي"، يسميها الشاعر حياته.

الجدار قد يصبح أيضاً فكرة ملازمة أي "جداراً نحمله معنا أينما حللنا/ كحقيبة ثقيلة". في مقطع آخر يقول الشاعر: "أحدق في جدار فحسب"، لكن الجدار يتيح له أن يرى "طريقاً موحشة"، بل أن يرى ظله "يذوب في ملح التفاتة".

وقد يكون جدار البيت "المزدحم بالساعات" وعليه تتدلى مسبحة منذ أربعين عاماً. أما البيت هذا، فعتبة بابه "تفضي إلى جدار فحسب".

مشهدية شعرية

تبدو المشهدية التي يتسم بها أصلاً شعر سامر أبو هواش، حيلة بصرية، تسعى إلى استعادة الزمن وتجميده أو تغليفه بمادة شفافة، تندّ عما يخفي هذا الزمن من حنين وألم وفراغ ودهشة محايدة.

وعندما نقول الزمن إنما نقصد المكان أيضاً، فهما يتحدان كما في لوحات الرسام الأميركي أدوارد هوبر.

حتى الوضوح الذي تبوح به المشهدية الشعرية في قصائد أبو هواش، هو على حال من الغموض أو لأقل الفراغ الأليف وربما الظلام الشفيف. يقول الشاعر: "في الصور الميتة/ شيء ما يتألم بوضوح/ لكننا لا نراه".

الشيء يتألم هنا وليس الشخص، والصور هي الميتة، وهذا ما يمثل ذروة التجريد الانطباعي والنفسي. وفي مقطع آخر يقول الشاعر إن اللمسات الضريرة هي التي "تبحث عن أيديها الضائعة/ في برهة تتذكر".

وفي هذا الصدد يخاطب الشاعر"الأشخاص الأشياء والأشياء الأشخاص" ويخلط أيضاً في مقطع آخر الأسماء برمادها قائلاً: "أسماءٌ رمادٌ. أسماء الرماد/ رماد الأسماء". ولعل هذه اللعبة المجازية تذكّر هنا بما سماه رامبو "تشويش الحواس".

في هذا العالم المشهدي يحضر الشاعر أيضاً وكأنه في بعض الأحيان، أمام مرآة يبصر فيها "طيفياً" ماضيه وظلال هذا الماضي، وكذلك حاضره وحتى أشياءه. فالمرآة "ذكرى" والحياة في المرآة "حياة مضاعفة" كما يقول.

لكنه في غمرة احتدام الذكرى التي تقابلها العزلة والهجران، يدرك أنه شخص وحيد، يبحث عن أسماء كل ما اختفى، ويلمس أن الوقت كان ولم يكن، وأن يوماً آخر "يقفز على حبل الغياب".

وفي أوج هذه الذكرى المحتدمة تكفي برهة "ليقف كل شيء/ مثلما كل شيء كان/ ومثلما كل شيء/ يوماً لن يكون". وما دامت الصورة "التي فارقت" هي الصورة "التي بقيت"، فلا ضير أن تمتلئ غرفة فارغة بـ "مقعد واحد للذكرى فحسب".

لا تبلغ قراءة قصيدة "أطلال" نهايتها، هذه قصيدة متعددة الطبقات والمقامات، تظل بحاجة إلى أن تقرأ، قراءة تكشف فيها ظلالاً خفية، لا تخرج بسهولة من مخابئها التي هي "الأطلال"، أطلال الإنسان والمكان، أطلال الذات والعالم، أطلال الزمن في مختلف تجلياته، الملموسة والمجردة.

المزيد من ثقافة