Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القط الياباني الذي رصد عصرا بكامله مستعليا على البشر

"أنا قط" رواية لعبت في اليابان دور "معطف" غوغول في روسيا

صورة ناتسومي سوزيكي على الألف ين الياباني (غيتي)

"حضرتي قط. ليس لي بعد اسم حتى الآن. وليست لديّ أية فكرة عن المكان الذي ولدت فيه. كل ما أذكره أنني كنت أموء في مكان معتم ورطب وهناك حدث لي أن رأيت كائناً بشرياً للمرة الأولى..." بهذه العبارات البسيطة يفتتح الكاتب الياباني ناتسومي سوزيكي (1867 – 1916) روايته الكبرى التي اصطلحت الترجمات الغربية على عنونتها "أنا قط" مع أن عنوانها الأصلي في اليابانية يعطي مدلولاً أكثر فخامة لكلمة "أنا" ما يفترض بالترجمة أن تكون أقرب إلى "حضرتي القط" وهو أمر سوف نعرف سببه بعد سطور، أما هنا فلنبادر إلى القول إن هذه الرواية تعتبر في اليابان أشبه بقصة "المعطف" لغوغول التي يقول الكتّاب الروس إنهم جميعا وُلدوا منه. ففي اليابان أيضاً يؤكد معظم أدباء القرن العشرين أنهم جميعاً وُلدوا من رحم هذه الرواية الاستثنائية البديعة. ولكن إذا كان غوغول قد استقى معطفه من تجاربه الشخصية وبؤسه والحياة الاجتماعية في بلده، فإن سوزيكي استعار روايته الكبيرة هذه شكلاً على الأقل، من مصادر غربية من بينها رواية ستيرن "ترستام شاندي..." التي ترجمها بنفسه إلى اليابانية كما من رواية "القط مور" لهوفمان حتى وإن كان قد تمكن من إلباسها أردية يابانية بل جعلها تصوّر عقوداً من تاريخ اليابان خلال عصر ميجي، الذي شهد دخول هذا البلد حداثة ما.

حكاية عصر ومساوئه

إذاً ما لدينا هنا على مدى ما يقرب من أربعمئة وخمسين صفحة في الترجمات الغربية، حكاية ذلك العصر وأهله كتبها سوزيكي عند مفتتح القرن العشرين لينشرها أول الأمر مسلسلة في حلقات في مجلة "هوتوتوجيسو" الأسبوعية (بين 1905 – 1906) قبل أن يجمعها في كتاب كان هو ما أعطاها وحدتها الشكلية بعدما أتت في الحلقات متفرقة بحيث تُقرأ كل حلقة كحكاية على حدة وإن كان يجمع بين الحلقات كون الراوي هو ذلك القط الذي اختصر لنا بداية حكايته منذ مفتتح الفصل الأول، وكذلك كون الشخصية الثانية، السيد كوشامي أستاذ الأدب الإنجليزي الذي يتعايش طوال الحكايات والفصول مع معاناته من آلام في معدته. ولا بد من أن نذكر منذ البداية هنا أن مؤلف الرواية نفسه، ناتسومي سوزيكي كان هو الآخر أستاذاً للأدب الإنجليزي ويعاني آلاماً في معدته. وبالتالي من الواضح أن الرواية ذاتية وإن كان بشكل موارب. وذلك لأن أستاذ الأدب الإنجليزي هذا، السيد كوشامي هو نفسه الكائن البشري الأول الذي يفيدنا القط في عباراته الافتتاحية بأنه كان أول إنسان رآه. ولاحقاً في هذه الرواية التي تُحكى لنا بلسان القط سنتابع الحكاية وكيف التقط أستاذ الأدب ذلك القط الصغير ليضمه إلى بيته وحياته العائلية، إلى جانب زوجته وبناته الثلاث وخادمتهم.

القط ذلك الموسوعي الكبير!

والحال أن ما لم يتنبه اليه كوشامي منذ البداية ويخبرنا القط به بكل بساطة هو تلك المعرفة الموسوعية التي يمتلكها القط والتي كما يقول لنا هذا الأخير بنفسه، تضافرت مع حسّ نقدي يتمتع به لتمكنه من أن يتابع الحياة الاجتماعية من حوله ودائماً داخل البيت، ليس فقط من خلال أفراد الأسرة بل ومن عشرات الزوار من أقارب وطلاب علم ومتقربين من بنات البروفسور. إنه عالم صاخب متعدد يمور من حول هذا البيت، سرعان ما سيلاحظ القط أن أفراده لا يبالون به فهو لا يعدو أن يكون بالنسبة إليهم غير قط. أما هم فبالنسبة إليه أفراد يخضعهم بذكائه ونباهته إلى فحص يومي ودراسات سيكولوجية واجتماعية وطبقية حتى. وهذا ما يجعله، كما يخبرنا دائماً بنفسه، يشعر بذلك التفوق عليهم: تفوّق العالم على الجاهل والذكي على الأحمق. إنه المراقب من طرف خفي يستمتع بكون لا أحد يراقبه. ومن هنا تلك النظرة الاستعلائية التي تبدأ بالتضخم لديه على مجرى الفصول محوّلة معنى العنوان من "أنا قط" إلى ما يشبه "حضرتي قط".

كل هذا يصلنا على لسان القط في نظرة ساخرة لا تكف عن الإشارة إلى ما يعتبره القط "دونية الجنس البشري" مذكّرنا في كل صفحة وفقرة بأن تلك الدونية لا يمكننا أن نجدها إلا لدى الإنسان. فالحيوان لا ينافق ولا يكذب ولا يمكنه أن يكون بخيلاً ولا يغدر... الحيوان يتبنى ما يفكر فيه وما يفعله، أما الإنسان فهو يفكر ولا يفعل وحين يفعل يبدل من توجهات فعله... ويجعل النهار يمحو كلام الليل. وعلى هذا النحو بقدر كبير من السخرية يصف لنا "حضرة القط" أحوال المجتمع الياباني خلال عصر الميجي وكيف قاد التحديث إلى نوع من الهبوط بأخلاقيات البشر والتفكك في علاقاتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نص يفتح العيون

طبعاً لسنا في حاجة هنا إلى الإشارة إلى أن سوزيكي إذ كتب هذه الرواية ونشرها بعد أن أمضى سنوات دراسته للأدب الإنجليزي في بريطانيا حيث غاب عن بلاده وأحوالها، وصدمته حين عاد إليها تلك التغيّرات الهائلة التي طرأت على أخلاق الناس وعاداتهم وعلاقاتهم تحت وقع حداثة سيقول لاحقاً إنها ضلت طريقها الأسلم في بلاده. وهو أضاف حينها أنه إذا كان قد اختار هذا الأسلوب – أسلوب يجعل من قط كان متشرداً بائساً راوي الحكاية – فإنما لكي يُشعر مواطنيه بالحضيض الذي وصلوا إليه ولو على المستوى الأخلاقي، إذ بدلاً من طغيان اللهجة الوعظية التي كانت رائجة في هذا النوع من أدب النقد الاجتماعي، آثر أن يجعل من نظرة واحد من أكثر الحيوانات دونية، مرآة يرى بها اليابانيون أنفسهم. والحقيقة أن أي نص لكاتب ياباني لم يصل في نقده لأحوال المجتمع ما وصل إليه ذلك النص الذي فتح أعين كثر من اليابانيين، مثقفين وغير مثقفين حيث أن الرواية قرئت على نطاق واسع وراحت تصدر في طبعات للصغار والكبار كما في نسخ مصورة ناهيك بكونها حوّلت إلى أفلام سينمائية بل إلى عروض مسرحية وأوبرالية مرات ومرات منذ ظهورها للمرة الأولى قبل أكثر من قرن.

على خط انفصام المثقفين

كان ناتسومي سوزيكي في الثالثة والأربعين من عمره حين رحل عن عالمنا محطّماً ممزقاً في نوع من الافتتاح لتلك الحالة الانفصامية التي سيعيشها بعده عدد كبير من كتّاب يابانيين مات أكثرهم انتحاراً بسبب واقع رأوه ينقضّ عليهم بفعل قساوة التبدلات التي نجمت في بلدهم عن الثورة الصناعية وما واكبها من تبدلات أخلاقية وسلوكية وسياسية واجتماعية عاشتها مرحلة حكم الميجي. ومن المؤكد أن ما خفف من مصير سوزيكي أنه كتب هذه الرواية التي نفّس في صفحاتها ومن طريق قطه الصغير كل المرارة، الساخرة بالتأكيد، التي كانت تعتمل في نفسه، لا سيما مع إطلالة القرن العشرين عليه وهو يتابع دراسته في انجلترا بعدما تعايش مع الثقافة اليابانية التقليدية وتشربها خلال سنوات شبابه الأولى، وقبل أن تبتعثه سلطات بلاده في من كانت تبتعث، لدراسة الأدب الإنجليزي فيتمكن بالتالي مع عودته من تدريس شبيبة بلاده. ولقد تعرف هناك عن كثب على الأدب الإنجليزي الاجتماعي الساخر من طريق قراءته المكثفة لسويفت وديفو وبخاصة لستيرن الذي كان من الواضح أنه منذ كان في إنجلترا اتخذ قراره بالسير في الكتابة على منواله. وليس فقط من ناحية الموضوع معبراً عنه بقدر كبير من اللغة الساخرة بل كذلك من حيث اختياراته في مجال بنية الرواية التي أتت متصلة منفصلة كنوع من المزج بين الزن ولهجة منطقة إيدو، الاسم القديم لطوكيو الذي اختفى منذ العام التالي لولادة سوزيكي. مهما يكن لا بد أن نختم هذه العجالة هنا بالتذكير بأن كوشامي، الأنا الآخر لسوزيكي في "أنا قط"، لا يتوقف عن التساؤل عما إذا كان مصاباً بالجنون ليستنتج أنه ليس هو المجنون بل المجتمع أو هذا على الأقل ما يخبرنا به القط الأريب.

المزيد من ثقافة