Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة متعددة الجبهات لإنقاذ لبنان العربي

الدعم السياسي المصحوب بفرصة واسعة للدعم الاقتصادي يصطدم بحواجز المصالح المحلية والخارجية

لبنانيون يتظاهرون في وسط العاصمة بيروت في أكتوبر 2019 (أ ف ب)

حال لبنان تزداد ضيقاً على الناس بمقدار ما يراها الحاكمون والمتحكّمون به في الداخل ومن الخارج، فرصة واسعة لاستكمال القبض على البلد. ولا شيء يوحي بأن اللعب بمصير لبنان في إطار الحسابات الجيوسياسية لصراع المحاور والحسابات الصغيرة للتركيبة السياسية، يتأثر بالخوف العربي والدولي عليه، فالمبادرة الفرنسية للإنقاذ التي تبناها الاتحاد الأوروبي ودعمتها الأمم المتحدة، وأُعطيت فرصة من أميركا وروسيا والصين، والتزمها أمراء الطوائف أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر، تواجه التلاعب بها في بيروت. 

وتجربة ماكرون العملية دفعته إلى القول أنه "يجب ألا يبقى الشعب اللبناني رهينة لدى طبقة سياسية" فاسدة، وهو يعرف أن الرهن "مثلث": الشعب رهينة الطبقة السياسية، والطبقة السياسية رهينة شهواتها للمال والسلطة وتبعيتها لقوى خارجية، لا سيما في محور "الممانعة"، ولبنان رهين صراع المحاور الإقليمية والدولية، فضلاً عن أنه رهينة الانتظار لتطورات من النوع الذي لا نعرفه، أو الذي يجب أن نستبقه بتحصين الوضع الداخلي، أو الذي لسنا على شاشة أصحابه، ولن يناموا بلا عشاء إذا اخترنا الانتحار.

ذلك أن البابا فرنسيس يقول، "لبنان يواجه خطراً شديداً يهدد وجوده ولا يمكننا أن نتركه في عزلته". ووزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يكرر التحذير من "زوال" لبنان. والاتحاد الأوروبي يعبّر عن "قلق متزايد حيال الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة"، ويدعو "القيادة السياسية الى الإصغاء للناس وطموحاتهم ومخاوفهم، وتنفيذ الإصلاحات من دون مزيد من التأخير"، وهو يكرر تعداد الإصلاحات الواردة في المبادرة الفرنسية، معلناً "دعم التشكيل العاجل لحكومة مهمة تتمتع بالصدقية، خاضعة للمساءلة وقادرة على تنفيذ الإصلاحات اللازمة. الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يؤكد في باريس الموقف، "لن نتخلى عن لبنان". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن كل هذا الدعم السياسي المصحوب بفرصة واسعة للدعم الاقتصادي شرط إجراء الإصلاحات يصطدم بحواجز المصالح التي بعضها محلي فقط، وبعضها الآخر محلي خارجي. والسؤال هو إلى أي حدّ حدث تحوّل في المواقف العربية والدولية التي تكاد تنفض اليد من لبنان، وتتصرف حياله وكأنه صار "محمية إيرانية"؟ ألسنا في حاجة إلى دور عربي قوي بقيادة مصر يساعد لبنان في استعادة ما خسره من دوره العربي، بدلاً من تركه لتصاعد الدور الإيراني فيه، ودفعه إلى النهاية في صراع المحاور؟

الواقع، في غياب هذا الدور، أن التركيبة السياسية والميليشياوية التي سيطرت على السياسات الداخلية والخارجية للبلد، بدت قادرة بقوة السلاح والعصبيات الطائفية والمذهبية، على الصمود في مواجهة ضغطين في وقت واحد، ضغط الداخل عبر نزول الناس إلى الساحات منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 للمطالبة بالإصلاح والتغيير تحت شعار "كلن يعني كلن"، وضغط الخارج الداعي إلى إصلاحات بنيوية في النظام، حتى لجوء العواصم الصديقة إلى مخاطبة المجتمع المدني وتقديم المساعدات عبره من فوق رؤوس السلطة الرسمية، فإنه عجز عن جعل التركيبة السياسية تشعر بالمسؤولية أو الخجل حيال الإهانة التي تجاوزت "الدبلوماسية"، والكل في الداخل والخارج يعرف أن منظمات المجتمع المدني ليست البديل عن مؤسسات الدولة.

وقمة المأساة أن ما لم يسقط في حرب لبنان على مدى 15 عاماً يسقط في السلم الذي هو "استمرار للحرب بوسائل أخرى"، على حد تعبير كلاوزفيتز. فخلال الحرب بكل أبعادها والوجوه المحلية والإقليمية والدولية، بقي للدولة دور في السياسة الخارجية والأعمال الإدارية، على الرغم من سطوة التنظيمات المحلية والإقليمية، وسيطرة الدول المتدخلة في الحرب. والمسألة اليوم ليست فقط أن تكون أو لا تكون لدينا حكومة فعالة ذات صدقية. المسألة الأهم هي أن تكون أو لا تكون لنا دولة بالمعنى الحقيقي خارج صراع المحاور، تمارس السيادة على كل الأرض وما سمّاه غرامشي "احتكار العنف الشرعي" بدل سلطة محاصصة موزعة على المحاور.

يقول المثل، "الخوف مستشار سيئ، لكن اللامبالاة مستشار أسوأ". وليس أمامنا في التحدي المصيري سوى مقاومة ما يراد فرضه على لبنان عبر تركيبة مسكونة بالخوف واللامبالاة، ومرتهنة إلى مشاريع خيالية.

المزيد من تحلیل