Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا بعد قاعدة روسيا البحرية في السودان؟

الوجود الروسي سيكون مقلقاً لواشنطن في ضوء الحضور الصيني أيضاً في البلاد

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتفقد السفن الحربية خلال عرض يوم البحرية في سان بطرسبرغ  (أ ف ب)

لا يعد توقيع السودان وروسيا اتفاقية تتيح للأخيرة قاعدة عسكرية في بورسودان تطوراً مفاجئاً، خصوصاً في ضوء المصالح السودانية المباشرة من دعم روسي للقوات البحرية السودانية، ومنظومة التسلح السوداني المدعومة للمنظومة السوفياتية، التي أسهمت في إنشاء البحرية السودانية ذاتها عام 1959 في عهد الفريق عبود.

وبطبيعة الحال سيكون لهذا التطور انعكاسات على التفاعلات العربية بشأن البحر الأحمر، كما أنه يطرح الأسئلة بشأن حدود حرية الدول في تأجير أراضيها للقواعد العسكرية الأجنبية، بخاصة بعد أن ازدحمت جيبوتي بهذه القواعد لقوى عالمية كبرى ومتوسطة وصغيرة الحجم، وتمت عسكرة البحر الأحمر فيما تتجه المخاوف لعسكرة جزره أيضاً، وهو ما يلقي بأعباء إضافية على المنظومة الأمنية للبحر الأحمر في ضوء الوجود الإقليمي لكل من إيران وتركيا المناوئة للمصالح العربية في القرن الأفريقي.

ويمكن القول إن عدم وجود منظومة قانونية للأمن البحري يعتد بها، أسهم في سهولة الوجود وبسط النفوذ من جانب القوى الإقليمية والدولية في البحر الأحمر، إذ إن أقدم هذه المنظومات تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، ولم تتطرق إلى حقوق الدول المشاطئة على البحر الأحمر، الأمر الذي أسهم بشكل مباشر في عسكرة  البحر الأحمر، هذا النطاق الإقليمي الفرعي الذي يملك أهمية إستراتيجية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، للعرب والأفارقة وللعالم.

ولعل أهم الإشكاليات الراهنة لأمن البحر الأحمر، هو غياب تعريف متفق عليه ومقبول بشأن معنى الأمن البحري، حيث إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لم تقدم تعريفاً للمفهوم، ولكنها تضمنت إشارات إلى الاتجار بالبشر والقرصنة وتهريب المخدرات ووقف البث الإذاعي لغير الأسباب المرخص لها، وإن كانت أعطت حق التتبع من أعالي البحار إلى السواحل الإقليمية للدولة.

وكنتيجة طبيعية لعدم وجود مفهوم للأمن البحري عالمياً، اندفعت الدول الكبرى وآخرها روسيا، بمزاعم حماية التجارة الدولية في ضوء بروز ظاهرة القرصنة البحرية إلى الوجود المباشر على سواحل البحر الأحمر، حيث أُنشئت قواعد عسكرية من مختلف القوى الدولية والإقليمية، سواء التقليدية كالولايات المتحدة وفرنسا، أو تلك الصاعدة كالصين واليابان، فضلاً عن القواعد أو التسهيلات العسكرية للدول المشاطئة على البحر الأحمر.

 كما نجحت إيران بالتمركز في سواحل عدد من دول القرن الأفريقي، وهو أمر كانت له تداعيات أسفرت عن الحرب في اليمن، فضلاً عن وجود قاعدة عسكرية تركية في الصومال.

 المجهود الأفريقي لأمن البحر الأحمر

 على وتيرة القصور الدولي في مفهوم الأمن البحري، لا توجد أيضاً أي إشارة للبحر أو المياه الداخلية في أفريقيا في أي من ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1963، أو القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي عام 2002، ونظراً لطبيعة التهديدات البحرية المستحدثة في أفريقيا فقد ضمن الاتحاد الأفريقي إستراتيجية متكاملة للسلم البحري أُعلنت عام 2014، باسم إستراتيجية السلامة البحرية 2050.

وفي  إطار هذه الإستراتيجية عقد في لومي عاصمة توجو مؤتمر في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 صدر عنه ميثاق بشأن الأمن البحري، وقعت عليه الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، وهو الميثاق الذي نظم العلاقات بين الدول الأعضاء بشأن الأمن البحري، وحثهم على مكافحة الجريمة والتهريب وتبادل قواعد المعلومات حتى الاستخبارية منها، كما لم يمهل الميثاق الأبعاد الاقتصادية للبحار في ما سماه دعم الاقتصاد الأزرق، ولكن يبقى أن هذه المنظومة تعتمد في آلياتها على دعم المنظومة الأمنية للاتحاد الأفريقي بما يعني أن المصالح الغربية حاضرة.

وعلى صعيد آخر برز مجهود دولي على المستوى الدولي تابع للناتو في عملية أتلانتا، التي انتهت عام 2016، بينما المنظومة الأمنية الأوروبية ما زالت قائمة، ففي عام 2008 أطلق الاتحاد الأوروبي عملية NAVFOR ATALANTA  لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال، وفقاً لقرار مجلس الأمن 1816، وتتمثل مهمتها في حماية سفن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، التي تقدم المساعدات الإنسانية للصومال، وتنفيذ الإستراتيجية البحرية المتكاملة لأفريقيا لعام 2020 للاتحاد الأفريقي والميثاق الأفريقي للأمن والسلامة البحرية والتنمية في أفريقيا، المعروف أيضاً باسم ميثاق لومي، وكذلك الإستراتيجية البحرية المتكاملة للسلامة والأمن.

دور النفط في عسكرة البحر الأحمر

يشكل البحر الأحمر شرياناً رئيساً للاقتصاد العالمي، فهناك 52 سفينة و4 ملايين برميل من النفط تمر عبر المضيق يومياً، ما يجعله رابع أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، والوحيد الذي قد يواجه سيولة أمنية، حيث إن إغلاق باب المندب، يرفع من التكاليف الإضافية للنقل البحري 45 مليون دولار يومياً، إضافة إلى الارتفاع في تكاليف الشحن المترتبة على زيادة مسار الناقلات بنحو 6 آلاف ميل بحري.

وتصاعدت الأهمية الاقتصادية للبحر الأحمر بالنظر إلى تصاعد الاهتمام به من جانب  الدول المتاخمة للدول المشاطئة، لاعتبارات متعلقة بنقل الخامات الهيدروكربونية، إن أحد أسباب اهتمام إثيوبيا في تكوين قوة بحرية يتمثل في مساعي ثقلها على المستوى الإقليمي، خصوصاً مع ظهور بوادر اكتشافات بترولية في إقليم الأوجادين الصومالي. وفيما يخص جنوب السودان فقد اكتشف النفط بها عام 1978 ما فتح شهية دول شرق أفريقيا للتنقيب، بخاصة مع وصول الإنتاجية النفطية قبل الحرب الأهلية الجنوب سودانية عام 2013 لنحو 52700 برميل في اليوم، فضلاً عن وجود احتياطي يقدر بـ3.5 مليار برميل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأصدرت حكومة بورتلاند الصومالية أول رخصة تنقيب في عام 2012 لكتلة نفط دارور، كما رخصت كينيا في مايو (أيار) 2014 لنحو سبع شركات عالمية للتنقيب عن النفط، بعضها في منطقة بحيرة تنجانيقا. أما في تنزانيا فقد أقدمت شركتا شل وبيرتش بيترليوم على حفر 70 بئراً للتنقيب عن النفط.

 وفي ما يتعلق بدولة السودان الشمالي فإن هناك عدداً من المؤشرات الإيجابية بشأن احتياطاته النفطية، خصوصاً بعد طرح مربعات للتنقيب في البحر الأحمر، واختبار بئر الراوت الموجود على الحدود بين دولتي السودان، فضلاً عن إمكانات غازية بمنطقة سنار.

وطبقاً لهذه المعطيات، من المتوقع أن يتم الاهتمام من جانب شركات النفط العالمية بدول القرن الأفريقي، حيث ستزيد من وجودها، وتؤطر تحالفاتها في مجتمعات منقسمة عرقياً وقبلياً، وربما يكون ذلك مقدمة لصراعات أهلية على النحو الذي جرى في جنوب السودان بسبب النفط، بل إن الأخير أحد أسباب التقسيم السوداني التاريخي أصلاً.

التداعيات الإقليمية

إن وجود قاعدة عسكرية روسية في السودان سيكون له تداعيات آلياتها دولياً وانعكاساتها إقليمياً، ذلك أن الوجود الروسي سيكون مقلقاً لواشنطن في ضوء الوجود الصيني في السودان، وطبيعة تفاهمات الطرفين في كثير من الملفات الدولية والإقليمية. ومن شأن الوجود الروسي أيضاً أن يثير المخاوف بشأن الوزن الإيراني، التي انطلقت من المنصة السودانية عام 1991، في ضوء توجهات ثورة الإنقاذ وقتها المضادة لمحاولة الاستقواء بوزن إقليمي مواز، وقد تعزز الوجود الإيراني في منطقة القرن الأفريقي بعد حرب يوليو (تموز) 2006 في لبنان، احتساباً لردود الفعل الإقليمية والدولية على نتائج هذه الحرب، حيث استقر الأمر في طهران على خروج إيران من دائرتها المعتادة، والعمل على رسم خريطة جديدة لنفوذها البحري، والخروج من الدائرة المحدودة بمياه الخليج العربي والمياه الساحلية للمحيط الهندي.

 وقد فرضت تفاعلات الحرب اليمنية، تحولات خليجية طالت موقف سلطنة عمان لتكون على خط التحالف مع السعودية، اعتباراً من نهاية 2016،  وهو ما يعني استشعار مسقط بعظم واقتراب الخطر الإيراني من دول المجلس قياساً على توقعات مرتبطة بتأثير التدخل العسكري الإيراني في اليمن الآن على دول الخليج العربي لاحقاً، وكذلك قياساً على الدور الإيراني - الروسي في الوضع السوري وبمضاهاته الحالتين السورية واليمنية ودور إيران فيهما، فإنه من المنطقي أن تتماس خطوط المواجهة مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي التي لن تستثني إيران منها أحداً.

وفي ما يتعلق بمصر فقد أقدمت القاهرة على التمركز العسكري في إحدى جزر باب المندب حماية لتدفق حركة التجارة المرتبطة مباشرة بقناة السويس، كما أُعلن إنشاء قيادة الأسطول الجنوبي مطلع2017، وإنشاء قاعدة بحرية في منطقة حلايب، في سياق الإدراك المصري لخطورة الأوضاع في البحر الأحمر، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة للتنافس الدولي، وهو ما ترى فيه مصر تهديداً مباشراً لأمنها القومي. إذ إن تلك المنطقة تشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ومن يتحكم بها، يتحكم ولا شك بحركة الملاحة في القناة، على أن التحدي الأهم الذي تواجهه مصر حالياً، هو إنشاء منظومة دفاع صاروخية إسرائيلية لحماية سد النهضة طبقاً لموقع ديبكا الإسرائيلي، الأمر الذي يترتب عليه امتلاك إثيوبيا أوراق ضغط إضافية في إقليمي البحر الأحمر وحوض النيل.

المزيد من تحلیل